تابعنا
استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السبت الماضي في قصر وحيد الدين في إسطنبول وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في إطار جولة للأخير تشمل دولاً عربية عدة، مثل السعودية والإمارات والأردن وقطر بالإضافة إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي.

يبدو أن هدفها الأساسي هو استمرار لجولات بلينكن السابقة المتعلقة بمنع تصعيد الصراع على المستوى الإقليمي مع احتمال وجود عدد من القضايا التي ترى واشنطن أهمية وجود تركيا فيها لإنجاحها، وخاصة بعد وجود الكثير من الانطباعات والقناعات حول فشل جولات بلينكن الثلاث الأخيرة.

بدء الجولة من تركيا

وتعد هذه الجولة هي الجولة الرابعة للمنطقة منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة قبل 3 أشهر، ولكن هذه هي المرة الأولى التي يبدأ بها بلينكن الجولة من تركيا، ويشار إلى أن هذه المرة استقبل أردوغان بلينكن والتقاه على عكس المرة السابقة التي اقتصرت على لقاء على مستوى وزيري الخارجية، وقد تكون هذه رسالة تركية بأن بلينكن يحمل شيئاً ما يستحق اللقاء مع الرئيس ورسالة أمريكية تشير إلى دور تركي أكثر أهمية في المرحلة المقبلة، إذ دعمت تركيا موقفاً يدعو إلى وقف فوري للحرب، بينما كانت الولايات المتحدة قد أعطت سابقاً ضوءاً أخضر مفتوحاً للاحتلال الإسرائيلي ساهم في استمرار الاحتلال في العدوان.

وقد حضر اللقاء الذي استمر لمدة ساعة من الطرف التركي مع الرئيس وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن، ومن الطرف الأمريكي إلى جانب بلينكن السفير الأمريكي لدى أنقرة جيفري فليك، علماً أن بلينكن وفيدان عقدا لقاءً ثنائياً قبيل اللقاء مع أردوغان، وقد استمر اللقاء بين فيدان وبلينكن لمدة ساعتين، وهو ما يشير إلى وجود أجندة دسمة للقاء.

غزة.. الملف الأبرز

وبالطبع هناك جملة من الملفات التي تعدّ قيد البحث بين تركيا والولايات المتحدة مثل انضمام السويد إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو" وملف صفقة طائرات "إف-16"، لكن في الحقيقة يعد الملف الأهم والأكثر حضوراً على الأجندة الإقليمية هي الحرب في غزة والأزمة الإنسانية والدور التركي المحتمل فيها في سياق أدوار إقليمية أخرى، في ظل تعثّر التوصل لوقف إطلاق النار أو صيغة يجري بموجبها تحقيق صفقة لإطلاق الأسرى سواء أكانوا الموجودين لدى المقاومة أم الموجودين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

ويضاف إلى ذلك الأمن الإقليمي وما يتعلق بالتطورات في البحر الأحمر وخليج عدن بعد تبني الحوثيين لسياسة ضغط وهجوم على السفن التابعة والداعمة للاحتلال حتى وقف إطلاق النار في غزة وإدخال المساعدات الإنسانية.

من المعلوم أنه بعد مرور أكثر من 90 يوماً على الحرب وعدم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار، فمن الطبيعي أن تسعى واشنطن للعمل عبر أطراف عدة، وخاصة بعد ورود تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة كانت قد حددت رأس السنة الجديدة كحد أقصى لاستمرار الحرب، وكذلك كانت تركيا قد عرضت لعب دور الوساطة وقدمت فكرة الضامنين الدوليين والإقليميين كصيغة يمكن التعاون حولها.

وفي الوقت الحالي تدرس واشنطن أيضاً كيفية زيادة المساعدات إلى غزة، كما من المؤكد أن وزير الخارجية الأمريكي سيطرح ملف الإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين في غزة، وبالتالي فإنه سيطلب من تركيا لعب دور في هذا السياق، وبما أن تركيا تمتلك علاقات جيدة مع الطرفين، فإنها ستكون معنية بهذه الفرصة والتعاون مع كل من مصر وقطر في هذا السياق.

وبحسب قراءة للتصريحات التي أدلى بها مسؤولون في وزارة الخارجية الأمريكية قبل الزيارة، فقد وصفوا القضايا التي سيناقشها بلينكن بـ"القضايا الحاسمة" مع نظرائه على مدى أسبوع، ابتداءً من تركيا واليونان ومروراً بدول عربية وصولاً إلى دولة الاحتلال ثم الضفة الغربية.

وبحسب ما نقلته وكالة رويترز أيضاً عن مسؤولين أمريكييين فإن واشنطن تتطلع للعب دول إقليمية الأدوار الأساسية في عملية إعادة إعمار غزة، وربما الواقع الأمني والإداري في القطاع بعد الحرب، وقد عبّرت تركيا في أكثر من تصريح عن استعدادها للعمل في هذا الجانب.

وفي هذا السياق، فإن الموقف التركي بقي ثابتاً على الموقف المبدئي المطالب بوقف فوري لإطلاق النار، إذ قال وزير الخارجية التركي إن العدوان الإسرائيلي المتزايد على غزة "يشكل تهديداً للمنطقة بأكملها"، مشدداً على ضرورة إعلان وقف إطلاق النار فوراً وإيصال المساعدات الإنسانية من دون انقطاع إلى القطاع.

رغم أن هناك تصريحات نقلتها بلومبرغ بعد اللقاء عن بلينكن حول أن تركيا مستعدة للعب دور بنّاء في آلية الحكم في قطاع غزة لفترة ما بعد الحرب، فإنه في الحقيقة لا تزال هناك كثير من التحديات في ظل العقبات التي تضعها دولة الاحتلال الإسرائيلي، في ظل رفضها وقف إطلاق النار من حيث استمرارها في المجازر ومنع دخول المساعدات الإنسانية حتى الآن.

ملف السويد

يعتقد الأمريكان أن تركيا أطالت أمد عملية انضمام السويد إلى حلف شمال الأطلسي، علماً أن لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان التركي دعمت تقديم الطلب الشهر الماضي ويبقى القرار للبرلمان التركي في هذا الصدد، وفي الحقيقة ما زالت تركيا تتعامل مع هذا الملف بحذر بالنظر إلى عدم تجاوب السويد في مراحل سابقة مع مطالب تركيا بخصوص وقف دعم المنظمات الإرهابية، وكذلك الحال، فإن الولايات المتحدة التي ما زالت تحثّ تركيا على قبول طلب السويد الانضمام للناتو، تؤجل تسليم طائرات "إف-16" لتركيا وتربط الأمر بقرار الكونغرس الأمريكي.

وفي هذا السياق وخلال كتابة كلمات هذا المقال صدر تصريح مهم عن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أكد فيه تطلع أنقرة لبت واشنطن في عملية بيع مقاتلات "إف-16" لتركيا، موضحاً أن القرار النهائي بخصوص عضوية السويد في الناتو يعود للبرلمان التركي.

ومن الجدير بالإشارة هنا، أن البرلمان التركي كان له موقف حاسم في 2003 عندما رفض بفارق 3 أصوات فقط الموافقة على مشروع قرار يسمح بنشر قوات أمريكية في تركيا تحسباً لاحتلال العراق وإرسال قوات تركية إلى شمال العراق في حال وقعت الحرب.

من الواضح أن تركيا حذرة جداً في هذا الخصوص، وتحاول ألّا تقدم على أي خطوة قد تسبب لها ضرراً في المستقبل، وتصرّ على تحقيق مكاسب كافية وشروط عملية تعمل كضمانات لعدم تطبيق هذه الدول أي سياسات ضدّ تركيا بعد أخذها للموافقة على انضمام السويد للناتو.

قضايا أخرى ساخنة

إضافةً إلى ما سبق، تأتي زيارة بلينكن لتركيا أيضاً بعد تزايد هجمات واستهدافات تنظيم PKK/PYD الإرهابي ضد الجيش التركي، إذ تعتبر الولايات المتحدة داعماً وراعياً أساسياً لهذه التنظيمات، كما أن الزيارة تأتي بعد اعتقال أنقرة لنحو 34 جاسوساً يعملون مع الموساد في تركيا.

وبعد اغتيال الاحتلال الإسرائيلي لنائب رئيس حركة حماس صالح العاروري مع قادة آخرين في بيروت والذي يتوقع أن يكون له تداعيات متعلقة بالتصعيد، وفي الحقيقة كل العوامل السابقة تعمل على تسخين المشهد وهو الأمر الذي يبدو أن واشنطن لا تريده.

تدرك واشنطن أن أنقرة غير معنية بتوسع الحرب إلى المستوى الإقليمي، ولهذا قد تكون محتاجة لدور تركيا في هذه المرحلة، وستثبت الأيام القادمة فقط إنْ كانت واشنطن التي منحت الاحتلال الإسرائيلي دعماً لا محدوداً خلال ثلاثة الأشهر الماضية قد وصلت متأخرة، أم ما زال بالإمكان إيجاد صيغ لوقف الحرب على أسس عادلة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي - وكالات