تتعاظم في المجتمعات العربية ظاهرة خطيرة تتمثل في زيادة الفجوة بين الطبقة الغنية ذات الإسراف الباذخ والطبقة الفقيرة التي زادتها السياسات الرأسمالية فقراً يوماً بعد يوم.

بينما تزداد معدلات الفقر، مثلما بلغ في مصر 32.5% للعام المالي 2017/2018، وفي ظل ما تعانيه مجتمعات الدول النامية الأخرى من تراجع خدمات الرعاية الاجتماعية، وتردي الأوضاع المعيشية لدى قطاع واسع من الشرائح الاجتماعية جراء برامج الإصلاح الاقتصادي وتأثيره على تدني الأجور وسياسات التسعير وصرف العملات والقوى الشرائية.

تشهد أسواق تلك المجتمعات، وعلى نحو مناقض ارتفاعاً متصاعداً في معدلات الإنفاق على الطعام الفاخر ومستحضرات التجميل والعناية بالجسد، كذا الاهتمام البالغ بمجالات تصميم الأزياء والرياضة والسياحة وتجارة الأجهزة الذكية، على نحو يشي بالوفرة المادية وارتفاع مستوى الرفاهية العامة، عكس ما تعلنه الاحصاءات وانطباعات الواقع الظاهري.

 أسواق ناشئة .. رأسمالية قاع

يعكس هذا المشهد المتناقض والمربك جانب من سياسات الاقتصاد المعولم إثر عملية نزع التصنيع من دول المركز خلال الثلاثة عقود الأخيرة، وهجرة الرأسمال التجاري والمالي بحثاً عن فضاءات جديدة للربح في أسواق دول العالم الثالث الناشئة، فيما يُطلق عليه " السباق نحو القاع"، وقد استهدفت بعض القطاعات الاستثمارية التجارية بعض بلدان الشرق الأوسط ذات العواصم الحضرية الكبرى التي تتمتع بتاريخ انفتاحي، ما يزال أفراده وبعض شرائحه الاجتماعية لديهم تطلعات ودوافع التحقق الذاتي والوجاهة الاجتماعية المحفزة للاستهلاك.

استعان هذا الاقتصاد بماكينة إعلامية ساهمت بفعالية في إعادة تنميط الاستعدادات التطبعية، وعززت القيم الليبرالية التي تغازل الذات والدوافع الشعورية بالحق في العناية والاستمتاع بمباهج الحياة وملذاتها، حيث دفعات كثيفة من برامج الطبخ وصيحات الموضة ووصفات لا نهائية من أجل جسد مثالي ومتكامل له أن يمتلك كل سبل الراحة وأسباب الرفاهية التي تقدمها الشركات الكبرى ذي العلامات التجارية المميزة ومقايسها.

وفي الوقت ذاته، ولأن تلك المجتمعات ما تزال تتمسك بأشكال الروابط الاجتماعية القديمة مثل العائلة والأسرة الكبيرة، فقد استثمر هذا الاقتصاد، في المعنى الاجتماعي للإنفاق ورمزيته التفاخرية، مستغلاً الثقافة التقليدية التي تحتفي بقيم الجود والكرم وبذل المال في تبادل الهدايا الثمينة مع الآخرين في المناسبات العامة والخاصة كأعياد الزواج والميلاد وغيرها، مما يفسر ازدياد معدلات الانفاق على وجه لافت وزاعق خلال تلك المناسبات لا يتوافق والمستوى المادي العام.

رأسمالية ديمقراطية ولاطبقية افتراضية

ترتب على هذا الانفتاح الاقتصادي التجاري الذي قادت مسيرته الماكينة الإعلامية، أن سادت أو تعززت أنماط جديدة من السلوك الشرائي والإدخاري لدى شرائح اجتماعية جديدة، كما نمت عقلية التبديد الاستهلاكي غير الآبه بالزمن حتى بين أفراد الطبقات الدنيا سيما الجيل الحديث.

إذ أصبحنا أمام أفراد يشغلهم هَم إبراز ذواتهم والاعتناء بها في اللحظة الآنية، وكيفية عيش حاضرهم باستمتاع ، على عكس ما كان جيل الآباء يفكر في كيفية إدخار المال واستثماره في امتلاك أصول ثابتة تدرعوائدها مستقبلاً على العائلة أو الطبقة التي ينتمون إليها، ومن ثمّ غدا الترقي الذاتي الفرداني الذي يعبر عنه نمط الاستهلاك بديلاً عن الترقي الاجتماعي الطبقي.

وفي عصر الإعلام الرقمي الجماهيري، وبشكل استثنائي وحصري ربما، تجسد افتراضياً معنى مفهوم اللاطبقية؛ إذ في هذا الفضاء الشاسع تجاور وتحاور واستعرض الناس ذواتهم دون أن تقف الطبقة عائقاً في سبيلهم، وكان لمنصات التواصل الاجتماعي دوراً بارزاً في تشكيل الثقافة وإعادة صياغة تصورات المرء لذاته وللعالم، إذ تجاوزهذا الحيز الافتراضي ترسيمات المكان والزمن والطبقة، فلم تعد أسوار "الكومباوندات السكنية باهظة الترف" والمدن المغلقة وحدود جغرافيا الدول الحديثة البعيدة "المتقدمة" تحجب أنماط سلوك وتفكير الوسط المعيشي، مما ساهم في توسيع رقعة التوقعات، ومحاكاة الممارسات الحياتية المحفزة لشهية الإنفاق والمزيد من العمل لأجل تلبية المتع الشخصية.

إذاً، أصبح بوسع الاقتصاد أن يحقق ما أخفقت فيه السياسة؛ إذ سُميت تلك المسألة " بدمقرطة الاستهلاك" تحت شعار " من حق كل امريء أن يستمتع، ولمّ لا"، بصرف النظر عن معدلات الفقر وميزانيات الاقتصاد العامة وأصل النشوء الاجتماعي للفرد، وهكذا نجح الرأسمال التجاري في أن يخاطب النزعة الفردانية والدوافع الشعورية الضاغطة، مطمئناً المرء " يمكنك أن تتميز حتى لو كنت تقبع بمستنقع، كل ما عليك أن تعمل جاهداً في الترس، وتنفق ما لديك دون التفكير في الغد"!

سياسات تسعير جديدة ودعايا تطوعية واستفزازية

ارتكزت على هذا المنطق الشركات الكبرى الخدمية، والعلامات التجارية العالمية في أسواقها الناشئة، وتمكنت من اجتذاب فئات جديدة من المستهلكين، وتضمين منتجاتها في حاجيات استهلاكهم الاعتيادية، وقد تشعبت فروع التوكيلات التجارية التي اخترقت حواضر بلدان الشرق الأوسط كدليل على الانفتاح الثقافي الكوني بما يرمز إليه من التميز الحضاري والثراء المادي، عدا تمدد سلاسل التوريد للمنتجات الفاخرة من الأغذية ومستحضرات التجميل والعناية باهظة الثمن في محلات ومراكز البيع بالتجزئة، فضلاً عن التعاملات الشرائية الرقمية.

إلا أنّ سياسات التسعير وفق المعايير العالمية للمنتج تبرز كإحدى التحديات والمعضلات التي تواجهها تلك الشركات في تحقيق نسب مبيعات عالية، نظراً لعدم معقوليتها بالنسبة لمتوسط الأجور ومعدلات الدخل للفرد في تلك المجتمعات، مما قد يلجئها اضطراراً إلى السماح باستخدام علامتها التجارية في نسخ وتقليد المنتج بالوكالة، أو اتباع سياسات تحفيزية جديدة للتسويق تهدف إلى قبول السعر والاحتفاظ بالوعد التمييزي، مستغلة مسألة الهوس بالأصالة.

ولأن منطق الرأسمالية الليبرالية يهتم بفكرة القبول الذاتي للفرد، والحس العام المشترك الذي يمرر هذا القبول، عملت على تطوير الاستثمار الدعائي الذي لا يمانع من انتهاج أساليب استفزازية وتصادمية، ترمي إلى خلخلة ثقافة الاستهلاك المجتمعية بدفعات كثيفة ومباغتة، وجعلها مسألة جدالية تُطرح بشأنها الآراء في الحيزات العامة.

على منصات التواصل الاجتماعي يستثير البعض غضب الناس، ويستحوذ على ناصية جدالهم بنشر فواتير خرافية الثمن بشكل مبالغ فيه لبعض مشترياته وهداياه وتكلفة عزوماته ونزهاته السياحية، ويفسره البعض بأنه استعراضاً اجتماعياً بائداً يعكس وضاعة أصل المُستعرض، إلا أنّ في مخاض هذا الجدل تتبلور مسألة " دمقرطة الاستهلاك"، ففضلا عن الإعلان غير المباشر للمنتج أو الخدمة، يتحاور الناس حول القدرة المالية وحرية اختيار الفرد في إنفاق ما يملكه، بصرف النظر عن معقولية السعر من عدمه ومدى التفاوت المادي الصارخ، جرياً على مضمون المثل الشعبي " من لا يملك لا يُلزم".

لقد تبدلت جذرياً سياسات الدعاية والتسعير القديمة بفضل الإعلام الرقمي وآليات التسويق، وتمكن الإعلان عن المنتج أن يطارد المرء ويطوقه أياً كان مستواه المادي، إذ لم يعد شرطاً أن يذهب الزبون إلى المنتج، وإنما المنتج يلاحقه كلما فتح منصة تواصل أو موقع اخباري أو نافذة للحوار والمراسلة، ولم يعد يستلزم فاترينات عرض ومتاجر كبرى قد يمر عليها الزبائن مصادفة وتعجبهم ثم ينسونها، وإنما الشبكات الرقمية اليوم عبر الخوارزميات تعلم وتسجل ما يراودهم من أحلام تّملُكية ومتعية مجرد البوح أو التساؤل بشأنها، ليجد الزبون نفسه أمام عرض مستمر ومتنوع لا يكل ولا يمل من التكرار والالحاح والمطاردة على مدار 24 ساعة يداعب خياله وتطلعاته حيثما كان.

وعبر الشبكات الرقمية يتلاشى المكان، فلم تعد المنتجات الفاخرة حق حصري لمتاجر الحواضر الكبرى، ولم يعد ثمة فرقاً كبيراُ بين أن يعيش المرء في المدينة أو الريف أو حتى في حزام العشوائيات الغارقة في الفقر، وإنما يكفيه امتلاك ثمن المنتج وبوسعه الحصول على ما يريده من خلال التواصل عبر خطوط البيع والشراء "on line".

كل تلك الأساليب التسويقية صنعت دعاية تطوعية وغيرت من ثقافة الشراء والحساسية تجاه السعر؛ إذ بات البعض يروج للمنتجات بشكل طوعي اعجاباً بها او استعراضاً لها على صفحاته الشخصية، وآخرون يدافعون عن السعر بحجة معايير الجودة الحصرية والاستحقاق، وعليه، لم يعد السعر مجرد رقم مكتوب على عرض وعلاقة حصرية بين البائع والمشتري، وإنما وجهة نظر بين الزبائن أنفسهم من طبقات مختلفة عبر فضاء متجاوز يعمل على صنع وصياغة عادات جديدة مهجنة، منها ما يفرض " اتيكيت وقواعد التعامل"؛ إذ ليس من اللائق أن يتجادل الزبون مع البائع حول السعر، بل عليه أن يكون ممتناً لتوفير المنتج.

بالأخير، للمرء حرية اختيار نمط سلوكه المعيشي ووجوه إنفاقه، وحقه الاستمتاع بلحظته الآنية التي يمتلكها، وليس في هذا الأمر ثمة اعتراضاً أو استنكار، لكن ينبغي أن يكون واعياً ببواطن الاستغلال والتحكم، وآليات الهيمنة على وجدانه ودوافعه الشعورية في تمرير ما ليس معقولاً ومستنزفاً لموارده، والأسوأ، أن هذه المؤشرات الاستهلاكية يُساء قراءتها وترويجها من قِبل السلطة السياسية للدلالة على ارتفاع مؤشرات الرفاهية والاستقرار المادي الزائف.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كتّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي