يحاول وليّ عهد السعودية محمد بن سلمان إنقاذ مسيرته السياسية بالاختلاط مع الزعماء الأجانب أمام الجميع، لكن ربما كان الأوان قد فات. فقد ترسخت صورته كزعيم ملطخة يداه بالدماء.

سافر وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان إلى العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، في أول ظهور دولي بارز له، للمشاركة في قمة مجموعة العشرين. ومن المرجَّح أنَّ محمد بن سلمان يريد أن يُظهِر للعالم أنَّ مكانته الدولية لم تهتز على الرغم من الروابط العديدة التي تربطه بعملية القتل الوحشية التي تَعرَّض لها الصحفي السعودي جمال خاشقجي في مطلع شهر أكتوبر/تشرين الأول. لكن يبدو أنَّ تأثير خاشقجي وهو ميت يتجاوز كثيراً تأثيره في أثناء حياته، إذ ظلّ وجه محمد بن سلمان ملطخاً بالدماء أمام نظرائه من قادة العالم، وتشوهت سمعته بلا رجعة في أعين معظم العالم.

النائب العامّ الأرجنتيني يحقّق بشأن بن سلمان

أرسلت هيومان رايتس ووتش في وقتٍ سابق من هذا الأسبوع قُبيل قمة مجموعة العشرين ملف أدلة إلى قاضٍ أرجنتيني فيدرالي تطالب فيه الدولة الأميركية الجنوبية بالتحقيق مع محمد بن سلمان. وطلبت المنظمة الحقوقية التحقيق في جرائم الحرب في اليمن التي يقودها وليّ العهد السعودي، وأن يخضع للتحقيق كذلك في ما يتعلق بتورُّطه في قتل خاشقجي، الذي ذُبح وقُطِّعَت أوصاله في القنصلية السعودية في إسطنبول.

وفي حين لا تمتلك الأرجنتين سلطة قضائية في الجرائم التي تحدث في اليمن أو تركيا، هناك مادة في الدستور الأرجنتيني تسمح لها بالتمتُّع بسلطةٍ قضائية عالمية عندما يتعلق الأمر بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بغضّ النظر عن المكان الذي حدثت فيه حول العالم. وهذا يشبه القوانين السابقة في المملكة المتحدة، التي كانت تهدد الساسة الإسرائيليين بالمحاكمة الجنائية من أجل جرائم الحرب التي يرتكبونها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكن بريطانيا أعادت صياغة قوانين جرائم الحرب إرضاءً فقط لحليفها الصهيوني.

لكن على عكس ما فعلته بريطانيا، لم تغير الأرجنتين قوانينها في ما يتعلق بتلك الجرائم، ولا بد أنَّ هذا كان خبراً حزيناً ومشؤوماً بالنسبة إلى محمد بن سلمان، فبعد الطلب الذي قدمته هيومان رايتس ووتش، والذي من الواضح أنه كان يهدف إلى إحراج وليّ العهد، أعلنت السلطات القانونية في الأرجنتين بعد ساعاتٍ من وصوله إلى بوينس أيرس أنَّها ستبدأ في الاستعلام بصورةٍ مبدئية لمعرفة ما إذا كانت سلطاتٌ أخرى تحقِّق بكفاءة في هذه الادعاءات. وإذا وجدوا أنَّها لا تخضع لتحقيقٍ كافٍ أو صارمٍ بما يكفي، فستبدأ الأرجنتين في تحقيقها الخاص بشأن محمد بن سلمان.

وعلى الرغم من أنَّ هذه المرحلة التمهيدية يبدو أنها لن تؤدِي إلى أي اعتقالات أو لوائح اتهام رسمية، تفيد تقارير بأنَّ محمد بن سلمان قلقٌ للغاية بشأن هذه التطورات القانونية، لدرجة أنَّه يحتمي في السفارة السعودية بدلاً من الإقامة مع بقية حاشيته في أحد الفنادق.

من البديهي أن نعتقد أنَّ الرئيس التركي قد يفضِّل مصافحة شخصٍ مصاب بالطاعون على مصافحة الحاكم الفعلي للمملكة السعودية العربية، الذي نفَّر كثيرين من حوله بأسلوبه المتعجرف وميله إلى العنف دون مبالاة

طلحة عبد الرزاق

وقالت هيومان رايتس ووتش في تصريحٍ لها في ما يتعلق بمحمد بن سلمان والتحقيق: "ستحوم الشكوك حول محمد بن سلمان بينما يحاول إعادة بناء سمعته المحطمة في قمة مجموعة العشرين. من الأجدى أن يفكّر قادة العالم مرتين قبل التقاط الصور قرب شخصٍ قد يخضع للتحقيق في جرائم حرب وتعذيب".

محمد بن سلمان يتحول إلى شخص منبوذ

بالطبع سيكون من الطبيعي أن يتردد قادة العالم كثيراً قبل أن يُشاهَدوا وهم يتملقون محمد بن سلمان بأي طريقةٍ أو صورةٍ أو شكل.

ففي يوم الثلاثاء قال مولود جاويش أوغلو، وزير خارجية تركيا، إنَّ محمد بن سلمان طلب مباشرةً لقاءً شخصياً مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي ردّ ببساطة قائلاً: "سنفكّر في الأمر". كانت تركيا في مقدمة حملة الكشف عن الشخص الذي أمر بقتل خاشقجي، واستبعد أردوغان الملك سلمان بن عبد العزيز من دائرة الاشتباه، بينما لم يذكر ابنه وليّ العهد. وبالنسبة إلى كثيرين يشير هذا ضمنياً إلى أنَّ أنقرة تعتقد أن محمد بن سلمان كان هو المسؤول عن عملية القتل، أو على علمٍ بها على الأقلّ، على عكس الادعاءات السعودية بأنَّ هذه لم تكُن سوى"عملية مارقة". بذل أردوغان مجهوداً ملحوظاً في خطاباته ولقاءاته العديدة منذ القتل ليمتنع عن توجيه الخطاب إلى محمد بن سلمان بالاسم أو حتى الإشارة إليه على الإطلاق. ومن البديهي أن نعتقد أنَّ الرئيس التركي قد يفضِّل مصافحة شخصٍ مصاب بالطاعون على مصافحة الحاكم الفعلي للمملكة السعودية العربية، الذي نفَّر كثيرين من حوله بأسلوبه المتعجرف وميله إلى العنف دون مبالاة.

وعلى الرغم من أنَّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإدارته يدعمون محمد بن سلمان دعماً كاملاً، فحتى هم لديهم حدودٌ في ما يتعلق بمدى استعدادهم للتعامل معه. فعندما سُئلَت سارة ساندرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، عما إذا كان الرئيس ترمب سيقابل محمد بن سلمان، رفضت استبعاد حدوث أي تفاعلٍ بينهما، لكنَّها صرحت: "لا أعتقد أنَّ لدينا وقتاً لنضيف أي لقاءات" إلى اللقاءات المجدوَلة سلفاً التي سيعقدها الرئيس الأميركي. وهذا يوضح أنَّه على الرغم من الاستثمارات السعودية العملاقة في الاقتصاد الأميركي، لم يكُن هذا كافياً لترمب ليضع محمد بن سلمان في أولويات جدوله.

إذا لم ترغب قوةٌ إقليمية مثل تركيا ولا الولايات المتحدة حليفها الأقرب في الانخراط مع بن سلمان، فإذاً هناك أسباب قوية ليقلق بن سلمان على مستقبله

طلحة عبد الرزاق

إلى جانب إيران، تمثل تركيا أقوى قوةٍ حالياً في الشرق الأوسط. وإذا لم ترغب قوةٌ إقليمية مثل تركيا ولا الولايات المتحدة حليفها الأقرب في الانخراط مع بن سلمان، فإذاً هناك أسباب قوية ليقلق بن سلمان على مستقبله. وأفاد بعض التقارير بالفعل بأنَّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال لمحمد بن سلمان في محادثةٍ خاصة في قمة مجموعة العشرين إنَّه كان "قلقاً"، ولم تفلح طمأنة بن سلمان له في تهدئة مخاوفه.

وعلى الرغم من كل هذا، إذا ورث محمد بن سلمان صاحب الثلاثة والثلاثين عاماً العرش فعلاً، فعلى الأرجح سيظلّ في الحكم حتى سنٍّ كبيرة، وهذا وقت طويل للغاية بالنسبة إلى الدول التي تسعى للحصول على تنازلاتٍ من المملكة العربية السعودية لتواصل استخدام هذه الجرائم المزعومة كعصا تُجبِر بها محمد بن سلمان على الإذعان. وقد يصبح فجأة البقاء في الحكم كحاكم منبوذ لدولة منبوذة مسعاه الوحيد، وقد يندم محمد بن سلمان على اليوم الذي قرّر فيه أن يسلك أساليب بعينها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي