المنظومة الروسية للدفاع الجوي من طراز "إس 400". (Others)
تابعنا

وتعود هذه المزاعم في أصلها إلى مصدريْن أولهما جهات إعلامية مثل رويترز، ونيويورك تايمز حول ادعاءات مناقشة هذا الطلب الأمريكي خلال زيارة ويندي شيرمان نائبة وزير الخارجية الأمريكي لتركيا في وقت سابق من هذا الشهر، والثاني اقترحه الكاتب الأمريكي بول كولبي (موظف سابق في السي آي إيه) في مقال له في وول ستريت جورنال من أن العقد الذي وقعته تركيا مع روسيا يتيح لها أن تنقل منظومة S-400 إلى دول أخرى، وعليه يمكن نقلها إلى أوكرانيا، (وهو أمر مشكوك في أن يكون مذكوراً في العقد)، وقد ذكر كولبي هذه الفكرة كمقترح لحل الأزمة بين تركيا والولايات المتحدة حول شراء تركيا منظومة S-400 من روسيا مما تسبب بقيام الولايات المتحدة بإخراج تركيا من برنامج إنتاج مقاتلات F-35. وقد قام رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية فخر الدين ألطون بكتابة مقال في نفس الصحيفة فنّد فيه هذا المقترح جملة وتفصيلاً.

ويقدم كولبي فكرته كمقترح ثلاثي تقوم بموجبه أنقرة بإعطاء S-400 لأوكرانيا بمساعدة أمريكية، وتقوم الولايات المتحدة بإعطاء تركيا منظومة دفاعية بديلة، إضافة لإعادة تركيا إلى برنامج F-35. ومن وجهة نظره يتم بذلك إصلاح العلاقات التركية الأمريكية، ويتم تمكين أوكرانيا من حظر الطيران الروسي في الأجواء الأوكرانية.

وفي الحقيقة وبينما لم يأت أي تأييد رسمي لهذا المقترح من المسؤولين الأتراك أو الأمريكان لا يمكن تخيل قبول تركيا بهذا المقترح أو اعتباره واقعياً لعدة وجوه، أولاً، وعلى افتراض عدم وجود غزو روسي لأوكرانيا فإن منظومة S-400 دخلت بالفعل إلى أصول وزارة الدفاع التركية وأصبحت داخل الخدمة، وبالتالي فإن التدخل الخارجي في وضعها سيكون تدخلاً في السيادة التركية. ولم تنجح مقترحات سابقة لحل الأزمة بنقل المنظومة إلى دولة ثالثة بعيدة عن روسيا.

أما الأمر الثاني فهو يأخذ بعين الاعتبار الهجوم الروسي الأوكراني والتصعيد المحتمل للحرب على المستوى الدولي، ولذلك لن يكون من المنطقي أن تكون تركيا بلا منظومة دفاعية في مثل هذه الأجواء، وقد كانت المنظومة بالأساس احتياجاً تركياً أساسياً جازفت تركيا بتوتر علاقاتها مع الولايات المتحدة من أجلها وتعرضت لبعض العقوبات لتأمين هذا الاحتياج، وهو احتياج يتعلق بأمنها القومي بالدرجة الأولى وخصوصاً بعدما قام الحلفاء بسحب بطاريات الباتريوت في وقت كانت تركيا في أمسِّ الحاجة إليهم إبان توتر علاقتها مع روسيا على إثر إسقاط المقاتلة الروسية.

ثالثاً: يهدد هذا المقترح الوضع والدور الذي رسمه الرئيس أردوغان بميزان الذهب ويسعى جاهداً للحفاظ عليه، وهو دور الوسيط في الصراع الروسي الأوكراني/الغربي الجاري، إذ يمكن لروسيا أن تعتبر أن مثل هذا القرار بمثابة إعلان حرب، وقد يجر تركيا إلى موقف حرج.

كما يتعارض المقترح مع السلوك الفعلي المتوازن الذي مارسته تركيا في تطبيق اتفاقية مونترو للمضايق البحرية. كما يتعارض مع الجهود الدبلوماسية التركية الكبيرة التي تبذلها تركيا والتي كان من آخرها اتصالات بين تركيا من جهة وكل من فرنسا وألمانيا من جهة لإيجاد صيغ لوقف إطلاق النار والتوصل لتسوية لإنهاء الحرب.

رابعاً: على المستوى الفني احتاج نقل منظومة S-400 من روسيا إلى تركيا طائرة خاصة، وأسهم خبراء روس في تشغيل المنظومة وتدريب جهات تركية على استخدامها، وبالتالي توجد صعوبات في نقل المنظومة وتشغيلها من جهة ثالثة في الوضع الطبيعي، فكيف يكون الحال في ظل أجواء الحرب، وفي ظل الحديث عن استخدام هذه المنظومة من جهة معادية لروسيا بل وضد روسيا نفسها وهي الجهة المصنعة للمنظومة، إذ يمكن لروسيا أن تملك معلومات حول كيفية تشغيلها وربما تعطيلها عند الحاجة.

يضاف إلى ذلك استحضار التهديد الروسي بقصف أي عمليات إدخال أسلحة نوعية إلى أوكرانيا تغير ميزان القوى وهو في الواقع أحد أسباب الحرب الدائرة حالياً. وبالكاد تتقبل روسيا بيع تركيا طائرات بدون طيار لأوكرانيا علماً أن تركيا قامت بتزويد أوكرانيا بها قبل بدء الحرب.

خامساً، يمكن تفهم استخدام منظومة S-400 في حالات الهجمات القادمة من بعد وبشكل مفاجيء، وليس في مثل الحالة الأوكرانية إذ أصبحت الدبابات والقوات البرية الروسية في محيط وداخل المدن الأوكرانية.

خامساً: يحمل المقترح تناقضاً آخر، وهو أن واشنطن جادلت سابقاً بأن منظومة S-400 لا يمكن استخدامها ضد الطائرات الروسية فكيف تريد استخدامها الآن في أوكرانيا ضد الطائرات الروسية.

سادساً: لا يعتبر موضوع S-400 موضوع الخلاف الوحيد بين تركيا والولايات المتحدة فتوجد ملفات أخرى مثل الخلاف على دعم الأخيرة لقوات PKK وPYD في سوريا والعراق، واستمرار حماية تنظيم كولن "الارهابي" المتهم بالوقوف وراء محاولة انقلاب 15 تموز 2016 في تركيا. وهو ما يستدعي حواراً جدياً من طرف واشنطن مع أنقرة لحل المسائل العالقة وخصوصاً بعد أن أثبتت تركيا محوريتها لدور الناتو في هكذا صراع.

ختاماً، ليس خافياً أن تركيا تحاول تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة وتسعى لإيجاد حلول للمشاكل القائمة وبخاصة مشكلة S-400 لكن ليس بصنع مشكلة أخرى في علاقاتها مع روسيا التي دخلت الحرب أصلاً لمنع تسليح أوكرانيا، وبخاصة أن المنظومة ليست سلاحاً عادياً بل سلاح استراتيجي. كما أن منظومة S-400 روسية فليس من المنطقي تصور نجاحها في مواجهة سلاح روسي آخر ولهذا فإن مقترح نقل تركيا منظومة S-400 إلى أوكرانيا ليس واقعياً من الناحية العسكرية والسياسية والفنية بل وحتى المنطقية.

TRT عربي