تيار الحداثة بمكوناته المتناقضة مع الرئيس. هذا التيار ليس حزبا واحدا وليس قوة اقتصادية، ولكنه قوة فعل ثقافي وإعلامي فعالة ومؤثرة، ويجد في الرئيس آخر حصن ضد حزب النهضة

كل الحركات والسكنات وكل الأقوال والتلميحات تنتهي إلى انتخابات 2019 التشريعية والرئاسية. يمكن أن نهنئ أنفسنا أن مسار الانتخابات انتصر وأن الداعين إلى إلغائها أو تأجيلها يتقهقرون أمام الراغبين في إنجازها ولكل حساب. رئيس الدولة ثبّت الموعد وأنهى الجدل، لكن هل سنبلغ موعدها فعلاً؟ تتوفر أسباب كثيرة للتشكيك في حصولها ما لم يتم التأثير على نتيجتها مسبقاً.

هناك نتيجة واحدة تجعل الانتخابات ممكنة فعلاً. هي بقاء المنظومة القديمة في وضع السيطرة والحكم بقطع النظر عن الأسماء الظاهرة. شرط هذه النتيجة أن يتم تقليص حزب النهضة الإسلامي إلى أصغر حجم ممكن. بما يعفي المنظومة من استئصاله على طريقة بن علي ويريحها من نفوذه المتعاظم في الشارع وفي البرلمان.

هل تملك المنظومة قدرة حقيقية على البقاء والمواجهة؟. لقد خطب الرئيس بذلك ليلة 25 أيلول/ سبتمبر ملمحاً إلى قدرة المنظومة على الدفاع عن نفسها ومصالحها قدام كل احتمالات نقضها والحلول محلها، ولم يُلغِ احتمالات العنف في الطريق إلى الانتخابات.

الرئيس ليس في وضع مريح لكنه يملك أوراقاً

قراءتان في خطاب الرئيس الباجي ليلة 25 أيلول 2018:

واحدة تراه مشرفاً على آخر أيامه ويفقد قدراته على إدارة البلد والحكم ويرون الأمور تفلت من بين يديه. فهو يعلن عجزه بلا مواربة عن عزل رئيس الحكومة المستقوي عليه بالدستور. ويصر بشكل لا أخلاقي على توريث ابنه الحكم عبر تمكينه من إدارة حزب النداء أو ما تبقى منه، ورقة القوة الأخيرة التي بين يدي الرئيس الآن.

والثانية رأت الرئيس في كامل وعيه بالمرحلة وهو يدفع الأمور إلى التأزيم، معولاً على إعادة بناء الاصطفاف القديم الذي أوصله إلى سدة الرئاسة في 2014، فقد وضع الفصل 80 من الدستور على الطاولة.

ينص الفصل المذكور على وضع الخطر الداهم الذي يخوِّل له سلطات استثنائية لفترة يقدرها بنفسه. يمكن للرئيس خلق الخطر الداهم بمن بقي معه من الحلفاء، وأولهم الاتحاد العام التونسي للشغل الذي قرر الإضراب العام في القطاع العام أولاً، ثم في الوظيفة العمومية ثانياً أي في عامود الاقتصاد، ثم في عامود الإدارة التي لو توقفت عن العمل تنهار الحكومة. ويمكن في هذه الأثناء إضافة عمليات إرهابية مبرمجة (والإرهاب في تونس مبرمج من جهة داخل السلطة أو جهة خارجية مساندة للمنظومة القديمة).

وضع الخطر الداهم يلغي المسار السياسي ويطلق يد الرئيس بإجراءات سياسية وقانونية خاصة قد تصل إلى حل الأحزاب وإلغاء المسار الانتخابي برمته. هل يذهب الرئيس في هذا الاتجاه؟

نور الدين العلوي

وضع الخطر الداهم يلغي المسار السياسي ويطلق يد الرئيس بإجراءات سياسية وقانونية خاصة قد تصل إلى حل الأحزاب وإلغاء المسار الانتخابي برمته. هل يذهب الرئيس في هذا الاتجاه؟ وجب أن نعرف من معه ومن ضده في هذا؟

حلف الرئيس

تجري الآن عملية اصطفاف سياسي بسرعة فائقة، النقابة تقف مع الرئيس بكل ثقلها، ورغم أن منخرطي النقابة ليسوا كلهم على موقف سياسي واحد إلا أن تقاليد العمل النقابي ليست ديمقراطية فهي معتادة على إغلاق المؤسسات بالقوة وفرض الإضراب. كما أن قيادتها في وضع من يخوض معركة وجود، وكل تراجع عن التهديد يفقدها دورها في المحطات القادمة. لمّح الرئيس إلى أنه قادر على التحكم في قرارها بالقول أن التهديد بالإضراب ليس تنفيذه. وهو تلميح يعني أن قيادة النقابة في يده يستعملها متى يشاء.

اتحاد الصناعة والتجارة (نقابة الأعراف) أي قوة المال الخاص يقف مع الرئيس. الأعراف ليسوا كتلة سياسية واضحة المعالم أو ذوي موقف موحد على أساس إيديولوجي، ولكنهم قوة محافظة وقد عاشت من الفساد المالي أكثر مما عاشت من الاستثمار والعمل. وكل تغيير يهدد أسلوبها في الكسب لذلك يصبح الرئيس المحافظ أقرب إليها من الاصطفاف مع التغيير، ولو كان نحو المزيد من الليبرالية كما يعدها رئيس الحكومة (يوسف الشاهد).

تيار الحداثة بمكوناته المتناقضة مع الرئيس. هذا التيار ليس حزباً واحداً وليس قوة اقتصادية، ولكنه قوة فعل ثقافي وإعلامي فعالة ومؤثرة، ويجد في الرئيس آخر حصن ضد حزب النهضة، فإن لم يفلح الطرفان في إنقاذ بعضهما من تقدم النهضة فسيصيران في وضع أقلي ينتهي بفنائهما السياسي.

حلف مضاد للرئيس

رئيس الحكومة يقود حلفاً قد ينهي وجود الرئيس السياسي ووجود أسرته في المشهد التونسي تبدو طموحاته بلا حدود وهو يستبق ويغير معطيات على الأرض، منها خاصة وزارة الداخلية

نور الدين العلوي

رئيس الحكومة يقود حلفاً قد ينهي وجود الرئيس السياسي ووجود أسرته في المشهد التونسي تبدو طموحاته بلا حدود وهو يستبق ويغير معطيات على الأرض، منها خاصة وزارة الداخلية التي أعاد ترتيبها مع وزيره الجديد. حتى اللحظة ضمن رئيس الحكومة إسناداً سياسياً من حزب النهضة وأفلح في شفط نواب حزب النداء، بما منحه حتى الآن أغلبية برلمانية جعلت الرئيس يكشف عجزه عن إسقاطه وحكومته.

الرئيس دون حزب النهضة بدا مهيض الجناح مكسوراً. لقد حسم حزب النهضة أمره بوقوفه مع الاستقرار الحكومي ضد رغبة الرئيس. بدا الرئيس مجاملاً للحزب (متوسلاً تقريباً) ولكنه حاول تحميله مسؤولية ما قد يقع مستقبلاً من اضطراب. بلغة فيها المَنُّ بعدم الاستئصال وكثير من التهديد والتخويف بالظرف الدولي غير المرحب بالإسلام السياسي. من الواضع أنه خسر الغنوشي وتوافقه الذي سمح له بالحكم المريح حتى البارحة.

قوىً سياسية واجتماعية تقف مع رئيس الحكومة ضد الرئيس منها قطاع واسع من حزب النداء، وموقفها محكوم بخلفيات جهوية ذكرها الرئيس صراحة عندما قارن بجماعة المنستير الذين قضوا على بورقيبة (فجاء بن علي) وهم يعملون على القضاء عليه (ليأتي بن علي آخر). ومنها قوى أخرى تعمل على توسيع الفتق بين مكونات المنظومة لإفشالها من الداخل. يتحسس رئيس الحكومة وجودها وإن لم تملك وجهاً سياسياً محدداً يعبر عنها.

والآن أين نحن ذاهبون؟

لم يعد موعد الانتخابات تخميناً، لقد ربط الرئيس نفسه من لسانه وقطع طريق التراجع على الجميع بما فيهم ابنه وفلول حزبه. استعمال الفصل الثمانين من الدستور يبقي المجلس في حالة انعقاد والمجلس الآن مع الشاهد، أي أن يد الرئيس مغلولة دستورياً. يوسع رئيس الحكومة مجال حركته وتسمح له صحته وفصاحته (مقارنة بابن الرئيس) بالاستباق والتحشيد.

نميل إلى الاعتقاد أن هناك تيار صاعد من داخل المنظومة يقوده الشاهد ضد تيار يتراجع يقوده ابن الرئيس، ولا يفلح الرئيس في إنقاذه لأنه فقد أهم ورقة بين يديه وهي تحالفه مع النهضة. لقد طلب الرئيس من الغنوشي أكثر مما يستطيع أن يعطي، وقد أجهزت بلطجة الابن على صلة الاحترام بين الشيخين (معلومات مؤكدة أن ابن الرئيس اقتحم بيت الغنوشي وأساء إليه باللفظ والحركة).

ما دامت المنظومة القديمة تملك باباً للنجاة أمام حزب النهضة وأمام قوى الثورة التي لم تتجسد سياسياً ولكنها موجودة وتضغط بقوة؛ فستتجه إلى باب الخروج من الأزمة والباب هو يوسف الشاهد الذي بدا الآن بكتلة نيابية قد تتحول إلى حزب حقيقي يدخل بها الانتخابات. عليه فقط ألا يفرط في خطاب مقاومة الفساد.

نميل إلى الاعتقاد أيضاً أن حزب النهضة سيعمل أو لعله عمل بالفعل على التوافق مع الشاهد على خارطة طريق لما قبل 2019 وما بعدها. في بعض جمل الرئيس البارحة انكسار ذليل أمام قرار حزب النهضة إنهاء التوافق. ونعتقد أنه يرى قوة النهضة تنتقل نهائياً إلى خصمه، فأيقن بضعف موقفه التفاوضي مع الشاهد.

إلى أي حد يمكن التعويل على قوة النقابة لإحداث إرباك سياسي في الأشهر القادمة؟ تاريخ النقابة يعلمنا أنها مخبر للانتهازية السياسية قبل أن تكون نقابة عمالية ملتزمة

نور الدين العلوي

إلى أي حد يمكن التعويل على قوة النقابة لإحداث إرباك سياسي في الأشهر القادمة؟ تاريخ النقابة يعلمنا أنها مخبر للانتهازية السياسية قبل أن تكون نقابة عمالية ملتزمة. حرص النقابة على سلامة بنيانها من التفكك بفعل اختلاف المواقف السياسية داخلها سينتصر على تيار توريط النقابة في معركة رئيس موشك على نهاية مدته أمام شاب يدخل السياسة لثلاث عقود قادمة.

ذاهبون إلى الانتخابات، وليس رئيس البارحة من يملك  القدرة على تعطيلها، لكن أين البرامج المستقبلية؟ هذه آخر هموم الفرقاء المتنازعين على بلد يغرق في شبر ماء.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي
المصدر: TRT عربي