مع اقتراب موعد الانتخابات العامة في العراق، يدور الحديث في الأوساط العراقية عن فرص تشكل كيانات سياسية جديدة يلعب فيها التشرينيون - وهو المصطلح الذي بات يطلع على ناشطي المظاهرات التي انطلق في تشرين 2019- دوراً ما قد يعمل على تغيير الخارطة السياسية.

حملت لنا الأيام الأولى من العام الجديد خبر تحرّك قاطرة الاستعداد للانتخابات المبكّرة في العراق، فعلى الرغم من عدم الثقة بين أوساط المراقبين بأنها ستجري في الموعد الذي أعلنه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في السادس من يونيو/حزيران القادم، فإن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق بدأت بالعمل على أساس أن الانتخابات ستجري في موعدها المعلن.

ففي السادس من يناير/كانون الثاني الجاري أعلنت المفوضية عن فتح باب التسجيل للأحزاب والكيانات السياسية الراغبة في المشاركة في الانتخابات. وحدّدت وقتاً لتسجيل الأحزاب والتحالفات السياسية، ما بين التاسع إلى السادس عشر من شهر يناير/كانون الثاني الجاري، وأضاف بيان صادر عن المفوضية "تكون فترة استقبال قوائم المرشحين الراغبين بالمشاركة في انتخابات مجلس النواب العراقي 2021، ابتداء من يوم السبت الموافق 2021/1/9 ولغاية يوم الخميس الموافق 2021/1/28".

وبحسب متابعة لجريدة المدى البغدادية فإن هناك نحو 26 مليون ناخب مؤهل للمشاركة في الانتخابات المقبلة، بينهم 10 ملايين ناخب لم يسجلوا حتى الآن، وإن عمليات تحديث سجل الناخبين ستقفل يوم الثاني منفبراير/شباط القادم.

حتى هذه اللحظة فإن الكيانات السياسية التي تقدّمت بطلب تسجيلها لدى المفوضية تجاوزت حدود الـ400 كيان سياسي، والرقم مرشّح للزيادة حتى انتهاء موعد التسجيل. وهو عدد كبير قياساً على الأحزاب والكيانات السياسية التي دخلت في انتخابات 2018 السابقة.

من الواضح أن الكثير من هذه الكيانات السياسية الجديدة جرى تشكيلها كواجهات انتخابية من قبل الأحزاب الكبرى النافذة، من أجل مجموعة أهداف، أهمّها التنويع الشكلي للخيارات أمام الناخب العراقي، والتعويل بالتالي على كسب المزيد من الأصوات التي ستصب في مصلحة القوائم الانتخابية التابعة للأحزاب الكبرى بعد دخولها البرلمان.

وهناك هدف ثانٍ يتعلق بمواجهة رغبة شريحة من محتجي تشرين في المنافسة في هذه الانتخابات، وبالتالي إغراق مشهد الانتخابات بالكثير من الكيانات السياسية التي ستشتت المشهد أمام الناخب العراقي، وتسرق الضوء من التشرينيين.

الانتخابات المبكرة هي مطلب أساسي لتظاهرات تشرين، هذا هو المعلن، على الرغم من وجود أصوات من بين المتظاهرين لا ترى في الانتخابات المبكرة خياراً جيداً للتغيير السياسي الذي يطمحون إليه، لكن يجري التعامل اليوم مع هذا المطلب على أنه مطلب تشريني أساسي، ومن أجله تشكلت الحكومة المؤقتة والانتقالية لمصطفى الكاظمي، التي من مهامها الأساسية تهيئة الظروف لانتخابات مبكرة.

في نقطة "تهيئة الظروف" تكاد تتجمّع كل المشاكل التي تواجه مطالب التغيير السياسي، فإذ تبدو العديد من التيارات السياسية الكبيرة مسترخية وهي تستعد للانتخابات، بل إن بعضها يتحدث بكل ثقة عن ضمانه لكتلة برلمانية كبيرة ربما تؤهله لنيل منصب رئاسة الوزراء كما هو الحال مع التيار الصدري، فإن العديد من الأصوات التشرينية ترى أن حكومة الكاظمي فشلت حتى الآن في تهيئة الظروف المناسبة لإجراء انتخابات ضمن الحدّ الأدنى من شروط النزاهة وحماية الناخبين والمرشّحين.

وهذا ما يجعل مشاركة الكيانات السياسية المنبثقة عن احتجاجات تشرين أمراً صعباً، وقد لا تكون غير ذات جدوى أصلاً.

لا يبدو مشهد المشاركة السياسية للتشرينيين متسقاً أو واضح المعالم حتى الآن، وأغلب الراغبين مبدئياً في المشاركة في الانتخابات يشكون من ضيق الوقت المتاح لتسجيل الكيانات السياسية، وأن الأحزاب الكبرى ذات المليشيات المسلحة ما زالت تستمر في عمليات التصفية والملاحقة للناشطين والمتظاهرين، وتمنع توفّر ظروف طبيعية لمشاركتهم كطرفٍ منافس في الانتخابات القادمة.

تحدّث كاتب هذه السطور مع ممثلين عن كيانات سياسية منبثقة عن احتجاجات تشرين، يجمع أغلبهم على عدم الحسم بشأن جدوى المشاركة في الانتخابات القادمة، رغم أنهم يمضون في كلّ الخطوات المطلوبة منهم من المفوضية، إلا أن قرار المشاركة من عدمها ليس محسوماً حتى الآن.

تجمع هذه الكيانات السياسية "التشرينية" على فكرة أن المشاركة السياسية لا تعني نهاية الحراك الاحتجاجي، وإنما هي تنويع على الحراك نفسه، والأصل فيه التنظيم، تنظيم العمل الاحتجاجي بما يؤدي إلى المشاركة في الانتخابات، أو التهيئة بشكل أفضل لجولات احتجاجية قادمة، فالمهم والأساسي في كلا الاتجاهين هو التنظيم.

هناك في الحقيقة أكثر من تيار سياسي يعلن نفسه ممثلاً عن تشرين أو منبثقاً عنها، ولكنها إما واجهات سياسية لأحزاب موجودة في السلطة وإما كيانات تفتقر إلى القواعد الشعبية بين المحتجين.

أما أبرز الكيانات السياسية التشرينية التي أعضاؤها ومؤسسوها من ساحات الاحتجاج فعلاً، فهي"البيت الوطني"الذي جرى الإعلان عنه في مدينة الناصرية إحدى أهم معاقل الاحتجاج التشريني ويتزعمه عدد من شباب التظاهرات، وكذلك"الاتحاد العراقي للعمل والحقوق"ومقره في بغداد، وكذلك"حركة امتداد"التي يتزعمها الدكتور علاء الركابي من الناصرية.

يرى زايد العصّاد وهو أحد القيادات الشبابية في "البيت الوطني" أنهم يعملون على تنظيم صفوف المحتجين في كل المحافظات وليس في الناصرية أو الجنوب فحسب، ولكنهم لم يحسموا قرارهم بالمشاركة في الانتخابات من عدمها، و سيراقبون عمل الحكومة وقدرتها على توفير ظروف الحد الأدنى لإجراء انتخابات سليمة، وأن خيار المقاطعة سيبقى حاضراً.

الرؤية نفسها كانت عند أحد المتحدثين باسم "الاتحاد العراقي للعمل والحقوق" رفض الكشف عن اسمه، فهو يرى أن التنظيم له الأولوية الآن، ولكنه يضيف أن الظروف لا تبدو مناسبة للمشاركة في الانتخابات، فالأحزاب الكبرى ذات الأذرع المسلحة ما زالت تحكم الشارع، ما يشكل عامل تهديد بالتصفية لأي منافسة جدية، وما زال المتظاهرون أنفسهم غير موحّدين، وهناك الكثير من العمل المطلوب للدخول بصورة قوية في أي انتخابات تجري في المستقبل.

يرى زايد العصّاد أن هدف "البيت الوطني" لا يقف عند حدود المشاركة في الانتخابات، وإنما توفير خيارات سياسية للشارع العراقي، يمكنها المساهمة في قيادة الجولات القادمة من الحراك الاحتجاجي. وأنهم يعملون وفق رؤية واضحة تخصّ ملء الفراغ الموجود في الساحة السياسية العراقية، التي ظلّت تهيمن عليها على مدى عقود طويلة الأحزاب الشمولية الأممية، الشيوعية والقومية والإسلامية، وأن ما يفتقر إليه المشهد السياسي العراقي اليوم هو البديل الوطني الذي يضع مصلحة الأمة العراقية كبوصلة موجّهة للعمل السياسي.

بشكل عام يبدو أن الكثير من ناشطي تشرين يجمعون على فكرة أن التغيير الذي يطمحون إليه في العراق لا يتحقّق بمجرد المشاركة في الانتخابات القادمة، وأن طريق الإصلاح السياسي طويل، خصوصاً أن الأحزاب المتحكّمة في المشهد لن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى الأجيال الجديدة من الشباب تزاحمها على ما في أيديها.

عملياً، وعلى الأرض، فإن حكومة الكاظمي لم تقدّم حتى الآن سوى "النيات الحسنة" التي تترجمها خطابات الكاظمي التلفزيونية، ولا يبدو أنها قادرة أو حتى راغبة في كفّ يد المليشيات عن ملاحقة الناشطين، وأوضح مثال على ذلك الصدامات الجارية حتى وقت كتابة هذه السطور في ساحة الحبوبي مركز مدينة الناصرية، ما بين الأجهزة الأمنية المدعومة من المليشيات ومحتجي تشرين، وتزايد الاعتقالات والمداهمات لبيوت الناشطين.

ورغم تعالي الأصوات لوقفها فإن الحكومة لم تصرّح بشيء ولم تصدر حتى الآن أي بيان يوضّح طبيعة هذه الاعتقالات، بما يوحي أن الحكومة طوت صفحة الاحتجاجات وتسعى إلى تصفيتها، رغم ادعائها بأنها جاءت محمولة على مطالب التشرينيين أنفسهم.

يرى المتحدث باسم "الاتحاد العراقي للعمل والحقوق" أن الدخول المرتبك وغير القوي لناشطي تشرين في الانتخابات القادمة سوف يكون ضربة موجعة لمطالب الاحتجاج السلمي في العراق، فهو سيقدم ذريعة لمناوئيهم من أحزاب السلطة بأنهم أكثر شرعية وأكثر حضوراً في الشارع من محتجي تشرين.

في كلّ الأحوال لا توجد حتى الآن أي مؤشرات على أن يوم الاقتراع المعلن سيكون مناسباً لإجراء انتخابات سليمة لا يتحكم فيها السلاح المليشياوي، فضلاً عن أن مطلب اعتماد البطاقة البايومترية في تحديد هوية الناخب، وهو مطلب تشريني لمنع التزوير، لن يكون متحققاً على الأغلب وسيجري اعتماد البطاقة الانتخابية السابقة.

كما أن وجود مراقبة دولية للانتخابات أمر غير مضمون هو الآخر، خصوصاً مع حقيقة أن المجتمع الدولي سيرضى بنتائج الانتخابات أياً كانت، والدليل على ذلك نتيجة التصويت الضعيفة في انتخابات 2018 والمقاطعة الشعبية الواسعة لها، ومع ذلك جرى اعتمادها في تشكيل البرلمان ومن ثمّ الحكومة.

إن توفير الظروف المناسبة لمشاركة التشرينيين في الانتخابات، إن كانوا كيانات سياسية أو قواعد شعبية انتخابية، سيمثل نوعاً من إعادة الثقة بالعملية السياسية وترميماً للمشهد الاجتماعي المنقسم بشكل حاد حالياً، وتوفير فرصة لمشاركة التشرينيين في المؤسسة التشريعية وصناعة الحلول للأزمات المتفاقمة في العراق اليوم.

أما محاربة فرصة مشاركتهم فهي ستضعف النظام السياسي في البلد أكثر، وتزيد من الانقسام الاجتماعي والسياسي ولن تنهي الحراك الاحتجاجي، بل ستعزز من مشروعية اللجوء مرّة بعد أخرى إلى ساحات التظاهر.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي