إن ما يخيف المدافعين عن إسرائيل ليس المعارضين لإسرائيل من خارجها، بل أولئك الذين يعيشون فيها. الذين يعتقدون أن المستوطنين يشكلون عبئاً على الدولة وليسوا رصيداً لها.

رُفعت دعوى قضائية ضد قانونٍ في ولاية تكساس يمنع الموظفين الحكوميين من مقاطعة إسرائيل. يُظهِر هذا الجدلُ مدى رسوخ القمع المُوجَّه ضد الدفاع عن الفلسطينيين في السياسات الأميركية والإسرائيلية، ما يضرّ بحرية التعبير في كلا البلدين، ويُعزِّز من الاعتقاد الباطل بأنَّ المعارضة، في أيٍّ من البلدين، ليس لها حقٌّ في الوجود.

وتتجنَّب بهيّة عماوي (صاحبة الدعوة) بصفتها مواطنة عادية، شراء منتجات صُنِعَت في إسرائيل أو الأراضي الفلسطينية المحتلة. لكنَّ بهية، التي كانت تعمل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في إحدى ضواحي مدينة أوستن، عاصمة ولاية تكساس الأميركية، فقدت وظيفتها بعد أن رفضت التوقيع على تعهُّدٍ بعدم المشاركة أو حتى الترويج لحملة حركة المقاطعة BDS وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل.

ربما تكون حركة مقاطعة إسرائيل مزعجةً، لكنَّ ما يغضب اليمين الدمويّ في إسرائيل هم الإسرائيليون اليساريّون المسالمون، الذين يعتبرهم اليمينيون خونة.

ويلسون بيزارد

وتسعى حركة المقاطعة BDS للضغط على إسرائيل بسبب معاملتها للفلسطينيين، لكنَّ المنتقدين يتهمونها بالتمييز ضد إسرائيل على نحوٍ ظالم، أو أنها حتى معادية للسامية.

قدَّمت بهية استئنافاً لمُشرِفها، لكنه قال إنَّ الأمر خارجٌ عن سيطرته، ولما كانت غير قادرة على تجديد عقدها، فقد تعيَّن عليها التخلي عن وظيفتها. وقالت بهيّة لموقع The Intercept، الذي كان أول من نشر قصتها: "لا يمكنني أن أفعل ذلك بضميرٍ مستريح".

وأضافت: "لو فعلت ذلك فلن يقتصر الأمر على خيانة الفلسطينيين الذين يعانون في ظلِّ احتلال أراه ظالماً، ومن ثَمّ أكون متواطئة مع قمعهم، لكنني أكون أيضاً خائنة لإخواني الأميركيين من خلال التمكين لانتهاك حقوقنا الدستورية في حرية التعبير والتظاهر السلمي".

وتوضح الدعوى أيضاً أنَّ قانون تكساس المعادي لمقاطعة إسرائيل ينتهك حق بهية في حرية التعبير، الذي يضمنه التعديل الأول للدستور الأميركي، والذي ينص على أنه: "لا يصدر الكونغرس أيَّ قانونٍ خاص بإقامة دين من الأديان أو يمنع حرية ممارسته، أو يحدّ من حرية الكلام أو الصحافة، أو من حق الناس في الاجتماع سلمياً، وفي مطالبة الحكومة بإنصافهم من الإجحاف".

وتجادل قضية عماوي بأنَّ قانون ولاية تكساس يناقض هذه الكلمات، ومع أنَّ لكل ولاية دستورها الخاص في الولايات المتحدة، لكنَّ هذه الدساتير المنفردة لا يمكنها أن تناقض الدستور الفيدرالي وتعديلاته. ولا يتضمَّن التعديل الأول استثناءً يقول: "باستثناء مقاطعات إسرائيل، فهذه ينبغي أن تكون غير قانونية".

لكنَّ ما لا يقل عن 26 ولاية سنَّت قوانين تحظر وصول أموال الدولة إلى حركة مقاطعة إسرائيل، وذلك بحسب مجموعة Palestine Legal الحقوقية، بل إنَّ ثمّة قانوناً فيدراليّاً لا يزال قيد التحضير من شأنه وضع عقوبات مالية قاسية على النشاط المقاطع لإسرائيل. وفي الوقت ذاته، نفت المحاكم الفيدرالية دستورية قوانين أخرى معادية لحركة المقاطعة على مستوى الولايات، أو شكَّكَت في دستوريتها.

إن التأكّد من عدم عبور تيارات مقاطعة إسرائيل في الولايات المتحدة والمشاعر المعادية للاحتلال إلى إسرائيل يُمثِّل أولويةً قصوى للحكومة الإسرائيلية الحالية.

ويلسون بيزارد

هذه القوانين غير الدستورية بفجاجةٍ وُضِعَت قيد التنفيذ بدعمٍ من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (AIPAC) وبمباركةٍ من الحكومة الإسرائيلية أيضاً. لكنْ ما الذي تخشاه إسرائيل إلى هذه الدرجة؟ كيف يمكن لقرار شخص ما عدم شراء زجاجة من زيت الزيتون أو النبيذ المصنوع في مستوطنةٍ أن يكون جريمة هكذا؟

إنَّ ما يُقلِق المدافعين عن الاحتلال الإسرائيلي ليس ما يعتقده الأميركيون وإنما ما يعتقده الإسرائيليون. فعلى الرغم من الصعوبات التقنية التي نواجهها، مع وجود رئيس قد يكون مُثقَّفاً أو لا، ما تزال الولايات المتحدة تُمثِّل أكبر الأبواق الثقافية في العالم وأعلاها، وكذا فإنَّ ما يقلقهم أنه لو بدأ الأميركيون في التعبير عن استيائهم من إسرائيل، فسوف يُشجِّع هذا المعارضين الإسرائيليين على التعبير هم أيضاً.

ربما تكون حركة مقاطعة إسرائيل مزعجةً، لكنَّ ما يغضب اليمين الدمويّ في إسرائيل هم الإسرائيليون اليساريّون المسالمون، الذين يعتبرهم اليمينيون خونة. ويحظى الجنود الإسرائيليون السابقون الذين يتكلَّمون علناً ضد انتهاكات الاحتلال بازدراءٍ خاص واتهاماتٍ بـ"نشر الأكاذيب".

ثمة فرقٌ جوهري في وجهات النظر بين الإسرائيليين من مستخدمي هواتف آي فون في تل أبيب، والإسرائيليين المسلحين برشاشات عوزي الذين يحرثون أراضي مستوطنات الضفة الغربية.

ويلسون بيزارد

إنَّ القوانين المعادية لمقاطعة إسرائيل في الولايات المتحدة انعكاسٌ لإكذوبة الديمقراطية في إسرائيل، ومع أنَّ هذه القوانين تُمثِّل التأثير الضخم للوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، فإنَّ ما خفي كان أعظم؛ ذلك أنَّ ما يجري داخل إسرائيل غير ظاهر.

وكذا، فإنَّ التأكّد من عدم عبور تيارات مقاطعة إسرائيل في الولايات المتحدة والمشاعر المعادية للاحتلال إلى إسرائيل يُمثِّل أولويةً قصوى للحكومة الإسرائيلية الحالية. وهذا أحد الأسباب التي جعلت بنيامين نتنياهو سعيداً للغاية بفوز دونالد ترامب بالرئاسة؛ إذ سوف يزوِّده ذلك بمطرقةٍ في البيت الأبيض لضرب المعارضة في الولايات المتحدة، وبالتبعية في إسرائيل أيضاً.

ومع أنَّ ائتلاف نتنياهو السياسي في الكنيست قويٌّ في الوقت الراهن، فإنّ عودة الفصائل اليسارية من الممكن أن تكسر هذا التحالف. وعلى الرغم من أنَّ ذلك غير محتمل، إذ يغادر الإسرائيليون بلادهم، فمن الواضح ما هو الشيء الذي يقض مضاجع نتنياهو وقادة حزبه، الليكود.

كيف تبدو المعارضة الإسرائيلية؟ حسناً، إنها معارضةٌ شديدة الوضوح، فثمة فرقٌ جوهري في وجهات النظر بين الإسرائيليين من مستخدمي هواتف آي فون الذين يتناولون طعامهم في مقاهي تل أبيب، والإسرائيليين المسلحين برشاشات عوزي الذين يحرثون أراضي مستوطنات الضفة الغربية، أقل ما يمكن أن يقال إنهم مستاؤون للغاية من بعضهم بعضاَ.

انظر إلى مقال صحفي حديث في صحيفة هآرتس، ذات الميل اليساري، كتبه جدعون ليفي، وهو أحد منتقدي الاحتلال، حين كتب عن المستوطنين الذين قُتِلوا أو جُرِحوا في الهجمات الأخيرة للفلسطينيين، في مقالٍ بعنوان "لا أشعر بالتعاطف مع المستوطنين".

قال ليفي: "هم الملومون، لا أنا، في عدم شعوري بأكثر المشاعر إنسانية من التضامن والألم. ليس الأمر مقتصراً على أنهم مستوطنون ومنتهِكون للقانون الدولي والعدالة العالمية، وليس الأمر مقتصراً على عنف بعضهم واستيطان جميعهم، ولكنَّ الابتزاز الذي يستجيبون به لكلِّ مأساة، هو ما يمنعني من الحزن معهم، لكن تحت ستار الوحدة الزائفة والمنافقة، والعرض المزيف للحزن القومي في وسائل الإعلام بغرض الترويج لأهدافها التجارية الخاصة، ينبغي قول الحقيقة: مأساتهم ليست مأساتنا ... إنَّ الألم الحقيقي يشعر به ضحاياهم، سواء من يأنون بخنوعٍ أو من يأخذون الأمور على عاتقهم ويحاولون مقاومة الواقع العنيف بعنف، وأحياناً بشكلٍ قاتل، الفلسطينيون هم الضحايا الذين يستحقون الشفقة والتضامن".

كتابات ليفي متوافرةٌ على الإنترنت، باللغة الإنكليزية، ليقرأها أيُّ مُشرِّعٍ من ولاية تكساس. لكنهم على الأرجح لن يفعلوا ذلك. يريد نتنياهو ولجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية من المُشرِّعين أن يعتقدوا أنَّ انتقاد إسرائيل لا يأتي إلا من خارج إسرائيل، لا من داخلها، وكذا فإنَّ القوانين المعادية لمقاطعة إسرائيل محوريةٌ في الإبقاء على هذه السردية الباطلة عن الوحدة الإسرائيلية.

أما الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة المُتحدِّثون بالعربية في أوستن بولاية تكساس، أولئك الذين أصبحوا بلا معلم، وبلا صوت حرفياً، فهم بالنسبة لإسرائيل أضرارٌ جانبية وقعت في مرمى النيران.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي