"ما الإنسان؟" "ما الحياة؟" عادت هذه الأسئلة مؤخراً وبقوة إلى واجهة النقاشات العلمية والفلسفية، في عصر اندمجت فيه علوم الأحياء والأعصاب وتكنولوجيا المعلومات.

يبذل الخبراء جهوداً مضنية لفهم ما يعنيه أن تكون "إنساناً" لا يقطن كوناً مؤهلاً بالتكنولوجيا فحسب، وإنما يخضع باستمرار لتعديلات كي يلائم هذا الكون ويتناغم معه. يترتب على هذا الربط البيني تداعيات وعواقب تتعلق بفهمنا المعاصر للجسم والعقل البشري وعلاقتنا بالإنسان البيولوجي والحياة البشرية بمفهومهما التقليدي.

منذ مطلع الألفية الثالثة، تُقدم مكونات الجوانب المادية والبيولوجية ومحتوياتها للحياة البشرية بمصطلحات تكنولوجيا المعلومات. وتتشابك تبعاً لذلك علوم الأحياء وتكنولوجيا المعلومات بحيث يمكننا القول "إن علم الأحياء قد أصبح بالفعل علم المعلومات" وإننا دخلنا "عصر الحياة بوصفها معلومات".

لقد أعاد مشروع الجينوم البشري الذي حدد جميع الجينات وتسلسلها الكيميائي في الحمض النووي البشري رسم الحدود بين علم الأحياء وتكنولوجيا المعلومات.

يثير هذا التداخل بين علم الأحياء وتكنولوجيا المعلومات تساؤلات حول معنى أن يكون الجسم البشري مجرد معلومات، كما يستدعي التشكيك في "الإنسان" ذاته ككيان لاهوتي وفلسفي وكوني، عندما يحدد وجوده ووظيفته بشكل أساسي من خلال بيانات المعلومات ووحداتها.

تخلق الإمكانات التكنولوجية التي تسعى لتقليد الوظائف البشرية أوتعزيزهاأواستبدال الوسائل التكنولوجية بها طموحات تتعلق بما يمكن أن نكون قادرين على فعله كبشر دون جهد كبير.

ويصاحب ذلك فهماً آخر للإنسان التقليدي، أي الإنسان دون بدلات وشرائح إلكترونية وإضافات تكنولوجية، بوصفه معيباً وناقصاً وضعيفاً وعاجزاً ومعرضاً للهرم والموت.

أصبح بإمكان حركات مثل "ما بعد الإنسانية" أو "فوق الإنسانية" أن تتساءل عن فائدة الجسم "القديم" وكم يحتاج المرء من هذا الجسم كي يصبح أكثر من إنسان، أو فوق إنسان، أو إنساناً فائقاً.

تعتمد التكنولوجيا الطبية والعسكرية التي تسعى لإنتاج إنسان أقوى وأفضل، على تفكيك جسم الإنسان وعقله إلى ترددات معلوماتية قابلة للتحليل والإدراك رياضياً، ما يجعل من الممكن تكرار أنماطها المادية والبرمجية بتوظيف الحاسوب، ويفتح بالتالي الأبواب للتدخل في تركيب الدماغ وفي وظيفته وأدائه.

ينطبق ذلك على جميع الجوانب البيولوجية والفيسيولوجية والعصبية التي تمكن ملاحظتها في الإنسان بحيث يمكن إدراكها وتفسيرها من جهة "كيفية عملها" و "كيف يمكنها أن تعمل بشكل أفضل".

مهدت الثورة الرقمية وعلوم الأحياء الجزيئية الطريق لعالم جديد. لعالم الحياة فيه بوصفها آليات عمل وآليات العمل بوصفها حياة.

وفي سياق التكنولوجيا الحيوية، يمكننا القول: أصبحت الحياة شفرة، وأصبحت الشفرة حياة. إذ إن لتقليد الحياة البشرية وتحسينها واستبدالها في نهاية المطاف لا بد من اختزالها إلى عناصرها القابلة للتحليل والتكرار، وجعلها مجردة وقابلة للفهم في صيغة شفرات.

في هذا التشفير تتواجد الأنطولوجيا الجديدة الخاصة بتحديد معايير الإنسان المعاصر وترسيخ مفهوم جديد "للكمال" يختلف تماماً عن "الكمال" الإنساني في عصور سابقة.

تُطرح مسألة الهوية والذاتية الإنسانية في هذا السياق بطريقة مختلفة. تغير مفهوم الهوية لأن الناس يميلون إلى التماهي مع التطورات والتطلعات التي تحدث في المختبرات، وفي قصص الخيال العلمي أكثر بكثير مما يحدث في أجسامهم البيولوجية، ما يجعل العلاقة بين النفس والجسم غير مستقرة.

ويبرز السؤال ملحّاً: كيف يمكننا أن نتقبل الإنسان إذا كان الإنسان "الكامل" هو إنسان الخيال التكنولوجي؟ علاوة على ذلك، بمجرد إعادة صياغة ما هو طبيعي وما هو غير طبيعي بمصطلحات التشفير التكنولوجي، يصبح بمقدور السلطات اعتبار بعض البشر الذين لا يمكن تحليلهم والسيطرة عليهم عناصر قاتلة لا تحتاج إلى إعادة تحديد هويتها فحسب بل إلى القضاء عليها. أصبحت سياسات الموت المعززة بمعايير القتل التكنولوجي وأساليبه ممكنة، بل وأسهل من أي وقت مضى.

وللمفارقة، لا تسعى هذه الانعطافة المعلوماتية البيولوجيةإلى تبسيط التعقيد الذي يميز حياة الإنسان، بل ربما هدفها هو العكس تماماً. إن فهم الحياة بوصفها معلومات يتطلب أيضاً تكييف الخوارزميات لمواجهة "الطارئية والصدفة والجزافية"في عملية التطور كي نأخذ بعين الاعتبار القوى التَكيُّفِية التي تميز حياة الإنسان ثم نسعى لتكرارها.

يشكل ذلك حجر الزاوية في الذكاء الاصطناعي وعلم التحكم الآلي. وعلى طول هذه الخطوط من الحياة المحوسبة الرياضية، يصبح الجسم في عصر (الجوهرية المعلوماتية) ذا قيمة ليس من ناحية أي مفهوم مادي متأصل (كما في علم الأحياء التقليدي)، وإنما وفقاً لقيمة المعلومة التي يمكن استخلاصها منه بوصفها شفرة تجسيده المادي.

وبعبارة أخرى، يصبح جوهر الجسم معلومات، والمعلومات هي الأساس والمؤشر لخلق جوانب جديدة ومحسنة ومصطنعة للحياة، وبالتالي، القيمة القصوى للحياة في نهاية المطاف.

أصبحت الحياة الآن قابلة للتكرار ليس فقط في عناصرها الثابتة، ولكن أيضاً في أنماطها التطورية. ولذلك فإن كل ما يزعج عملية تشكيل الأنماط التطورية يصبح خطراً أو غير مرغوب فيه في أحسن الأحوال، كذلك فإن الجزافية المتأصلة في الحياة البشرية تجعلها خطراً على نفسها وعلى من يسعون للسيطرة عليها بصورة دائمة.

ولكن التكنولوجيا المعاصرة تمتلك القدرة على معالجة الطبيعة الجُزافية للإنسان والحياة وتخفيفها. يحدد بيتر سلوتيردايك هذه القدرة بوصفها (التحكم الأنثروبو-تكنولوجي) القادر على "ترويض" عناصر الحياة الجامحة من خلال التكنولوجيا الحيوية والهندسة الحيوية.

يشير مصطلح (الأنثروبو-تكنولوجي) إلى مجمل الوسائل التي يستخدمها البشر في رعاية نوعهم البيولوجي، وتعد جزءاً وظيفياً من الحركة الإنسانية، كذلك فإنها معروفة للنوع البشري منذ زمن سحيق.

ولكن الجديد اليوم هو أنها تترك الحدود التقليدية بين الإنسان والطبيعة والإنسان والآلة والإنسان والحيوان والفيزيائي وما وراء الفيزيائي وراء ظهرها، وتهدد بافتراض صيغة أنثروبو-تكنولوجية-جينية تسعى لاستبدال الحياة البشرية بنسخة أخرى يصنعها الإنسان ذاته، حياة "أكثر صقلاً وتشذيباً" من أي حياة مضت على الإطلاق، إذ تتجلى أنسنة التكنولوجيافي الروبوتات، تلك الآلات التي تشبه الحياة، الآلات المستقلة بشكل متزايد والذكية وذات القدرة على "اتخاذ القرارات".

هذه الكائنات الهجينة من الآلات والبشر و/أو الحيوانات هي النسخة الجديدة من الحياة، وفيها لن يكون العنصر البشري غايةً في حد ذاته، بل سيصبح وسيلة، أو لنقل مادة أولية لتحقيق غايات تتجاوز ذلك "الإنسان" الذي كان.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي