جورجيا ميلوني زعيمة حزب "إخوة إيطاليا" والرئيس الفرنسي ماكرون (Others)
تابعنا

الانتخابات التشريعية الأخيرة في إيطاليا ( 25 سبتمبر 2022) التي أسفرت عن فوز تحالف اليمين، بقيادة حزب إخوة إيطاليا، وزعيمته جورجيا ميلوني، تحول في كل أوروبا الغربية، من شأنه أن تتمخّض عنه تداعيات عميقة بين أعضاء المجموعة، ويؤثّر بالتبعية في بناء الاتحاد الأوروبي، وينعكس حتماً على دول الجوار من حوض الضفة الجنوبية للبحر الأبيض، التي تتوفّر على جالية عريضة في أوروبا، ومصدر الهجرة إلى أوروبا، ومَعْبَرها.

تتمحور عناصر خطاب اليمين حول الهجرة، والأمن، والهوية (أوروبا بيضاء ومسيحية، كما يدعو زعيم هنغاريا فيكتور أوربان)، وما يرتبط بذلك ممَّا يسمى بوطنية جديدة، وحمائية سياسية تُنعت بالاتجاه السيادي، وحمائية اقتصادية، وأخرى اجتماعية.

ولكل ذلك انعكاس بداخل الدول الأوروبية المنضوية في الاتحاد الأوروبي وفي علاقاتها مع محيطها. قد لا تبلغ الانتخابات العامة الأخيرة في إيطاليا، منزلة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أو ما عُرف بـ"بريكست" (2016)، ولكنها تُعتبر زلزلة قوية بداخل أوروبا، سيكون لها تداعيات جمة، لاعتبارات عدة، منها أن اليمين المتطرف تَصدَّر المشهد السياسي في ثالث اقتصاد للاتحاد الأوروبي، ولأن اتجاهها يحمل مخلَّفات الفاشية، في بلد تُحرَّم فيه الفاشية في النص الأساسي، رغم الزعم من أن ميلوني طلّقَت الفاشية، ولكنها أبقت علاقات ود معها، ولخطر العدوى. ومن أهمّ التداعيات، التحولاتُ الممكنة في العلاقات الثنائية بداخل الاتحاد الأوروبي بين إيطاليا والأطراف الأخرى، وبخاصة مع فرنسا.

سبق لزعيمة إخوة إيطاليا جورجيا ميلوني أن أدلت بتصريحات مسيئة عن ماكرون وعن فرنسا سنة 2018، وعادت تلك التصريحات إلى الواجهة عقب فوزها. لم يستأثر بالاهتمام الفرنسي، عقب فوز اليمين المتطرف، شيء كما استأثر تصريح تَردَّد في السوشيال ميديا لميلوني وهي تردّ على تصريح سابق لماكرون حين رفض وزير الداخلية الإيطالي حينها ماتيو سالفيني سنة 2018 للباخرة أكواريوس Aquarius وكان على متنها مهاجرون أفارقة، أن ترسو في ميناء لمونبدوزا.

عبّرت فرنسا عن امتعاضها لقرار إيطاليا، واعتبرته "مثيراً للقيء"، وردّت ميلوني، وكانت حينها وجها مغموراً، بما أسمته بـ"قيء النفاق" الفرنسي، إذ ليس لفرنسا ولا لماكرون أن يعطي الدرس لإيطاليا، وفرنسا تمتصّ رحيق إفريقيا ودمها.

انتخاب ميلوني حدث دراماتيكي، سيكون له ما بعده، بالتعبير العربي، في العالم. ولكن درجة قوته، ستكون في فرنسا.

ينظر الفرنسيون إلى إيطاليا، على أساس أنها مختبر الغرب، منها بزغت الفاشية وانتقلت إلى ألمانيا، ومنها ظهرت الأولوية الحمراء وتحولت إلى جماعة بادر الألمانية، ومنها ظهرت شعبوية برسلكوني التي هيأت لترمب.

لكن الإيطاليين يردون بأن فرنسا هي المختبر، أي إنها من يحمل إرهاصات الزيغ، فجذور الفاشية تعود إلى المنظّر الفرنسي جورج سوريل، صاحب نظرية العنف، والمرجع النظري للحركة الفاشية، والحركات الإرهابية بدأت مع الحركة البوجادية في فرنسا التي لم تُرِد التخلُّص من المستعمرات، وبرلسكوني يجد جذوره في جوا ماري لوبين (أبي مارين).

في أعقاب الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة كتبت جريدة كرويري ديلا سيرا Correre della Serra الذائعة الصيت والمؤثرة، بتاريخ 14 أبريل/نيسان 2022، أن فرنسا مختبر السياسية، ويمكن من خلالها إجراء دراسات حالة التفسخ، وجذوره، وأسبابه، وربما علاجه.

بيد أن جانباً آخر من الجسم السياسي الفرنسي يرى أن الانتخابات الإيطالية طالع يُمْن، كما مارين لوبين، زعيمة التجمع الوطني، ومن ترتبط بصداقة بمليني، ويرى هذا الاتجاه أن ما حصل في إيطاليا يهيئ لفوز اليمين المتطرف في فرنسا.

ستكون لانتخابات إيطاليا ارتدادات قوية في فرنسا، في بنية المشهد السياسي، من خلال تقوية الاتجاهات اليمينية المتطرفة، وفي علاقات ثنائية مشوبة أصلاً بين فرنسا وإيطاليا، وكانت قد بزغت مع جائحة كورونا حين تلكّأت فرنسا في مد إيطاليا بالأقنعة، وقبلها في تفاوض فرنسا على ظهر إيطاليا في الملفّ الليبي، وللمواقف غير الواضحة لليمين المتطرف حيال روسيا، ثم أخيراً وليس آخراً حيال الاتحاد الأوروبي حيث تنطبع علاقات اليمين حيال الاتحاد الأوروبي بشعور الشكّ في المؤسسات الأوروبية.

أدبيات اليمين المتطرف تنحو نحو ما يسمى بالاتجاه السيادي، والشك في المؤسسات الأوروبية والمناداة بالخروج من منطقة اليورو.

بيد أن ميلوني المنتخبة لن تكون ميلوني المرشحة؛ ستتصرف بمنطق الدولة، ومنطق الالتزامات المبرمة، ولن تخرج من دائرة الاتفاقات المبرمة مع بروكسل، بخاصة وهي في حاجة ماسَّة إلى ضخّ أموال للتعافي من تداعيات كورونا، وستتبنى مواقف منددة لروسيا. لا يتوقع المراقبون خروج "إخوة إيطاليا" عما يعتبرونه الثوابت الأوروبية، كمنطقة اليورو، والتوجه الأطلنطي، وسياسة الحزام حيال روسيا.

لكن هل يمحو ذلك مرجعية "إخوة إيطاليا"؟ نعم، ستسود البراغماتية، ولكن من غير ودّ، لا مع بروكسل ولا مع باريس.

وهل ستضرب فرنسا صفحاً عن مؤاخذات ميلوني على سياستها في إفريقيا؟ إذ المشكل من منظور ميلوني ليس الهجرة، بل الأسباب الموضوعية التي تدعو إليها، وهي استنزاف خيرات إفريقيا، مما تقوم به فرنسا من استغلال لموارد إفريقيا.

ويُعتبر موضوع إفريقيا موضوعاً حساساً لفرنسا، فهي تنطلق ضمنياً من أن إفريقيا مجال محفوظ لها، أو محمية لها، لذلك سبق لماكرون أن انتقد في أثناء زيارته للجزائر في أغسطس/آب المنصرم، ما اعتبره "استعماراً جديداً" من قِبل كل من روسيا والصين وتركيا. ما العمل حين يأتي الانتقاد من دولة أوروبية، وعضو مؤسس للاتحاد الأوروبي ونواته الأولى السوق الأوروبية المشتركة بمقتضى معاهدة روما لسنة 1957؟

من المؤكَّد أن انتخاب ميلوني خبر سيئ لفرنسا. نعم، تعامل الرئيس الفرنسي مع الحدث ببراغماتية، ولكن هل تكفي البراغماتية؟

وقد يكون خبراً سيئاً كذلك للاتحاد الأوروبي. كانت الصحافة الدولية تنعت علاقات بريطانيا بالاتحاد الأوروبي، قبل المغادرة، بزوجين يتخذان غرفتين منفصلتين، مما أفضى إلى الطلاق، أما انتخاب ميلوني فهو حالة نشوز في بيت الاتحاد الأوروبي، مما من شأنه أن يزيد تَصدُّع بروكسل.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي