بالإضافة إلى الجرائم التي تحدث في الخفاء ضد النساء، هناك أيضا جرائم تحدث في العلن. وتكمُن المشكلة في أنه لا تكاد تكون هناك إجراءاتٌ تُذكَر حيال هذه القضايا المذاعة على مرأى ومسمع الجميع؛ مما يجعلها سابقة في منطقةٍ يتفشَّى فيها سوء معاملة النساء.

عند الكتابة عن العنف ضد النساء، يصعب تحديد من أين يجب أن يبدأ النقاش. بصورة أوضح، أبرز تقريرٌ حديثٌ من مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أنه في عام 2017 وصل متوسط عدد النساء اللاتي تعرضن للقتل على يد شركائهن أو أحد أفراد عائلاتهن إلى 137 امرأة يوميّاً في العالم؛ وبهذا يكون المنزل -الملاذ الآمن المثالي- هو أكثر مكان قد تُقتَل فيه امرأةٌ.

وتشير هذه الإحصائيات الخطيرة إلى تصاعد موجة طويلة الأمد من قتل النساء في أنحاء العالم، سواء على النطاق الخاص أو العام. ويُضاف إلى هذا الاكتشاف المرعب، حقيقة أنَّ معظم حالات العنف بأشكاله الأسري والجنسي وغيره ضد المرأة لا يُبلَّغ عنها، مما يوحي أنَّ عدد هذه الحالات هو في الحقيقة أعلى بكثير.

يكفي أن تمثل المرأة في العالم العربي نموذجاً للأنثى المستقلة الناجحة حتى تكون هدفاً للاعتقال والتصفية.

نادين صايغ

وكما تُظهِر هذه الدراسة العالمية، بينما تعاني النساءُ من هذا الأمر في أفريقيا وآسيا وأوروبا، يتَّسم المشهد في الشرق الأوسط بالدرجة ذاتها من الأسى، في ظل تقنين التمييز ضد المرأة في العالم العربي.

لكن عوضاً عن مناقشة قضايا العنف الأسري وقتل النساء والجرائم التي تحدث في الخفاء، الجديرة بالحديث عنها، هناك أيضاً جرائم تحدث في العلن لا بد أن نتطرق إليها. إذ تكمُن المشكلة هنا في أنه لا تكاد تكون هناك إجراءاتٌ تُذكَر متَّخَذةٌ حيال هذه القضايا المذاعة على مرأىً ومسمعٍ من الجميع؛ مما يجعلها سابقةً في منطقةٍ يتفشَّى فيها سوء معاملة النساء.

وحدثت آخر تلك القضايا، بل بالأحرى سلسلة قضايا، في العراق في شهر سبتمبر/أيلول الماضي. تارة الفارس، وهي إحدى مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي، والمعروفة بنمط حياتها التحرُّري وتمرُّدها ضد سياقها الاجتماعي، أُردِيَت قتيلةً في وضح النهار في بغداد. اغتيلت في شارعٍ مزدحمٍ، وصَوَّرت عدسات الكاميرا الحادثة.

وجاء مقتلها تزامناً مع مقتل ثلاث نساءٍ مشاهير عراقياتٍ أخريات: سعاد العلي، وهي ناشطةٌ لحقوق المرأة أُرديت هي الأخرى قتيلةً في وضح النهار بمدينة البصرة بينما هي في طريقها لاستقلال سيارتها. وقبل ذلك ببضعة أسابيع، قُتِلَت امرأتان عراقيتان أخريان في غضون أسبوعٍ، وكانت كلتاهما تعمل خبيرة تجميلٍ، وكانتا تتعرَّضان للانتقادات على الملأ. إحداهما هي الدكتورة رفيف الياسري، التي كانت تتعرض لانتقاداتٍ واسعةٍ، وتُسَمَّى "باربي العراق" بسبب موقفها من تغيير المظهر الجسدي، إذ كانت تراها تجربةً مشجِّعةً للنساء، ماتت في ظروفٍ غامضةٍ بجرعةٍ زائدةٍ من مخدرٍ. والأخرى هي رشا الحسن التي عُثِر عليها مقتولة في بيتها، وما زال سبب وفاتها مجهولاً.

ليس هناك ما يشير إلى أنَّ الحكومة العراقية ستضع هذه المسألة على قائمة أولوياتها؛ بالنظر إلى المناخ الإقليمي حيال هذه القضايا. وبالأخص حين يوضع في الاعتبار أنَّ جارة العراق وحليفته المملكة العربية السعودية جرى فيها اعتقال عددٍ من الناشطات الحقوقيات اللاتي ينتظرن حاليّاً صدور حكم الإعدام ضدَّهن بداعي نشاطهنَّ لنصرة حق المرأة في قيادة السيارات في البلاد. وهذا إضافة إلى ظهور تقارير عن تعذيب هؤلاء النساء.

ووفقاً لتقارير صدرت عن صحيفة (Wall Street Journal) الأميركية، ومنظمتي (Amnesty)، تعرضت هؤلاء النشاطات إلى الصعق الكهربائيِّ والجَلد والحرمان من النوم والاستغلال الجنسيّ.

ويأتي ذلك في إطار نمط مزمن في العالم العربي لاعتقال النساء المناديات بتغيير الوضع الحالي وإيذائهن. ولا داعي حتى لأن تكون مناداتهن بالتغيير هي عن طريق الدفاع عن حقوق المرأة كما هي الحال مع الناشطات السعوديات، وإنما يكفي أنهن يمثلن نموذجاً للأنثى المستقلة الناجحة.

النساء أصبحن في خطرٍ متزايدٍ على الصعيدين العام والخاص، مع ارتفاع معدلات العنف ضدهن.

نادين صايغ

ومنذ ثلاثة أعوامٍ مضت في الأردن، عُثِر على جثَّتي شقيقتين في ظروفٍ مريبةٍ، هما ثريا وجمانة السلطي، وكلتاهما امرأتان مستقلتان ناجحتان. وقد عُثِر على جثمانَيهما في قاع موقع بناءٍ موجودٍ بمنطقةٍ باليةٍ من العاصمة.

يُذكَر أنَّ ثريا كانت ترأس مشروع "إنجاز العرب" التعليمي الساعي للتشجيع على ريادة الأعمال في المنطقة، وكانت جمانة مديرة شركة (Price waterhouse Coopers) الإنكليزية. وقيل إنَّ المرأتين قد سقطتا من مبنىً عُثِر بالقرب منه على رسالة انتحارٍ بخطٍّ يكاد يكون غير مقروءٍ موجَّهةٍ إلى والديهما، اللذين يأبيان الاعتراف بأن ابنتيهما قد انتحرتا.

وشكَّك كثيرون بقوةٍ في أن تميل الشقيقتان نحو الانتحار. ومع ذلك، أُغلِقت القضية منذ ذلك الحين دون إجراء أي تحقيقٍ يُذكَر.

النساء أصبحن في خطرٍ متزايدٍ على الصعيدين العام والخاص، إذ تشير الدراسات إلى ارتفاع معدلات العنف ضدهن. وفي ظل تجاهل هذه الحالات المشهورة، تبعث حكومات هذه الدول برسالةٍ واضحةٍ: يا معشر النساء، دولتكن لا تحميكن.

لن تقلَّ الجرائم ضد النساء داخل البيوت وخارجها حتى تعتبر حكومات العالم، وبالتحديد في العالم العربي، النساء على قدم المساواة مع الرجل.

نادين صايغ

إلى جانب ذلك، ربما يشجِّع هذا الرجال على مواصلة التصرُّف كما لو أنَّ النساء ملكيةٌ خاصةٌ لهم دونما أية عواقب. لن تقلَّ الجرائم ضد النساء داخل البيوت وخارجها حتى تعتبر حكومات العالم، وبالتحديد في العالم العربي، النساء على قدم المساواة مع الرجل، وبناءً على ذلك توفِّر لهن الحماية.

ومن خلال تعديل القوانين، كما حدث مؤخراً في تونس، لضمان مساواة النساء في الميراث، تَشرع الحكومات في سنِّ سوابق أيديولوجيةٍ يمكن تشكيل المجتمع وفقاً لها.

لقد صار تقنين المساواة ضرورةً مؤسفةً في الطريق إلى التقدم. فلن يحرز أي مجتمع التقدم إلا بتعامل الحكومات مع النساء باعتبارهن شركاء لا أعداء، وضمان حمايتهن.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي