على الرغم من بشاعة ما حدث لخاشقجي، لا ينبغي للعالم أن يقصر غضبه على قضيته فقط. هنالك العديد من حالات الظلم التي تحدث داخل المملكة. فالسعودية في حالة اضطراب وشعبها يدفع الثمن، لا سيما أولئك الذين كرَّسوا حياتهم لجعل بلدهم مكانا يحظى بعدالةٍ أكبر.

مع مرور أسابيع على اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي، ما زال العالم مصدوماً بطبيعة موته الشنعاء. ولكن يبدو أنَّ العالم لم ينتبه وسط كل هذه التصريحات المرعبة إلى أنَّ خاشقجي واحدٌ فقط من عديد الناصحين المُخلصين الذين أسكتتهم السعودية.

كان خاشقجي معروفاً بأنَّه منتقدٌ حكيم لبلاده ذو حياةٍ مهددة بالخطر؛ بسبب رغبته المُخلصة في نصح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي كان يتبع مساراً مُدمِّراً.

ويبدو أنَّ مقالاته الأخيرة في صحيفة واشنطن بوست الأميركية ولقاءاته التلفزيونية الأخيرة تدعم هذا التصوُّر.

فمنذ تولي ولي العهد منصبه القوي الجديد، بدأ في تهميش أمراء بارزين من الفروع الأخرى للعائلة المالكة، من بينها فرعا الفيصل والوليد، أو اعتقالهم أو سجنهم. وكان أحد أسباب انتقال خاشقجي إلى واشنطن هو الحملة القمعية التي يشنها محمد بن سلمان.

مصير المعارضين الذين ينتقدون المملكة منذ أمدٍ بعيد

لكنَّ خاشقجي مجرَّد غيض من فيض المعارضين المقموعين. إذ أثار اختفاؤه اهتماماً بمحنة الناشطين والمعارضين داخل المملكة العربية السعودية. وبدأ النقاب ينكشف عن حقيقة قضايا المعارضين الذين قلَّلت الحكومة السعودية من حجم مشكلتهم، وتقبلَّت الكثير من وسائل الإعلام العالمية قضاياهم على أنَّهم خونة أو مرتبطون بالإرهاب.

فهناك، على سبيل المثال، لجين الهذلول الناشطة النسوية التي اعتُقِلت في شهر مايو/أيار الماضي بتهمة "محاولة زعزعة استقرار المملكة". في حين أنَّ جريمتها كانت تنظيم حملةٍ من أجل حق المرأة في القيادة. وسُجِنَت الهذلول مراراً في أثناء حملتها، وادَّعى ولي العهد في مقابلةٍ أجريت مؤخراً مع وكالة Bloomberg أنَّها كانت "تسرب معلومات إلى بلدان أخرى".

ولم تتضح نوعية المعلومات التي زُعِم أنَّ الهذلول سرَّبتها، لكنْ هناك اعتقادٌ شائع بأنَّ سبب اعتقالها الوحيد هو أنَّ ولي العهد أراد أن يُنسَب له الفضل الشخصي في السماح للمرأة بقيادة السيارات، وأن يدحض أي فكرة عن أنَّ حملات الضغط العام والناشطين تؤتي ثمارها.

ومن الأمثلة الأخرى على قمع المعارضين عصام الزامل، الاقتصادي البارز الذي اعتُقِل في سبتمبر/أيلولإذ كتب الزامل بحثاً مقنعاً يوضح لماذا لا يُعَد طرح أسهم شركة أرامكو السعودية للنفط والغاز الطبيعي للبيع منطقياً من الناحية التجارية ومحكومٌ عليه بالفشل. وكان ذلك تعارُضاً مباشراً مع رؤية ولي العهد لبيع الشركة، وبذلك وجد الزامل نفسه في السجن. والمثير للسخرية أنَّ ولي العهد نفسه علَّق خطته لطرح أسهم الشركة للبيع بعد ذلك بعامٍ واحد، بينما ينتظر الزامل المحاكمة.

وفي سبتمبر/أيلول من العام الماضي أيضاً، كتب سلمان العودة، وهو رجل دين بارز يتمتع بشعبية كبيرة، تغريدةً على موقع تويتر أعرب فيها عن أمله في تحقيق مصالحةٍ بين المملكة العربية السعودية وقطر بعدما حاصرت الأولى، إلى جانب مصر والإمارات والبحرين، الدولة الخليجية الصغيرة.وقد أسفرت تلك التغريدة عن اعتقال العودة ووضعه في الحبس الانفرادي.

وفي الشهر الماضي سبتمبر/أيلول، قدَّم النائب العام السعودي توصيةً بتوقيع عقوبة الإعدام على العودة.وقال ابنه عبد الله، الذي يعيش في المنفى في الولايات المتحدة، إنَّ السبب الحقيقي وراء اعتقال والده هو أنَّه رفض طلباً بمنح "إصلاحات" ولي العهد غطاءً دينياً.

وهناك عددٌ لا يحصى من الإصلاحيين وناشطي الحقوق المدنية وعلماء الإسلام الآخرين الذين يقبعون في سجون المملكة العربية السعودية، وما زالت ظروفهم ومصائرهم مجهولة

ومن القضايا القمعية إلى حدٍّ كبير حالة سفر الحوالي، الباحث البارع الذي صار أستاذاً جامعياً في الثلاثينيات من عمره، ثم تولى منصب رئيس قسم العقيدة الإسلامية في جامعة أم القرى في مكة المكرمة.

وما زالت الأطروحة التي قدَّمها الحوالي حول العلمانية هي أشمل تحليلٍ لهذا الموضوع من منظورٍ لاهوتي إسلامي. وقد تقبَّلها العديد من كبار العلماء المسلمين في العصر الحاضر. ومع ذلك، لم تكن مهارات الحوالي الأكاديمية هي التي ميَّزته. فمنذ سنٍ مبكرةٍ جداً، كان الحوالي مدافعاً صريحاً عن السيادة الفلسطينية وحقوق الأقليات المسلمة، مثل تلك التي كانت المضطهدة في كشمير.

فازدادت شهرته ودعمه القضايا السياسية الرئيسة التي تؤثر في المسلمين.

وكان الحوالي من أشد منتقدي قرار الحكومة السعودية في عام 1990 السماح لقواتٍ أميركية بدخول السعودية لإخراج جيش الرئيس العراقي الراحل صدام حسين من الكويت. إذ اعتمد آنذاك على كتابات بعض علماء الإسلام القدامى وبحثه واجتهاده الشخصي في تفسير آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وخلُص إلى أنَّ السماح للقوات الأميركية بدخول الأرض المقدسة أمرٌ غير جائز من المنظور الإسلامي، وأنَّ ضرره أكبر من منافعه المزعومة (بينما قال رجال دين مؤيدون للحكومة آنذاك عكس ذلك).

وقال أيضاً إن حل مشكلة ضم الكويت يجب أن يحدث عن طريق تسويةٍ تفاوضية أو دخول قواتٍ مسلمة فقط لطرد قوات صدام حسين. وتنبَّأ الحوالي آنذاك بأنَّ السماح للولايات المتحدة بالدخول سيزعزع استقرار المنطقة ويسفر عن سنواتٍ من عدم الاستقرار والصراع، وأنَّه جزءٌ من خطةٍ أكبر ضد العالم الإسلامي. جديرٌ بالذكر أنَّ خاشقجي الذي كان صحافياً صاعداً آنذاك انتقد آراء الحوالي في صحيفة"المدينة"السعودية الحكومية، التي كان يكتب فيها مقالاتٍ آنذاك.

وفي السنوات التي أعقبت الحرب ومع استمرار حملة الحكومة القمعية على أي شكلٍ من أشكال المعارضة، واصل الحوالي انتقاده سياسة الحكومة، لا سيما بشأن فلسطين، حتى اعتُقِل في سبتمبر/أيلول من عام 1994.ثم لبث في السجن خمس سنوات وأُفرِج عنه بدون تهمةٍ في عام 1999.

تكشف طريقة تعامل السلطات السعودية مع الحوالي عن نظامٍ لم يكن متسامحاً حتى مع أكثر أشكال النشاط المُعارِض اعتدالاً على مرِّ عقود، وما تصرُّفات ولي العهد الأخيرة سوى امتدادٍ لهذا الإرث. بيد أنَّ قصة الحوالي لم تتوقف عند ذلك الحد. فبعد إطلاق سراحه من السجن، لم يُسمح له بالعودة إلى وظيفته السابقة في الجامعة، لذا اختار التركيز على البحث والنشاط المُعارِض.

وفي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، ومع أنَّه كان يؤمن بأنَّ ما حدث كان ضد التعاليم الإسلامية، فقد حذَّر مرةً أخرى من تبعات التدخل الأميركي المُطلق في المنطقة.وانتقد دور المملكة العربية السعودية في حربي أفغانستان والعراق اللتين أعقبتا الهجمات، وانتقده خاشقجي، الذي كان آنذاك رئيس تحرير جريدة"الوطن"التي كان يملكها فرع الفيصل في العائلة المالكة.

إذ قال خاشقجي إنَّ الولايات المتحدة كانت تحارب التشدد والتطرف، وأنَّ دور المملكة العربية نبع من أنَّها حليفتها الطبيعية في هذا الصراع.بينما أكَّد الحوالي أنَّ هذا التدخل لن يُسفر إلا عن مزيدٍ من التشدُّد وزعزعة الاستقرار في المنطقة، مكرراً ما قاله ضد حرب الخليج الأولى.

وبعد حربي العراق وأفغانستان، وجدت السعودية نفسها عُرضةً لهجوم تنظيم القاعدة داخل حدودها، وهو ما توقَّع الحوالي حدوثه بسبب القمع الداخلي السابق وقرارات السياسة الخارجية التي اتخذتها السعودية.

وفي أثناء تلك الفترة، عمل الحوالي خلف الكواليس لإقناع الشباب السعوديين الذين وجدوا أنفسهم عالقين ضمن صفوف الجماعات المسلحة بتثقيف أنفسهم في الفقه الإسلامي وإعادة النظر في أفكارهم.

وفي يونيو/حزيران من عام 2005، أصيب الحوالي بجلطةٍ دماغية حادة أعجَزته عن السير بدون عكازاتٍ وأثرت بشدة في قدرته على الكلام.بيد أنَّ فكره بقي سليماً تماماً.وعلى مرِّ السنوات الثلاث الماضية، كرَّس معظم وقته لتأليف كتابه الرائع الذي يحمل اسم"المسلمون والحضارة الغربية"، وهو كتابٌ موسوعي من خمسة مجلدات يتناول مجموعةً كبيرة من الموضوعات، بما فيها الإيمان والفقه والسياسة والتاريخ والأنثروبولوجيا.

ويضم الكتاب فصولاً عن العائلة المالكة والمؤسسة الدينية في السعودية، اللتين كتب الحوالي عنهما مجموعةً كاملة من الملاحظات والانتقادات.وأشار إلى أنَّ المملكة العربية السعودية قد بنيت على تضحية أناسٍ قدَّموا دمائهم وأرضهم من أجل قضية إسلامية أكبر، لكنَّ العائلة المالكة أصبحت الآن منشقة ومنقسمة ومهددة بالتفكك.

وحذَّر الحوالي كذلك من تحوُّل المملكة العربية السعودية من دولةٍ تحكمها الشريعة الإسلامية إلى بلدٍ يتبنى شكلاً من أشكال العلمانية القمعية بسرعة، حيث لا يكون للقيم الدينية دورٌ يذكر في كيفية حكم المجتمع.وخاض الحوالي في تفاصيل الفساد الأخلاقي للعلماء المموَّلين حكومياً الذين يدعمون الوضع الراهن بفتاواهم الدينية.

ولعل الأكثر إثارة للجدل على الإطلاق هو توصيته بإعادة السيطرة على البلاد تدريجياً إلى قريش(عشيرة النبي محمد)، ومنح الأجانب الذين يعيشون في المملكة العربية السعودية لفترةٍ طويلة الجنسية.

باختصار، يُعَد الكتاب بياناً مُفصَّلاً جذرياً للتغيير على كل مستوى من مستوياتٍ المجتمع مكتوباً من منظورٍ شخصي.جديرٌ بالذكر أنَّ الحوالي كان يكتب الكتاب سرَّاً، ويتحيَّن الوقت المناسب لنشره. وعلمت السلطات السعودية بالكتاب لكنَّها كانت مترددةً في اعتقال الحوالي بسبب حالته الصحية السيئة.ولكن مع استمرار ولي العهد في حملته القمعية وتوسيعها، قرَّر الحوالي أنَّ هذا هو أفضل وقتٍ لنشر الكتاب، ومن ثَمَّ، وزَّع نسخاً إلكترونية منه على عدة أشخاص.

وبعد ذلك ببضعة أيام، في مساء يوم11يوليو/تموز من العام الجاري2018، اعتُقِل الحوالي من مقر إقامته في مدينة الباحة السعودية، التي تبعد أربع ساعات بالسيارة جنوب مكة المكرمة.ولم يُسمَع عنه شيءٌ منذ ذلك الحين.ثم اعتُقِل أبناؤه الأربعة في الساعات والأيام التالية ولم يُفرَج عنهم.وقد انتشرت شائعاتٌ عن وفاته في الحجز في نهاية الشهر الماضي سبتمبر/أيلول، وربما أطلقها مسؤولٌ في الحجز الذي يقبع الحوالي فيه.

وفي غضون أيامٍ من اعتقاله، نُشرت نسخةٌ منقَّحة من كتابه المسلمون والحضارة الغربية في ستة مجلدات في مدينة إسطنبول التركية.وقد ذكر ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان محنة الحوالي، قائلاً: "احتجاز الباحثين الموقَّرين الذين يعانون أمراضاً مثل سفر الحوالي وسلمان العودة في السجن بلا سبب ليس شأناً داخلياً خاصاً بالسعودية، بل قضيةً تهم العالم الإسلامي بأسره".

ولا شكَّ أنَّه على حق. فكما يُطالِب العالم بمعرفة مصير جمال خاشقجي، يحق لأسرة سفر الحوالي وأصدقائه وأنصاره معرفة ما حدث له.

وعلى الرغم من بشاعة ما حدث لخاشقجي، لا ينبغي للعالم أن يقصر غضبه على قضية خاشقجي فقط.ويجب أن يكون على درايةٍ بالعديد من حالات الظلم التي تحدث داخل المملكة.فالمملكة العربية السعودية في حالة اضطراب وشعبها يدفع الثمن، لا سيما أولئك الذين كرَّسوا حياتهم لجعل بلدهم مكاناً يحظى بعدالةٍ أكبر.وينبغي للعالم الخارجي الانتباه لما يحدث، ليس فقط من أجل العالم الإسلامي، بل من أجل كل مَن دفع ثمناً باهظاً للتعبير عن رأيه.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي