بعد تكاثر الاستخدامات الخبيثة لمنصات التواصل الاجتماعي، تحول الحديث من تمجيد حرية التعبير التي تمنحها منصات التواصل الاجتماعي إلى نقد الأثر الكبير الذي تتركها على انتشار خطاب الكراهية والتحريض على العنف.

تصاعدت الاتهامات الموجهة إلى مواقع التواصل الاجتماعي على إثر المجزرة الوحشية التي ارتكبها أحد الإرهابيين البيض ضد المصلين مُؤخراً في نيوزيلندا. في الحقيقة لا تعدُّ هذه الاتهامات جديدة. ففي الآونة الأخيرة، وبعد تكاثر الاستخدامات الخبيثة لمنصات التواصل الاجتماعي، تحول الحديث من تمجيد حرية التعبير التي تمنحها منصات التواصل الاجتماعي إلى نقد الأثر الكبير الذي تتركها على انتشار خطاب الكراهية والتحريض على العنف.

وبدأ هذا الحديث بأخذ طابع الجدية مع الاستغلال المفرط من قبل جهات رسمية وغير رسمية لهذه المنصات لتنفيذ أجندات سياسية. تبدى ذلك في حملات التضليل التي رافقت الانتخابات الأمريكية عام 2016 التي شنها عملاء روس، وانتهاكات الخصوصية التي طالت ملايين المستخدمين على إثر فضيحة كامبريدج أنلاتيكا التي تفجرت عام 2018، وحملات تشويه السمعة واغتيال الشخصية التي طالت بعض الشخصيات النافذة مثل الملياردير جورج سوروس، وتمكين الغوغاء في بلد مثل ميانمار من إشاعة حالة من الرعب والذهول في أوساط أقلية الروهينجا المسلمة، وتسهيل انتشار الأخبار المزيفة على نطاق واسع إلى درجة أنها أصبحت إحدى العلامات المميزة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

كل ما ذُكر يُعد صحيحاً ويثير الرعب، ولكن الاكتفاء بهذه النظرة يصرف الانتباه عن حقيقة هذا الظاهرة ويجعل علاجها أمراً صعباً ومحكوم عليه بالمنطق الترقيعي الذي يتعامل مع ظرفية المشكلة على المدى القريب بدلاً من التعمق فيها، والتعامل معها وفق المنطق الاستراتيجي.

ولفهم كيفية عمل منصات التواصل الاجتماعي يجب النظر إليها كبنية تكنولوجية واجتماعية في نفس الوقت. فهي ليست فقط تكنولوجيات تواصل قام بابتكارها الإنسان، بل هي أيضا منصات تترعرع فيما شبكات اجتماعية لها خصائص بنيوية يتم استثمارها لتحفيز سلوكيات معينة وفق التركيبة الهندسية والاجتماعية لنظامها. والتحفيز دوماً يأتي تابعاً لدافع معين متواجد مسبقاً في نية الفاعل. وعلى اعتبار أن الفاعل هنا هو الإنسان، وبناء على تركيبته المختلطة من ثنائية الخير والشر، فإن التحفيز يخضع لحتمية المُكوّن المُسبق من الخير أو الشر ولذلك يقع اللوم – إذا كان لابد أن يكون هناك لوم - على الدافع، في حين يخضع المحفز للمراجعة والتقييم.

إن نظرة فاحصة إلى بعض الأمثلة المشرقة في التأثير الإيجابي لمنصات التواصل الاجتماعي يجب أن تبقينا عازمين على مواصلة الكفاح من أجل الحفاظ على هذه المنصات كمكتسبات نيرة للإنسانية. ولأن المقام لا يتسع للاستطراد في ذكر الأمثلة، يكفي أن نتذكر حملة تحدي دلو الثلج أو ما يسمى ICE BUCKET CHALLENGE والذي اشتهرت بين عامي 2014 و 2015، وهدفت إلى تحفيز المواطنين للتبرع دعماً لصالح المنظمات التي تُعْنى بمرض التصلب لجانبي الضموري المعروف تحت اسم ALS-Amyotrophic Lateral Sclerosis، والمشهور بـ "مرض لو غريغ Lou Gehrig Disease".

حققت الحملة رواجاً كبيراً، فكلنا تقريباً يتذكر الفيديوهات التي انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي للعديد من المشاهير وهم يقومون بالتحدي منهم على سبيل المثال الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، ومقدمة البرامج المشهورة أوبرا وينفري، ومؤسس شركة مايكروسوفت بل جيتز، والمغنية اللبنانية نجوى كرم. استطاعت الحملة أن تحقق رقماً قياساً في التبرعات وصل لحوالي 115 مليون في خضون ستة أسابيع، وتم نشر أكثر من مليوني فيدو لأشخاص قبلوا التحدي وقاموا به.

أهم خصائص الانترنت هي حرية الوصول إلى المعلومات وحرية التعبير. علينا المحافظ على هذه القيم لأنها حق مكتسب ليس لجماعة بشرية على حساب جماعة أخرى بل لأنها مكتسب إنساني.

إقبال بن قايد حسين

كذلك كانت تلك القفزة المضحة التي قامت بها أندروز باكر Andrews Parker، وهي المدير التنفيذي لمؤسسة العمل المجتمعي في مقاطعة سترافورد حيث حصد الفيديو الذي نشرته أكثر من 500 ألف مشاهدة بوقت قياسي يصل إلى عدة ساعات فقط. وقد هدفت هذه الفكرة إلى جذب الانتباه إلى ضرورة التبرع لصالح المحتاجين والمشردين والفقراء في المقاطعة.

تعدّ هذه الأمثلة جزءاً بسيطاً من العديد من الأمثلة التي استخدمت فيها منصات التواصل الاجتماعي لصالح أغراض إنسانية بنَّاءة. وعليه فإن ما يجب علينا جميعاً فعله كأعضاء في مجتمع تكنولوجيا المعلومات هو أن نعزز من الثقافة البناء في استخدام هذه التقنيات التي منحتنا فرصة كبير لاكتشاف طاقاتنا الإنسانية المخبوءة بداخلنا.

سيحدث أن يكون هناك أناس على الطرف الأخر يستغلون هذه التقنيات لأعمال ضارة، مستثمرين في الطبيعة الحيادية للتكنولوجيا القابلة للتوظيف على اتجاهات عدة وربما متناقضة، فالجماعات الإرهابية – على سبيل المثال - تستغل خاصية المجهولية لإرسال رسائلها التحريضية أو تجنيد المزيد من الشباب في صفوفها، في حين تستغل جماعات الكراهية خاصية الوصولية من أجل نشر أفكارها الضارة على نطاق واسع كما حدث مؤخراً في نيوزيلندا، أما الحكومات فتستغل خاصية المراقبة للتنصت على مواطنيها والتجسس عليهم وفرض رقابة على المحتوى المعرفي المتوفر لديهم.

مع ذلك لا بدّ من الانتباه إلى شيء ضروري. ففي الوقت الذي نسعى فيه جميعاً سواء كأفراد، أو منظمات مجتمع مدني، أو شركات تكنولوجيا المعلومات إلى الحد من التأثيرات الضارة لهذه التقنيات علينا أن نحافظ على روحها، وعلى خصائصها الجوهرية. فمن أهم خصائص الانترنت هي حرية الوصول إلى المعلومات، وحرية التعبير. علينا المحافظ على هذه القيم، لأنها حق مكتسب ليس لجماعة بشرية على حساب جماعة أخرى، بل لأنها مكتسب إنساني.

إن المعالجات غير المتبصرة لمسألة الأخبار المزيفة أو حملات التضليل يمكن أن تضيق علينا فرصة حرية التعبير وتجعلنا خاضعين من جديد لرقابة لا تخلو في الغالب من تحيز ما نظراً لتداخل الثقافات وتعقيداتها خصوصاً في ظل العولمة.

إقبال بن قايد حسين

نحن بلا شك ندعم الإجراءات التي قامت بها مؤخراً شركة فيسبوك، والتي تحظر استخدام أي محتوى يحض على الإرهاب والكراهية من قبيل القومية البيضاء White Nationalism، والانفصالية البيضاء White Separatism، مثلما كانت قد حضرت الاستعلاء الأبيض White Supremacy السنة الفائتة. ولكن يجب ألا يتم ذلك على حساب بعض الخدمات كالبث المباشر والتي أفادت كثيراً في مواضع شتى منها على سبيل المثال بث المظاهرات الداعمة للديمقراطية، أو بث انتهاكات قوات الأمن التابعة للحكومات ضد المتظاهرين كما رأينا في ثورات الربيع العربي، فعندما عمدت هذه الحكومات إلى قطع بث القنوات الفضائية كانت البث المباشر على الإنترنت هو البديل الوحيد الذي من خلاله استطاع المتظاهرين إبلاغ قضيتهم للعالم أجمع.

بناء على ما سبق فإن منصات التواصل الاجتماعي كمحفز يمكن أن تسلك الطريق البناء وفقاً للدوافع الخيّرة للفاعل، أو الطريق الهدام إذا كانت دوافعه خبيثة. وهنا تمكن المعضلة، علينا أن نكون حذرين عندما نحاول معالجة الاستخدامات الخبيثة لهذه التكنولوجيات حتى لا تؤثر على الفرص التي منحتنا إياها. تشكل منصات التواصل الاجتماعي فرصة رائعة لتوسيع دائرة حرية التعبير، وإن المعالجات غير المتبصرة لمسألة الأخبار المزيفة، أو حملات التضليل يمكن أن تضيق علينا فرصة حرية التعبير وتجعلنا خاضعين من جديد لرقابة لا تخلو في الغالب من تحيز ما نظراً لتداخل الثقافات وتعقيداتها خصوصاً في ظل العولمة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي