"ترنح النهضة"، و"فشل الوسطيين"، و"انهيار اليسار التونسي" أو "إفلاس النخب"، و"عجز الأحزاب السياسية عن تفهم اللحظة الراهنة" أو "زلزال سياسي".

كلها عناوين محتلة لمقاربة النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها في تونس، وكلها ردود أفعال لما باح به الصندوق حتى اللحظة.

ولكن الثابت أنه وللمرة الثانية في أقل من عشر سنوات يثور التونسيون لكن ثورتهم هذه المرة بملامح مغايرة وعبر الصندوق. قالوا كلمتهم أو كلمة عرّاب الثورة الجديدة كما تراه فئة كبيرة من مريديه من الشباب الأستاذ قيس سعيّد.

"نحن لا نستطيع تغيير الجغرافيا ولكننا نستطيع تغيير التاريخ" هذه المقولة التي تنسب إلى سعيّد الحائز على المرتبة الأولى في نتائج الدور الأول للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها.

كما كان يحتل مكانة متميزة في استطلاعات الرأي حول الانتخابات في الأشهر الأخيرة وفق مؤسسات سبر الآراء، دون أن تكترث الطبقة السياسية الحاكمة ولا حتى المعارضة بهذا المؤشر المهم وربما لم تحمله محمل جد.

وعلى هذا الأساس فإن من الصعب القول بأن ما حدث كان مفاجأة بالنسبة للمتابعين بدقة للشأن السياسي التونسي. فقد بدا واضحاً منذ فترة ليست بالقصيرة أن الهوة كبيرة بين المنظومة السياسية القائمة وبين عموم الشعب التونسي الذي تطحنه أزمة مجتمعية خانقة متعددة الأبعاد غذّاها الانهيار الاقتصادي الكبير.

ومع تنامي ظاهرة الإحباط واليأس في صفوف التونسيين التي بلغت نسباً عالية جداً وفق عديد من البحوث والدراسات الرصينة، فقد بات واضحاً أن التونسيين يريدون كسر رقبة واقعهم المعيش سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وأنهم يبحثون عن بدائل حقيقيقة.

وكانت الانتخابات فرصة سانحة ليتخذ التونسيون موقفاً عقابياً من الجميع وذلك بالعزوف عن التصويت. فقد تراجعت نسبة الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم مقارنة بسنة 2014 ثم عبر التصويت بكثافة لكل الخارجين عن المنظومة الرسمية أو القابعين على هامشها ممن كان بعض المحللين والنخب يعتبرونهم مجرد ظواهر صوتية لا تسمن ولا تغني من جوع.

إذن عكست النتائج الأولية للانتخابات إرادة شعبية قوية في التغيير وإعلان الفشل الذريع لكل المنظومة السياسية التي تداولت الحكم منذ ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011. باعتبار أن هذا النسق السياسي لم ينجح في الإجابة على انتظارات الناس واستحقاقات اللحظة الآنية الفائرة.

وقد كان لزاماً على النخب السياسية أن تتفهم التحولات العميقة التي عاشها المجتمع التونسي في العقد الأخير، وأن تتلقى الرسائل التي ما فتئت ترد منه في عديد المناسبات وآخرها الانتخابات البلدية وما ترتب عنها، وحالة التململ الكبير التي تجلت في شكل احتقان اجتماعي هنا وهناك في وقائع كثيرة.

وكان على كل مكونات الطيف السياسي أن تتفهم وبعمق ما يحدث حولها. فبمفرداته الخيرية وبعناوين مساعدة المحتاجين وكفكفة دموع الفقراء استطاع نبيل القروي، على سبيل المثال، أن ينفذ إلى قلوب الناس ويحتل مكان الدولة في حياتهم وفي نفوسهم، هم الذين يتمثلونه منقذاً لهم.

وببساطته وتعففه واقترابه من الناس استطاع قيس سعيد أن يصبح في المخيال الجمعي للشباب النموذج الأصلح للقيادة في المرحلة القادمة.

ذاك هو اختصار ما حدث في تونس لكن ماذا بعد؟ وما تجليات ردود فعل الطيف السياسي؟

لا يُخفي أتباع حركة النهضة خيبة أملهم ومرارتهم نتيجة عدم تصدُّر مرشحهم نتائج صناديق الاقتراع وعدم حصوله على ثقة أغلب التونسيين في الدور الأول لهذه الانتخابات.

بينما يفسر بعض قادتها أسباب ترنحها وتراجع نسبة المصوتين لها وحصول مرشحها الأستاذ عبد الفتاح مورو على المرتبة الثالثة، بتأخر قرارها الحسم في المرشح الرئاسي عكس منافسيها الذين أعلنوا عن ترشحهم مبكراً.

وإن كان بعض الملاحظين يؤكدون أن بعض الشباب القاعدي للحركة القريب من نبض الشارع وتفاعلاته قد صوّت لفائدة المرشح المستقل قيس سعيد، فإن هذا أمر يحتاج إلى تبيان وربما يكون الدور الثاني للانتخابات حاسماً في هذا الصدد.

في صفوف من ينتمون إلى ما يعرف بالعائلة الوسطية الحداثية حالة تيه وعدم فهم لما حصل جرّاء الصدمة أو خيبة الأمل التي أصيب بها المرشحون وناخبوهم على حد السواء. وهم يحاولون بصعوبة تجرُّع مرارة هذه النتيجة التي كانت بعيدة عن تصوُّر بعض النخب والمنظّرين لهذا التيار السياسي الذي أثبت محدودية تغلغله في تونس الأعماق وعجزه عن فهم أشواق الناس إلى الكرامة والعدالة الاجتماعية.

أما بالنسبة إلى اليسار فقد كانت ردود رواد المجتمع الافتراضي عليها ساخرة وتختصر ما آلت إليه الأوضاع في صلب هذا الطيف السياسي الذي كانت نسبة انتخابه تعادل نسب "السكر في الدم" بتعبيرهم الساخر. وهذا يعكس الانهيار الكبير للظاهرة اليسارية في تونس التي تعيش اغتراباً في هذا المجتمع ولم تعد أطروحاتها مقنعة.

وفي تساؤلنا عما هو مطروح الآن يمكن القول إن تونس بهذه الانتخابات قطعت شوطاً مهماً نحو نادي الديمقراطيات العريقة بغض الطرف عما ستؤول إليه النتيجة النهائية، فينبغي الإقرار بأن هذا الاستحقاق الانتخابي كان منعرجاً حاسماً في التجربة الديمقراطية التونسية.

وإذا كان هذا معطى ثابتاً اليوم فإن متغيرات كبرى ستظهر لاحقاً في المشهد التونسي وستعلن عن نفسها مع الانتخابات التشريعية المقبلة التي باتت قاب قوسين أو أدنى. ومع النتيجة النهائية للاستحقاق الرئاسي سنجد أنفسنا أمام مقترحات سياسية جديدة من قِبل المنظومة الحالية التي ربما ستجدد أشكال تعاطيها مع الوضع الجديد، وربما تقام تحالفات لا تخلو من الغرابة في الآونة القادمة بين الفاعلين السياسيين.

وسنجد أنفسنا أمام أشكال تموقع جديدة مهما كان ساكن قرطاج الجديد سواء الأستاذ قيس سعيد أو رجل الأعمال نبيل القروي الموقوف حتى اللحظة على ذمة التحقيق. وسيفرز هذا تحالفات مغايرة قد تكون بعناوين خيرية لا تخلو من الزبونية أو تحت يافطة إعادة الاعتبار للكفاءة النوعية من أجل إصلاح ما يمكن إصلاحه.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي