لم تحل كل إنجازات بنيامين نتنياهو التي قدمها لدولة إسرائيل، دون تقديم لائحة اتهام ضده تتعلق بالفساد والرشوة، كما لم تنفعه محاولات صديقه ترمب الذي أرسل له رسائل استراتيجية وبالمجان.

المدعي العام، أفيخاي ماندلبليت، وهو من قدم لائحة الاتهام بالفساد والرشوة، وصف نتنياهو بالقائد المبدع، وأنه – أي المدعي العام - يشعر بالأسى لتوجيه الاتهامات إليه.

مفارقة عجيبة، وصفوه "بموسى الثاني" بسبب إنجازاته ومع ذلك لم تشفع له، فالنهاية الفضائحية قد تزج بنتنياهو في السجن، أو على أقل تقدير سيُعدم سياسياً.

ماذا قدم نتنياهو للكيان الإسرائيلي؟

تعليق المدعي العام أن نتنياهو «قائد مبدع»، أمر مثير للاهتمام والتناقض، فنتنياهو كان "واجهة الكيان" طوال ثماني سنوات، وواضع برامجها السياسية منذ عام 1997.

إذ يُحسب لنتنياهو"إسرائليّاً" التوسع في السياسة الاستيطانية في الضفة الغربية، وتسريع الخطى لتهويد مدينة القدس، وهدم الآلاف من منازل الفلسطينيين، ومصادرة مئات الدونمات من أراضيهم، وتسريع عملية بناء جدار الفصل العنصري، وفي الوقت ذاته تحقيق فتوحات تطبيعية مع عرب الخليج ـ للأسف.

فنتنياهو استطاع أن يحفز ترمب لتحقيق أكبر أمنيات قادة الكيان بإعلان السيادة على الجولان، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والتشجيع على ضم غور الأردن، وإعلان بومبيو مشروعية الاستيطان في الضفة الغربية.

حقبة نتنياهو ذهبية لليمين واليسار، خصوصاً أنها ترافقت مع مؤتمر وارسو للتطبيع السياسي والأمني في بولندا، ومؤتمر المنامة للتطبيع الاقتصادي في البحرين، ونجاحه بإقناع ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي.

هذا فضلًا عن زيارته ووزرائه عدداً من العواصم العربية الخليجية، وغيرها من المشاريع التطبيعية والصفقات العسكرية والأمنية والسياسية التي تمت على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته.

هدايا ترمب وإلغاء الجغرافيا الفلسطينية

نجح بنيامين نتنياهو بتوظيف "يمينية" الرئيس الأميركي لمصلحة إسرائيل، فما بين الرجلين "كيمياء" مؤدلجة تم إسقاطها على الواقع بسرعة فاقت سرعة الضوء.

الهدايا التي قدمها ترمب لنتنياهو، يمينية أحياناً كثيرة، لكن هذا لا يعفي كونها شخصية، وفيها رائحة الرغبة الأمريكية بإبقاء نتنياهو في رئاسة الحكومة، وتجنيبه الاتهامات والمحاكمات.

ترمب، اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها. كما أنهي تمويله لوكالة غوث اللاجئين "الأنروا" وأغلق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، و قطع المساعدات عن محمود عباس.

غور الأردن والمستوطنات: هدايا وازنة وإنجازات لنتنياهو

أخطر هدايا واشنطن، تلك الهادفة إلى إلغاء الجغرافيا الفلسطينية، فتصريحات بومبيو الأخيرة حول قانونية المستوطنات، وهرولة نتنياهو تقديم قانون لضم غور الأردن لإسرائيل، كلها تؤكد على تناغم أيديولوجي وبرامجي، هدفه إلغاء الجغرافيا الفلسطينية وفرض أمر واقع يقول "إسرائيل من البحر إلى النهر".

أما الشعب الفلسطيني وفقاً لقرار ضم المستوطنات وغور الأردن، فهم مجرد مجاميع بشرية سيتم تصدير مشكلتهم للأردن، وهنا سيتم الضغط على الأردن ليكون شريكاً بديلاً عن الفلسطينيين.

هذه الهدايا، والتي تسجل في صحيفة نتنياهو، لم تكن تحلم بها دولة إسرائيل لا شكلاً ولا مضموناً ولا سرعة في التنفيذ، ومن هنا يمكن القول إن محاكمة نتنياهو تأتي في لحظة "عظمته الصهيونية".

العمق العربي: ما بين غائب ومهادن ومتواطئ

تحركات الإدارة الأميركية "شرعية المستوطنات وضم غور الأردن" وضعت الأردن والفلسطينيين في موقف منكشف ووحيد في مواجهة إسرائيل ببقاء نتنياهو أو بدونه.

الأكثر قسوة غياب العمق العربي المنشغل بأزماته. ففي وقت يطلق بومبيو تصريحاته الداعمة للاستيطان، تبدو بعض دول الخليج منشغلة بملف اليمن وإيران والملاحة في الخليج، كما أن بعض العواصم تراقب بحزن محاكمة نتنياهو تتمنى بقاءه في السلطة.

مصر منشغلة أيضاً ومحايدة. منشغلة بتطورات الأوضاع في ليبيا، وبأزمة سد النهضة، كما أنها معنية بإسرائيل فقط من ناحية أمن سيناء، وعدم انفجار الأوضاع في غزة.

ولك أن تضيف أن بغداد غائبة وكذلك دمشق، والعمق الافتراضي المتمثل بالأمم المتحدة، لم يعد يسمن أو يغني من جوع، وكذلك العمق الأوروبي الذي يعيش هشاشة وعدم قدرة على التأثير.

رحيل نتنياهو لا يعني تفريط النخبة القادمة بإنجازاته

موت نتنياهو سياسياً لا يعني نهاية المشكلة مع إسرائيل. اليمين يهيمن على الحياة السياسية، والأكثر تطرفاً سيسيطرون على أيّة حكومة مقبلة في إسرائيل.

ربما يُظهر قادة غير نتنياهو تقديراً أفضل للعلاقات مع دول تربطها معاهدات سلام مع إسرائيل؛ الأردن ومصر حصرا، لكن فيما يخص عملية السلام مع الفلسطينيين لا تبدو الفرص متاحة على نحو مغاير للموقف السائد في أوساط القوى المتصدرة للمشهد السياسي الإسرائيلي.

هل هناك قيادة في إسرائيل بعد نتنياهو يمكنها أن تتنازل عن هذه المكتسبات التاريخية؟ سؤال مهم وكبير.

حتى في الولايات المتحدة، هل بمقدور الديمقراطيين إذا ما فازوا في الانتخابات المقبلة أن يتراجعوا عن قرار نقل السفارة الأمريكية للقدس المحتلة أو سحب الاعتراف بشرعية المستوطنات؟

كيف يراقب العرب المشهد الانتقالي في إسرائيل؟

حاكم بديل لنتنياهو يمثل تحدياً حقيقياً. سيدفع بعض المراهنين على الكيان الصهيوني من المجموعة العربية والدولية لإعطائه فرصة جديدة من الممكن أن تمتد عامين إلى ثلاثة من المناورات التي تفضي إلى مزيد من السحق للفلسطينيين، ولحقوقهم على الأرض، وهنا يكمن الإبداع من جديد.

التغير داخل الكيان الإسرائيلي لن يحقق إنجازاً للعرب؛ إذ يخشى أن يتحول إلى دبلوماسية تشرعن القرار الإسرائيلي القاضي بشطب الجغرافيا الفلسطينية.

رحيل نتنياهو ربما سيكون مقدمة للمزيد من المبررات لجهات عربية تحمل نزعة تطبيعية مدمرة للاندفاع بقوة نحو مزيد من فصل المسار الفلسطيني عن العلاقة مع إسرائيل.

الصورة لن تكون أقل فوضوية مما هي عليه بعد نتنياهو، فما أنجزه نتنياهو، وما أخذه من البيت الأبيض، سيشكلان قاعدة تراكمية لإنجاز الدولة اليهودية، وإنهاء الطموح الفلسطيني.

خلاصة الأمر، أن ثمة إنجازاً حققه نتنياهو على حساب الحق الفلسطيني. وأن الرجل أصبح فاسداً، وسيحاكم لكن ما قام به سيظل إنجازاً مسلطاً على رقاب العرب والفلسطينيين، وهنا تكمن العقدة والتعقيدات.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRTعربي.  

المصدر: TRT عربي