يتخذ الاتحاد الأوروبي موقفاً مناوئاً لتركيا على خلفية عمليات التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط الأمر الذي دفع الاتحاد إلى اتخاذ عقوبات اقتصادية ضد أنقرة وهو ما اصطدم بموقف تركي داخلي موحد.

يشهد شرق البحر المتوسط في الآونة الأخيرة أياماً وتطورات ساخنة للغاية؛ تقوم قبرص الرومية بفعاليات أحادية الجانب مستندة في ذلك إلى الدعم الذي تحصل عليه من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي. وهذا أمر لا يمكن قبوله من جانب جمهورية شمال قبرص التركية وبالتالي تركيا.

دأبت أنقرة على مدار الأعوام القليلة الماضية على استخدام كافة القنوات السياسية والدبلوماسية اللازمة، من أجل التوصل إلى حل لهذه القضية يتماشى مع القانون الدولي. غير أن إدارة قبرص الرومية مع الأسف لم تتراجع عن مساعيها لتحويل القضية إلى مسألة أمر واقع.

وهذا الموقف فرض على تركيا اتخاذ تدابيرها. وعليه، تواصل سفن التنقيب التركية، ياووز، والفاتح، وخير الدين بربروس، فعالياتها شرقي المتوسط.

سبب التوتر الموقف الأحادي لإدارة قبرص الرومية

يعد ملف قبرص أحد أهم مواد أجندة السياسة الخارجية التركية. والعالم الغربي لا يحبذ عن قصد الوصول إلى حل للأزمة. ودائماً يتخذ موقفاً داعماً لقبرص الرومية في جميع المناسبات.

ثمة عوامل تزيد من تعميق الأزمة، في مقدمتها، فعاليات التنقيب أحادية الجانب التي تنفذها قبرص الرومية، والتحركات العسكرية المتزايدة، وعمليات التفاوض التي تفتقر إلى حلول، فضلاً عن المواقف المثيرة للجدل التي تتخذها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

وعندما اكتُشف الغاز الطبيعي شرقي المتوسط، أبرمت قبرص الرومية اتفاقات تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة مع دول المنطقة، مثل مصر، وإسرائيل، واليونان، ولبنان.

مواقف دول الاتحاد الأوروبي الداعمة لإدارة قبرص الرومية تمثل أحد أهم أسباب استمر ار الأزمة القبرصية.

جاهد توز

وشكّلت قبرص الرومية، بشكل أحادي، ما أسمته مناطق التنقيب عن الهيدروكربون (المحروقات) في المياه الإقليمية للجزيرة. وإلى جانب هذه الخطوة المخالفة للقانون الدولي، تم السماح أيضاً لسفن شركات نفط أمريكية وإيطالية وفرنسية بتنفيذ فعاليات بحث وتنقيب.

يتمثل الهدف الأساسي لإدارة قبرص الرومية في نقل احتياطات الغاز الطبيعي الموجودة في المنطقة إلى إسرائيل، واليونان، وإيطاليا. ويوجد هدف آخر يتمثل في الحصول على مساعدات مادية من الاتحاد الأوروبي.

 وعلى هذا النحو، تريد إحياء مشروع خط أنابيب نقل غاز شرقي البحر المتوسط. وإلى جانب حمل تركيا القضية إلى المنصات الدولية، لم تسمح أيضاً بهذه الخطوات أحادية الجانب. واتخذت التدابير اللازمة عبر الفرقاطات التركية التي أرسلتها إلى المنطقة.

لماذا الاتحاد الأوروبي منزعج؟

لا شك أن مواقف دول الاتحاد الأوروبي الداعمة لإدارة قبرص الرومية تمثل أحد أهم أسباب استمر ار الأزمة القبرصية. تعقدت الأزمة أكثر مع تقديم قبرص الرومية طلبأً إلى الاتحاد الأوروبي من أجل الحصول على عضوية كاملة.

وبتعبير آخر، جُعلت الأزمة القبرصية "أوروبية". ومع انضمامها للاتحاد الأوروبي في عام 2004، أصبحت قبرص الرومية شرطاً مسبقاً ضد تركيا يمنعها من الحصول على عضوية الاتحاد. ودأبت الدول الأوروبية على استخدام هذا الموضوع كبطاقة ضد تركيا في جميع المناسبات.

تلبية تركيا احتياجاتها العسكرية يسبب انزعاجاً كبيراً لأوروبا لأنه سيقلل من اعتماد أنقرة على الاتحاد الأوروبي.

جاهد توز

واتخاذ تركيا تدابير ضد فعاليات قبرص الرومية المخالفة للقانون الدولي في شرق المتوسط، خلق توتراً من جديد في العلاقات التركية الأوروبية. وعندما أدلى الرئيس الفرنسي بتصريحات تتعلق بالمسألة القبرصية، رغم أن بلاده ليست دولة ضامنة في قبرص، وتفتقر إلى أي صلاحية تتيح لها التدخل، ردت أنقرة بشكل حاسم على ذلك.

غير أنه من الواضح أن مسألة منظومة الدفاع الروسية S-400 أيضاً تُعد أحد أهم أسباب اتخاذ الدول الأوروبية موقفاً معادياً لتركيا في الآونة الأخيرة.

فتلبية تركيا احتياجاتها العسكرية يسبب انزعاجاً كبيراً لأوروبا لأنه سيقلل من اعتماد أنقرة على الاتحاد الأوروبي. وفي وقت بدأت منظوم ةS-400 تتخذ فيه منحى جاداً، راحت الدول الأوروبية تستخدم مجدداً القضية القبرصية كبطاقة ضد تركيا.

غير أن هذه المرة ومع دخول أطراف عديدة معنية وغير معنية إلى دائرة الأحداث، تظهر رغبة في زيادة تعميق الأزمة أكثر، وتحويلها إلى صراع مصالح متعدد الأطراف. ويعد اتخاذ قرار بفرض عقوبات ضد تركيا في اجتماع وزراء خارجية مجلس الاتحاد الأوروبي، أكبر خطوة ملموسة على هذا الأمر. لكنّ الشأن الأهم هنا يكمن في القدرة على تنفيذ القرار، أكثر من قرار فرض العقوبات نفسه.

شأن مهم آخر ينبغي التركيز عليه في هذه القضية ألا وهو موقف المعارضة في تركيا فعند النظر إلى التصريحات الصادرة عن المعارضة التركية نجد أنها تقف بقوة إلى جانب الحكومة.

جاهد توز

هل الاتحاد الأوروبي قادر على تنفيذ قرار العقوبات ضد تركيا؟

في البداية ينبغي الإشارة إلى أن هذا القرار الذي اتخذه الاتحاد الأوروبي لا يستند إلى أي أساس قانوني؛ أي لا شرعية له. وعليه، فليس من الوارد تنفيذ هذا القرار. وإلى جانب كون القرار غير قانوني وغير شرعي، توجد عدة أسباب تجعل تطبيقه مستحيلاً. ومن الممكن توضيح هذه الأسباب على النحو التالي:

- الاتحاد الأوروبي الشريك الاقتصادي والتجاري الأهم لتركيا.

- تركيا أحد أهم أعضاء حلف شمال الأطلسي (ناتو).

- تركيا تتعاون مع الاتحاد الأوروبي في قضية اللاجئين ومكافحة الإرهاب.

- بعض الدول الأوروبية تستفيد من خطوط نقل الطاقة المارة عبر تركيا.

- توافق وتعاون تركيا مع الاتحاد الأوروبي مهم للغاية من ناحية أمن وسلام المنطقة.

يمكننا سرد أسباب عديدة توضح أن تنفيذ قرار عقوبات الاتحاد الأوروبي أمر غير واقعي. وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو أيضاً قال في معرض تعليقه على القرار: "الأوروبيون يدركون بأنفسهم أن القرارات التي اتخذوها ليست قابلة للتنفيذ، اضطروا لاتخاذ قرارات عديمة الفائدة من أجل إرضاء الجانب الرومي".

الموقف التركي الداخلي الموحد

شأن مهم آخر ينبغي التركيز عليه في هذه القضية، ألا وهو موقف المعارضة في تركيا؛ فعند النظر إلى التصريحات الصادرة عن المعارضة التركية نجد أنها تقف بقوة إلى جانب الحكومة.

ومن المهم الإشارة هنا إلى تصريحات نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري (أكبر أحزاب المعارضة) أونال تجويك أوز بخصوص العقوبات الأوروبية، حيث قال: "نرفض موقف الاتحاد الأوروبي الذي يتجاهل تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية. وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على تركيا لن يسهم أبداً في حل القضية القبرصية بالطرق السلمية".

ويُفهم من هذا أن كافة الأحزاب السياسية في تركيا تقف إلى جانب الحكومة فيما يتعلق بالقضية القبرصية.

أعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي سيفهمان آجلاً أو عاجلاً أن أصحاب الجزيرة القبرصية من الأتراك والروم يمتلكون حقوقاً متساوية في موارد الغاز الطبيعي، ومن الضروري أن يستفيد كلا المجتمعين أيضاً من هذه الموارد بشكل عادل ومتزامن. فمن المستحيل أن تقبل تركيا أي خيار آخر.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي