يوجد في الإمارات العربية المتحدة تعددية دينية يرجع الفضل فيها إلى وجود عدد كبير من المغتربين الذين يمارسون شعائر أديانهم بحرية في البلد. وتمثل زيارة البابا فرانسيس تطوراً مستحباً لكن بمقدور الإمارات فعل أكثر من ذلك لكي تكون حقاً أمة "متسامحة".

في الثالث من فبراير/شباط، وصل البابا فرانسيس إلى القصر الرئاسي في أبو ظبي وتلقى استقبالاً حاراً من ولي عهد الإمارات الأمير محمد بن زايد. تهدف تلك الزيارة التاريخية، وهي الأولى من نوعها لبابا الفاتكيان إلى شبه الجزيرة العربية، إلى بناء جسور في وقت يصبح فيه المسيحيون ضحايا حملات التعصب في الشرق الأوسط ويُصدَّر فيه السياسيون الشعبويون روايات معادية للإسلام في الغرب.

وفي السابق، زار باباوات سابقون والبابا الحالي بلدان ذات أغلبية مسلمة مثل لبنان، وتركيا، وسوريا، ومصر، والأردن، والسودان.

التقى البابا أثناء وجوده في الإمارات الإمام الأكبر لمصر أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر وجامعته. وترأس بابا الفاتيكان كذلك قداساً أُقيم في الهواء الطلق لما يقارب 135ألف كاثوليكي (معظمهم من العمال الأجانب ذوي الأجور المنخفضة) في ما كان أول قداس من نوعه يقام في شبه الجزيرة العربية.

تروج الإمارات لنفسها في الغرب باعتبارها بلد خليجي فريد وذي فكر تقدمي ولكن عدم تسامح الإمارات مع جماعة الإخوان المسلمين التي فازت في انتخابات ديمقراطية في الجوار يناقض تلك الصورة.

جورجيو كافييرو

وقبل أن يغادر إلى الإمارات بفترة وجيزة، أشاد البابا فرانسيس بالملكية العربية لـ"سعيها لأن تكون نموذجاً للتعايش المشترك، والتأخي الإنساني والتقاء الإيمان والحضارة".

ولا شك في أنَّ القيادة في الإمارات تستخدم جولة البابا فرانسيس للترويج لصورة بلدهم باعتبارها معقل الاعتدال والتسامح والانفتاح.

وكان تأكيد الإمارات على التناغم الطائفي والتسامح هما أعمدة السياسة الخارجية لأبو ظبي لسنوات. ومع استحداث وزارة التسامح ووجود عدد كبير من المقيمين من غير المسلمين (بما في ذلك ما يقارب 800 ألف مسيحي) الذين يمارسون شعائر أديانهم المتباينة بحرية، أبرزت الإمارات اختلافها عن جاراتها السعودية، حيث لا توجد كنائس، أو معابد أو معابد يهودية مقبولة.

تروج الإمارات، في كثير من الأحيان، لنفسها في الغرب باعتبارها بلد خليجي فريد وذي فكر تقدمي يقف حصناٌ في وجه الكراهية، والعنف، والأصولية الدينية. لكن عدم تسامح البلد مع جماعة الإخوان المسلمين، التي فازت في انتخابات ديمقراطية في الجوار، الذي يتعارض معه دعمها للجماعات المتطرفة، يناقض تلك الصورة.

ولما كانت القيادة الإماراتية قد أعلنت 2019 عام التسامح، فهي تؤكد على أنَّ هذه الزيارة البابوية التاريخية برهان على تقاليد الدولة الخليجية باعتبارها "مهداً للتعددية". ومما لا شك فيه أنَّ جولة البابا فرانسيس سوف تكون في قلب الجهود الإماراتية للترويج لبلادهم على المستوى الدولي، في الوقت الذي يصورون فيه الإمارات بوصفها المحرك للحوار بين الأديان.

وقبل أن يغادر البابا، شديد الصراحة، إلى أبو ظبي، أصدر أقوى إداناته للحرب على اليمن حتى الآن. إذ تناول رئيس الكنيسة الكاثوليكية محنة الأطفال الذين يعانون من المجاعة في جميع أنحاء هذا البلد العربي الذي مزقته الحرب. وبعد وصول البابا فرانسيس إلى الإمارات دعا القيادات الدينية إلى رفض الحرب في خطاب أدلى به في صرح زايد المؤسس، وكان الجمهور حافلاً بالأئمة والحاخامات والسوامي (المعلمين الدينيين الهندوس).

وحذر البابا من أنَّ مستقبل الإنسانية قد يكون عرضة للخطر إذا لم يجتمع الناس من جميع الأديان ضد "منطق القوة المسلحة ... وتسليح الحدود، وإقامة الأسوار". وبالإضافة إلى حرب اليمن، فقد دعا البابا إلى إنهاء الصراعات في ليبيا والعراق وسوريا أيضاً.

وفي الفترة التي سبقت زيارة البابا فرانسيس للإمارات، حثته منظمات ونشطاء حقوق الإنسان على استخدام نفوذه للضغط على قيادة أبو ظبي لتحسين سجلها في حقوق الإنسان داخل الإمارات وخارجها.

وكانت مجموعات مثل منظمة هيومان رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية تتابعان عن كثب أيضاً قضية الناشط الإماراتي الحقوقي، أحمد منصور، الذي كانت هذه المنظمات تطالب السلطات الإماراتية بإطلاق سراحه على الفور بالنظر إلى أنه سجين سياسي.

وفي أعقاب قضية البريطاني الجنسية وباحث الدكتوراه، ماثيو هيدجز، الذي احتجزته السلطات الإماراتية لفترة تقارب 7 شهور العام الماضي، بتهم التجسس (وهي اتهامات يقول المسؤولون في لندن إنها لم تكن تستند إلى دليل)، كانت منظمات حقوق الإنسان شديدة الانتقاد للقيادة الإماراتية بشكل خاص ومرتابة في مزاعمها بمناصرة التسامح والانفتاح.

تسامح سطحي؟

في الواقع، من الشرعي أن نسأل عن معنى "التسامح" في سياق ملكية خليجية شديدة السلطوية تحظر الأحزاب السياسية ولا تتسامح مع أي معارضة سياسية؟

تثير مثل هذه الأسئلة شكوكاً حول غرض "عام التسامح"، إذ رفضته بعض الأصوات واصفة إياه بأنه "كلام فارغ" ومحض "حيلة علاقات عامة لا معنى لها".

من الشرعي أن نسأل عن معنى "التسامح" في سياق ملكية خليجية شديدة السلطوية تحظر الأحزاب السياسية ولا تتسامح مع أي معارضة سياسية؟

جورجيو كافييرو

في نهاية المطاف، ينبغي فهم نموذج التسامح الإماراتي في سياق الجهود الكبرى التي تبذلها الإمارات للحفاظ على الوضع الراهن الإقليمي، الذي تلقى ضربة شديدة خلال انتفاضات الربيع العربي في2011، والتي كانت مدفوعة بالحركات الشعبية.

وقد كان تحقيق جماعات مثل الإخوان المسلمين مكاسب سياسية واجتماعية في أعقاب ثورات الربيع العربي أمراً مزعجاً على وجه الخصوص لأبو ظبي التي ترى أن هذه الجماعات تشكل تهديداً لوضعها الملكي الراهن.

واستجابة لهذا التسونامي الجيوسياسي الذي غذى معظم حالة عدم الاستقرار بعد سقوط قادة كانوا يحكمون منذ وقت طويل في مصر ودول عربية أخرى، ازداد التزام أبوظبي بالدفع من أجل نظام إقليمي جديد غير متسامح على الإطلاق مع المعارضة والنشاط السياسي في الأشكال التي أيدتها تركيا وإيران وقطر.

وكما قال جيمس دورسي، فإنَّ دفع أبو ظبي من أجل التسامح الديني مصحوبا بعدم التسامح السياسي "جزء من صراع عالمي حول القيم التي تؤكد التحولات التكتونية التي تشكل النظام العالمي الجديد".

مما لا شك فيه، أنَّ دفاع الإمارات عن التناغم الطائفي داخل ضمن سعي الإمارات للترويج لنموذجها من الاستقرار السلطوي "العلماني" للغرب فضلاً عن الالتزام الإماراتي الأصيل ببناء جسور بين الثقافات المختلفة من خلال بلدهم، الذي يعد موطناً لمغتربين من جميع دول العالم تقريباً.

إنَّ دفاع الإمارات عن التناغم الطائفي داخل ضمن سعي الإمارات للترويج لنموذجها من الاستقرار السلطوي "العلماني" للغرب.

جورجيو كافييرو

وعلى الرغم من الأسباب الشرعية الداعية لفحص سردية الحكومة الإماراتية عن "التسامح" وتقييم معناها داخل السياق الإماراتي، فإنَّ مما ينسب فضله لقيادة أبو ظبي هو أنَّ الإمارات أصبحت أول بلد في شبه الجزيرة العربية، مهد الإسلام، يزورها البابا.

وبفضل البابا فرانسيس إلى حد كبير، فإنَّ علاقة الفاتيكان بالعالم الإسلامي قد تحسنت بشكل كبير منذ الجدل الذي دار عام 2006، بعد تصريحات البابا بندكت (بنديكتوس) السادس عشر المسيئة حول النبي محمد والدين الإسلامي.

وتمثل هذه الرحلة التاريخية نقطة تحول بالنسبة للجهود التي يبذلها الغربيون والشرق أوسطيون لتجاوز الصور النمطية السامة ولإيجاد المزيد من الأراضي المشتركة التي يمكن لأتباع الديانات الإبراهيمية العمل منها معاً لتناول الأزمات العابرة للحدود والكوارث الإنسانية مثل تلك التي تعصف بالعالم العربي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي