لطالما احتدمت معركة المفاضلة بين مفهومَي العدالة والمساواة، وأيهما يحقّق ما تصبو إليه من تطلعات أولئك المنتمين إلى التجمعات المهمّشة والفئات الأقل حظّاً مثل النساء والأقليات الدينية والعرقية.

لطالما كان مطلب العدالة واحداً من أهم القضايا التي من أجلها تناضل الشعوب وتنافح التيارات السياسية والآيديولوجية، وتخوض في سبيلها النقابات العمالية والمهنية والنسوية مسارات الإضراب والضغط على اختلافها وتنوعها.

وبالتوازي مع النشاط الشعبي والاجتماعي المطالب بالعدالة، يبرز نقاش عريض بين التيارات الفكرية والمدارس السياسية حول مفهوم العدالة وتعريفاتها وتوصيفاتها، إلى جانب ما يمكننا أن نسمّيه بمعركة المفاضلة ما بين مفهومَي العدالة والمساواة، وأيهما يحقّق ما تصبو إليه التجمعات المهمّشة والفئات الأقل حظّاً من تطلعات، مثل النساء والأقليات الدينية والعرقية.

العدالة وفق المفهوم الإسلامي

وقد قدمت الفلسفة الإسلامية مفهوماً واضح المعالم حول الفئات الأقل حظاًَ في المجتمع مثل النساء، وقد أعلى النظام الإسلامي من قيمة العدالة، لكنه لم يَعِد النساء بالمساواة الكاملة مع الرجال، بل وقع التمييز ما بين الذكر والأنثى في أكثر من موضع من قبيل: المواريث في قاعدة "للذكر مثل حظ الأنثيين"، والقوامة التي أعطاها للرجل في العلاقة الزوجية، والفروض الشرعية حين خصص للمرأة عبادات إضافية كالحجاب وأعفاها من متطلبات أخرى كصلاة الجماعة، كما سمح للرجل بتعدُّد الزوجات وحرّم ذلك على المرأة، وسُمح له بالزواج بغير المسلمة (الكتابية) وحرّم ذلك على المرأة أيضاً.

وقد أثارت الفلسفة الإسلامية في تعاملها مع المرأة من ناحية الأحكام الشرعية، بالإضافة إلى التراث المتمثل بجملة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الصحابة، الكثير من الجدل داخل المنظومة الإسلامية التي تضم علماء وفقهاء ورجال دين، وخارجها مما تداوله المفكرون والكتاب والفلاسفة، وتضمنت الكثير من التعليقات اتهامات للنظام الإسلامي بالرجعية والتمييز ضد المرأة لحرمانه إياها من المساواة التامة.

والحقيقة أن النظام الإسلامي الذي يزيد عمره على 14 قرناً ليس الفلسفة الوحيدة التي ترى حقوق المرأة من منظور العدالة لا المساواة، فهناك العديد من الفلسفات المعاصرة التي نشأت وتطورت في الغرب تُنادي بنفس هذا المبدأ، بل ويعتبر بعضها أن المساواة التامة تنطوي على ظلم وتمييز ضد المرأة.

لا أهدف في هذا المقال إلى تفكيك الأحكام الشرعية ومقولات التراث الإسلامي التي وضعت المرأة في مكانة مختلفة عن الرجل، فهذا عمل الفقهاء ورجال الدين.

إنما أسعى لتسليط الضوء على كون مفهوم العدالة للمرأة الذي لا يعني بالضرورة المساواة التامة، ليس وصفة حصرية ينادي بها الإسلام وحده، بل إن قطاعات وازنة في الحركة النسوية (Feminism) في الغرب تنادي بالشيء ذاته.

نسوية مع العدالة لا المساواة

فعلى سبيل المثال، تسلط أستاذة العلوم السياسية الأمريكية إريس ماريون يونجغ (Iris Marion Young) الضوء على ما تسمّيه الإجحاف الذي تتعرض له المرأة باسم الليبرالية والمساواة الحرفية مع الرجال، وقد كتبت يونغ كثيراً عن أهمية أن تحظى المرأة بالمساواة في الفرص لا المساواة الحرفية مع الرجال لضمان تحقيق العدالة وصيانة حقوقها.

يرى تيار يونغ أن العدالة تتحقق بالاعتراف أولاً بالاختلافات والتباينات بين المجموعات المختلفة في المجتمع (سواء بين الرجال والنساء، أو الاختلافات بين الأعراق والأديان، أو الاختلافات بين الشباب وكبار السن، إلخ)، ويتبع ذلك الاعتراف احترام “الحاجات الخاصة” بكل مجموعة، وأنه بدون توفير الدولة والمجتمع هذه الحاجات فلن تتحقق العدالة لأي من القطاعات.

ترفض يونغ وتيارات وازنة في الحركة النسوية فكرة أن تحظى المرأة بنفس شروط العمل التي يحصل عليها الرجال، لأن حاجتها -مثلاً- إلى إجازة أمومة طويلة ومدفوعة الراتب لا يمكن التفاوض عليها، وهو ما لا تقدّمه جميع شركات القطاع الخاص في الولايات المتحدة.

وكذلك الحال في ما يتعلق بضرورة توفير مرافق رعاية الأطفال في أماكن العمل والدراسة وإجازات ساعية للأمهات العاملات من أجل الرضاعة الطبيعية، ومن دون الاعتراف بهذه “الحاجات الخاصة” وتوفيرها لن نستطيع القول إن المرأة تحظى بتكافؤ فرص مع الرجال.

ولعل هذا النقاش يُحِيلنا إلى مفهوم رديف للمساواة (Equality) هو مفهوم (Equity) أو ما يمكن أن نترجمه بالإنصاف، وهو يشبه كثيراً فكرة المساواة في الفرص، إذ تُمنح فيه المرأة -كمثال- الفرصة بأن تُهيَّأ لها الظروف الميسَّرة للعمل والدراسة أسوة بالرجل، بحيث لا تكدرها “حاجاتها الخاصة” أو تكبّل قدرتها على التمكين الاجتماعي أو الوظيفي، وهو ما يُشير إليه المنظرون الاجتماعيون بفكرة التمييز الإيجابي (Positive Discrimination) الذي يكون في صالح الفئات الأقل حظاً، بغرض تعويضهم عن أية مظالم سابقة أو سد أي احتياجات خاصة بهم.

الفلسفة الغربية ومسألة العدالة

وقد تأرجحت الفلسفة الغربية بين ثلاثة مفاهيم وتعريفات رئيسية للعدالة، أولها هو العدالة المنبثقة عن المساواة الرسمية وهي ما تنظّر له المدرسة الليبرالية التقليدية والتي تعني المساواة الحرفية بين جميع المواطنين بصرف النظر عن الجنس والعرق والدين.

وثانيها هو المساواة في الفرص التي تؤمن بها الديمقراطية الاجتماعية، وتُنادي بتهيئة الظروف لجميع المواطنين من أجل أن يبدؤوا مشوار حياتهم من نقطة مشتركة، تماماً كما تُشترط فكرة نقطة البداية الموحّدة في سباقات الركض لتحديد الفائز دون تمييز.

وآخرها المساواة بالمكتسبات، وهو مفهوم ماركسي بامتياز يدعو إلى تقاسم المكتسبات بالتساوي بين جميع المواطنين بصرف النظر عن خلفياتهم وميزاتهم وجهودهم، تماماً كفكرة عدم النظر إلى نقطة البداية في سباقات الركض، بل إلى نقطة النهاية حيث يجب أن يصل جميع المتسابقين في نفس اللحظة -بغض النظر عن سرعتهم- حتى تتحقق العدالة!

ومن الواضح هنا أننا إن حاولنا نظم حقوق المرأة والأقليات ضمن واحد من مفاهيم العدالة التي استعرضناها، فإننا نحصل في كل مرة على وصفة مختلفة من الحقوق والواجبات.

فعلى سبيل المثال، إن طالبت المرأة بالمساواة الحرفية مع الرجال فإنها ستواجه مشكلات تتعلق بالتوفيق ما بين حياتها المهنية ووظائفها الاجتماعية والفسيولوجية، وقد تجد نفسها فريسة للرأسمالية والنيوليبرالية الاقتصادية التي تمارس التمييز ضد السيدات العاملات في تفاصيل العطل الساعية والإجازات السنوية ومرافق الأمومة ورعاية الأطفال في أماكن الدراسة والعمل، وهو نضال كبير تقوده المرأة في الولايات المتحدة منذ سنوات ولم تستطع حتى الآن تسويته بما يليق بتمكينها في جميع أماكن العمل والدراسة.

ونجد هنا أن الفلسفة الإسلامية قد أعطت اهتماماً خاصّاً لفكرة الإنصاف والعدالة في معرض الحديث عن حقوق المرأة، أكثر من فكرة المساواة (الحرفية)، وتحدث المفكرون المسلمون عن تفاوت في الطبائع والاحتياجات والأدوار المفترضة بين الجنسين.

وبينما قد ينظر الكثيرون إلى هذه المقاربة على أنها مقاربة رجعية عمرها يزيد على 1400 عام، أو لأنها لا تقدم معاملة مساوية بالمطلق بين الرجل والمرأة، فإنه من المهم التنويه بأن العديد من الفلسفات الغربية الحديثة أعلت من شأن الإنصاف كمعيار أساس للعدالة، بل واعتبر العديد من التيارات النسوية الغربية أن المساواة الحرفية ضرب من ضروب التمييز ضد المرأة لا سيما في سوق العمل.

بالتأكيد هذه ليست دعوة لمهاجمة فكرة المساواة أو تبرير التنميط أو التمييز الاجتماعي ضد المرأة تحت شعار “الإنصاف لا المساواة”، لكنها دعوة لتفكيك المفاهيم النظرية وإعادة التفكير فيها دون أحكام مسبقة مغرقة في الحدّة.

فلا الحديث عن وجود احتياجات وحقوق خاصة للمرأة منظور رجعي أو بدعة اخترعها الإسلام، ولا كل المدارس النسوية الغربية تطرّفت في مطالباتها بمساواة المرأة مع الرجل ومناكفاتها مع الجنس الآخر.

بل إن كثيراً من النسويات الغربيات هاجمن المساواة الحرفية وطالبن بأن تتم مراعاة الاحتياجات الخاصة بالمرأة عند المطالبة بحقوقها، بحيث تصبح المساواة بين الرجال والنساء ليست شعاراً لتصفية الحسابات بين الجنسين، بل مجرد وسيلة تسخّرها الدول والمجتمعات من أجل وضع النساء على خط البداية ذاته في سباق الحياة مع نظرائهن من الرجال، ثم تكون معايير الذكاء والاجتهاد والتفوق الكلمة الفصل لمن يصل أولاً إلى خط النهاية!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي