رحل المفكر والدبلوماسي المعروف ويلفريد هوفمان والشهير بالحاج مراد صاحب كتاب "الإسلام بديلاً" في وقت تتصاعد فيه النزعات القومية والعنصرية في أوروبا والتي تتخذ من الإسلاموفوبيا مادة في نشر خطاب الكراهية ضد الآخر.

كان عنواناً لتقاطعات عدّة يصعُب توقّعها في شخص واحد. عمل دبلوماسياً لبلاده في بلدان عدّة، وكان رجل دولة مختصاً بالقانون، وشارك في مفاوضات الحدّ من التسلّح خلال الحرب الباردة، واشتغل بالفكر والفلسفة، وعبّر عن اهتمامات أخرى منها الاشتغال النقدي في رقص الباليه، واختار الإفصاح الجريء عن أفكاره التي اختمرت في ذهنه بعد نظر وتمحيص ومعايشة.

إنه الألماني ويلفريد هوفمان، أو "الحاج مراد" بالأحرى كما كان يحبّ أن يُسمّى منذ اعتناقه الإسلام وأدائه فريضة الحج. لم يرحل مراد هوفمان بإغماض عينيه في الثاني عشر من يناير/كانون الثاني 2020، فأعماله منشورة وأفكاره مسطورة وستبقى متاحة بين أيدي الجمهور في ألمانيا وخارجها من بعده. إن ذوى جسد الدبلوماسي فإنّ روح المفكِّر تبقى حيّة متحركة بين الأجيال؛ وإن أعرض مجتمعه عنه ردحاً من الزمن.

انصرفت الأضواء عن مراد هوفمان في السنوات التي سبقت وفاته، فرجل الدبلوماسية والحكمة المولود بين الحربيْن العالميتين، في أشافنبورغ الألمانية عام 1931، لم يكن ملائماً لمنصّات الجدل الإعلامي والثقافي والسياسي المشبّع بالهواجس الثقافية ونزعات التأجيج في ألمانيا وأوروبا.

انحسرت كتبه الوفيرة عن واجهات العرض وأركان الترويج المتقدِّم، لتحلّ محلّها، في المنطقة الناطقة بالألمانية، عناوين ملائمة لإثارة الشكوك وإذكاء الضغائن وتغذية الإسلاموفوبيا التي لم تبرأ منها منابر ثقافية وأروقة أكاديمية.

 إنه زمن محترفي الشحن والتعبئة وإشعال الحرائق الثقافية، الذين يحظون بفرص الإبراز الجماهيري في الشاشات والشبكات عبر أوروبا، ولم يكن "الحاج مراد" من بينهم بطبيعة الحال.

خَفَت حضور مراد هوفمان في ألمانيا وأوروبا مع السطوة الصاعدة لحركات التسخين الجماهيري المنغلقة دون العالم والمعادية للإسلام والمسلمين، مثل "بغيدا" ذات الجذور الفاشية و"جيل الهوية" التي ظهر اسمها في أوروبا بعد مجزرة كرايستشيرس في نيوزيلندا، علاوة على أحزاب اليمين العنصري والمحافظ التي تتبنّى سرديّات التحجّر الثقافي المُغلّفة بمقولات القيم والهوية؛ مثل حزب "البديل" الصاعد بقوّة في ألمانيا والحزب المسيحي الاجتماعي الذي يتسيّد معقله في بافاريا وعناوين سياسية أخرى.

تواطأت مع هذا الجنوح متلازمات ومحفِّزات ظاهرة فوق السطح المجتمعي والسياسي وكامنة تحته، ومن ذلك أدوار متذاكية تضطلع بها نخبة التأجيج التي ترتدي بعض وجوهها نظّارات الحكمة لكنّ أنظارها منصرفة إلى وجهة معاكسة تماماً.

من فرسان الانغلاق هؤلاء، برز تيلو سارازين مثلاً، وهو أحد وجوه الحياة الإدارية والاقتصادية والسياسية الألمانية، الذي خرج على الجمهور بنبوءة مُرعبة خصّص لها كتاباً بعنوان صادم هو "ألمانيا تُلغي ذاتها". صدر كتاب سارازين هذا سنة 2010، ليقول للألمان إنّ اللعبة انتهت لأنّ المسلمين صاروا هنا ونحن نواصل التلاعب ببلدنا دون أن نعبأ بالعواقب، أو هكذا تقريباً ببساطة.

حظي الكتاب برواج مذهل للغاية فصار في شهور معدودة من أكثر الكتب مبيعاً في البلاد منذ تأسيس الجمهورية الاتحادية، مصحوباً بكثير من التغطيات الإعلامية الموسّعة والمقالات والكتب التي تناسخت على منواله. يقوم الكتاب على حبكة مألوفة تُظهِر القنوط من الواقع وتضخِّم الخوف من المآلات؛ بما يستنفر النخب والجمهور لاستمراء أي تراجعات قيمية مقترحة والتهاون مع التدهور المبدئي الذي "لا غنى عنه"؛ بدعوى إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

اشتغلت سطوة الخوف والهواجس هذه حتى قبل تدفُّق أفواج من اللاجئين المسلمين على الجمهورية الاتحادية في العشرية الثانية من القرن الحالي، وقبل وقوع اعتداءات دامية، ووقائع دهس في الطرقات منسوبة إلى معتدين مسلمين، بما رافق ذلك من هواجس متراكمة وتأويلات مُغالية.

لم يحتمل موسم تيلو سارازين ومَن لفّ لفّه إنصاتاً لأصوات الحكمة والاعتدال الخافتة بطبيعتها، فهو زمن قرع النواقيس وإعلان المخاوف الوجودية؛ الذي يستدرج ثقافة الشكّ التعميمي والتضييق المنهجي والحظر القانوني بحق مكوِّنات مجتمعية من المسلمين أو غيرهم، فتُشهَر الهراوات الأخلاقية في وجهها، وتُخاض مطاردات ثقافية بحقِّها تحت عناوين وذرائع شتى عبر المحطات الزمنية المتعاقبة.

لإحكام مشهد الانغلاق وسرديّاته التبريرية؛ دأبت المنصّات الإعلامية الألمانية على إبراز فئة من المتحيِّزين أطلقت عليهم "خبراء الإسلام"، وصار بعضهم فجأة "خبراء الإرهاب والتطرّف". إنهم تحديداً من يُثيرون انزعاج العلماء والباحثين الألمان في الإسلاميّات الذين لا يُلتفَت إليهم عادة في نقاشات التأجيج المرئي أو مرافعات التسخين المنشورة.

كان هذا ما دفع حشداً من أساتذة الجامعات الألمان المختصين بالإسلام إلى تحرير عريضة ناقدة بعد اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول 2001 حذّروا فيها من الإسفاف الحاصل في وسائل الإعلام التي تستضيف أولئك الخبراء المزعومين وما يقدِّمونه من سرديّات ساذجة، وتفسيرات ملفّقة للجمهور بشأن الإسلام وعالم المسلمين.

لكنّ شكوى العلماء والمختصين العاكفين على البحث والدرس تبدّدت كصيْحة في واد ونفخة في رماد، فالطقوس الإعلامية المعهودة تواصلت وتفاقمت في العشريتين اللاحقتين، بينما تراجعت حظوظ الأصوات المعتدلة والنداءات المنفتحة؛ مثل مراد هوفمان وغيره.

يبدو أنّ ألمانيا، مثل بيئات أوروبية أخرى، فوّتت فرصة الإنصات الوقور إلى نداءات الانفتاح الثقافي على الإسلام والعالم؛ التي تبنّتها نخبة من المفكرين والفلاسفة والأكاديميين، ومن هؤلاء كان هوفمان ذاته الذي نبّه عبر عقود ثلاثة سبقت وفاته إلى إرث الانفتاح والتواصل بين أوروبا والإسلام الذي يخالف السردية الأحادية للتاريخ التي تقوم على تصوّرات القطيعة والانفصام، ولا ترى ممّا مضى سوى الصراع والمواجهة.

أشار هوفمان إلى مخزونات الإسلام الكامنة التي تجعله خياراً ناجعاً لأوروبا في مواجهة أسئلة عالقة وتقدِّمه بديلاً مقتدراً للعالم في التعامل مع معضلات وأزمات، وأكّد بعين الخبير ونظرة المفكِّر وتجربة الجوّال عبر الأقاليم والثقافات، أنّ هذا الدين مؤهّل حقاَ للاضطلاع بأدوار بنّاءة في الألفية الثالثة.

لكنّ صدور كتابه الذي حمل عنوان "الإسلام بديلاً" – مترجم إلى العربية بعنوان "الإسلام كبديل" – عام 1992 كان كافياً من غلافه وحسب لإثارة الحنق والصدّ في بيئته الألمانية دون أن يحظى بقراءة مُنصِفة أو مُدارسة هادئة. تبيّن وقتها أنّ سوق الأفكار منغلق تقريباً على ذاته في بلاد غوته؛ رغم أنّ أديب الألمانية الأشهر برز رائداً في الانفتاح على الإسلام إلى حدّ التناصّ القرآني في شعره، كما تجلّى في "الديوان الشرقي الغربي".

انتقد مراد هوفمان انحسار ثقافة الانفتاح الألمانية على الإسلام والثقافة الإسلامية، التي تميّز بها أدباء وفلاسفة ألمان من قبل، وأبدى رجل الدولة المخضرم قلقه من منحى الانغلاق الثقافي الذي طرأ في العقود الأخيرة في هذا الصدد، واعتبر أنّ معرفة سياسيِّي بلاده بالإسلام سطحية وساذجة.

لم تظهر المشكلة مع مراد هوفمان وحده، فقد تجلّت بعض الأعراض عندما ثارت حملة هوجاء في وسائل الإعلام الألمانية، سنة 1995، لدى الإعلان عن وجهة "جائزة السلام" التي يمنحها الناشرون الألمان سنوياً على هامش معرض فرانكفورت الدولي للكتاب. اختيرت المستشرقة المرموقة أنّا ماري شيمل لأرفع جائزة من نوعها في الجمهورية الاتحادية، فتشنّجت المنصّات الإعلامية وصحف الرصيف الملوّنة، بما أظهر مدى العلوّ الذي بلغه حائط الصدّ الثقافي؛ حتى قبل سنوات من ظهور القاعدة و"داعش" ووصول أفواج اللاجئين من سوريا وأفغانستان.

هل تبدّدت فرص الانفتاح الثقافي الألماني والأوروبي على الإسلام التي نادى بأهميتها هوفمان وآخرون؟ ما هو مؤكّد أنّ "الحاج مراد" رحل بهدوء في بون بعيداً عن الأضواء دون أن يخسر الجولة بالكامل؛ فأفكاره لم تحظَ بفرصة مناقشة هادئة بعد، ولا يبدو أنّ رسالة الانفتاح التي انطوت عليها قد استُلهِمت بعد، فهي تبقى في رصيد الأجيال المقبلة.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي