يبدو الدور البريطاني ملتبساً فيما يتعلّق بتطور الأحداث في الحديدة، فهي تسعى للحفاظ على حالة اللاسلم واللاحرب في المنطقة كوسيلة للحيلولة دون انهيار تفاهمات ستوكهولم.

شيئا فشيئاً تزداد التعقيدات الميدانية التي تقف أمام تنفيذ سلس لتفاهمات ستوكهولم بشأن التهدئة في الحديدة وموانئها الثلاث، ومعها يزداد قلق المجتمع الدّولي من إمكانية عودة المعارك الشاملة في الحديدة، خصوصاً أن وقف إطلاق النار بقي صورياً منذ دخوله حيز التنفيذ في الثامن عشر من شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي.

لقد وضع الحوثيون ما يكفي من العراقيل أمام رئيس فريق المراقبين الدوليين الجنرال الهولندي المتقاعد باتريك كاميرت، الذي اتهمه الحوثيون بأنه ينفّذ أجندة مشبوهة، ثمَّ ما لبث هذا التصعيد أن تحوّل إلى استهداف لهذا المسؤول الأممي رفيع المستوى، بإطلاق الرّصاص على موكبه على الرّغم من أن الأمم المتحدة تجنبت تحديد مصدر إطلاق النار.

لا يريد الحوثيون الانسحاب من الحديدة تأسيساً على تفاهمات ستوكهولم بعد أن فشلوا في تمرير تصوّرهم الخاص بشأن طبيعة "السّلطة المحلية".

ياسين التميمي

لا يريد الحوثيون الانسحاب من الحديدة، تأسيساً على تفاهمات ستوكهولم، بعد أن فشلوا في تمرير تصوّرهم الخاص بشأن طبيعة "السّلطة المحلية" التي ستدير الحديدة وموانئها إلى جانب الأمم المتحدة، وبعد أن أظهرت السلطة الشرعية تشدداً حيال هذا الأمر بتأكيدها أن السلطة المحلية ينبغي أن تكون تابعةً للحكومة الشرعية وليس لأي طرف آخر.

يأتي ذلك في ظلّ عجز الأمم المتحدة عن فرض تفسيرها الخاص للبنود الغامضة في تفاهمات ستوكهولم بهذا الخصوص، رغم تأكيدات الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو جوتيريش بأن المنظمة الدولية عازمة على تنفيذ التفاهمات والحيلولة دون فشلها. 

تتصدر بريطانيا واجهة المجتمع الدولي على صعيد الاهتمام بإنجاح اتفاق ستوكهولم بشأن الحديدة، بعد أن تراجع الدور الأمريكي على ضوء عدم الاكتراث الذي يظهره الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإدارته حيال الحرب في اليمن على النقيض من الاهتمام الذي أولته الإدارة السابقة بهذه الحرب.

وتمسك لندن بالملف اليمني في الأمم المتحدة، فهي التي تقترح مشاريع القرارات والبيانات، وهي التي تحرك المجتمع الدولي ليبقى منتبهاً لما يجري هناك.

تبدو بريطانيا أكثر قلقاً من إمكانية سقوط مهمة المبعوث الدولي إلى اليمن البريطاني مارتن غريفيث وهذا الأمر يمكنه أن يحدث إذا ما انتهت تفاهمات ستوكهولم إلى الفشل.

ياسين التميمي

لكنّ هذا الدور يكتنفه بعض الغموض؛ فبريطانيا متهمةٌ بأنها تدعم الحرب السعودية في اليمن عبر الاستمرار في تنفيذ صفقات تسلُّح مربحة مع السعودية، وفي الآن ذاته، تستمر المنظمات البريطانية والصحافة في جلد الدور السعودي في اليمن، وتصميم رواية تزداد تأثيراً في الرأي العالمي، وهي أن التحالف الذي يقاتل إلى جانب السلطة الشرعية هو المسؤول عن مقتل آلاف المدنيين وعن الحصار الذي يتعرض له اليمنيون، على نحوٍ يُخفي الجزء الأهم من قصّة الحرب في اليمن والمتّصل بحرب الحوثيين الشاملة على اليمنيين والتي تجري بدون أيِّ سقف أخلاقي.

فهذه الحرب تأتي في إطار مسعى من الحوثيين المدعومين من إيران لإعادة إحياء الإمامة الزيدية، وهي نوعٌ من الدكتاتوريات الدينية التي تعتمد نظريات في الحكم، تقوم على مبدأ الاصطفاء والتفويض الإلهي، وتستهين بالديمقراطية وبالإرادة الشعبية.

لكنَّ الانحراف الخطير للتحالف كشف عن البعد العبثي في هذه الحرب، التي باتت تفتقد أكثر فأكثر لأهداف واضحة ومحددة، خصوصاً من جانب التحالف الذي يبدو أنه لم يعد يكترث حتى بإعادة الرئيس هادي إلى عدن وليس إلى صنعاء.

وهذا الانحراف هو الذي عمَّقَ من مأزق تحالف الرياض-ابوظبي وأبقاه مكشوفاً، رغم التفاهمات المحكومة بالمصالح بعيدة المدى مع الغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا.

تبدو بريطانيا أكثر قلقاً من إمكانية سقوط مهمة المبعوث الدولي إلى اليمن البريطاني مارتن غريفيث، وهذا الأمر يمكنه أن يحدث إذا ما انتهت تفاهمات ستوكهولم إلى الفشل.

لقد عملت بريطانيا ما بوسعها لحماية الحوثيين من الهزيمة في الحديدة، وسعت لتصميم حلٍّ يُبقي الجميع في الحديدة دونما حاجة إلى الحسم العسكري، لكن هذه الصيغة تُلحق الضرر البالغ بأهداف التحالف وتقرِّبه من الهزيمة العسكرية، بغضّ النّظر عن الخاسر الأكبر، وهو معسكر الشرعية الذي يتطلّع إلى استعادة الدولة اليمنية من براثن الانقلاب.

فالدبلوماسية البريطانية، وفي ظل تفاعل من القوى الكبرى، عملت بحماس شديد في الحيلولة دون دخول القوات الحكومية المدعومة من التحالف إلى الحديدة واستعادتها بالقوة العسكرية، وأثارت المخاوف من إمكانية ضرب الجهود الدولية للتخفيف من المأساة الإنسانية الناجمة عن الحرب، بالنّظر إلى الدور المحوري لميناء الحديدة في العمليات الإغاثية والإنسانية. 

عملت بريطانيا ما بوسعها لحماية الحوثيين من الهزيمة في الحديدة وسعت لتصميم حلٍّ يُبقي الجميع في الحديدة دونما حاجة إلى الحسم العسكري.

ياسين التميمي

واستناداً إلى الضغط الهائل، الذي تلقّته إدارة الرئيس ترمب من الكونجرس على خلفية الحرب السعودية في اليمن، أمكن لبريطانيا الحصول على ضغط دولي من العيار الثقيل، والذي مارسه وزير الدّفاع الأمريكي المُقال جيمس ماتيس، ما دفع طرفي الحرب للذهاب إلى ستوكهولم وإنجاز التفاهمات التي شكّلت مصدر فخرٍ للمبعوث البريطاني بعد مرور نحو عام بدون أن ينجح في جمع الأطراف، وفي تحقيق أيّ تقدّم في الحلّ السلمي للحرب في اليمن.

يبدو اليوم أن بريطانيا تدفع باتجاه بقاء الحديدة على هذه الحال من اللاسلم واللاحرب، وهي صيغة لا تخدم السّلام في اليمن، ومع ذلك، ها هي تستنجد بالرباعية الدولية بشأن اليمن وهي لجنة تأسست فيمايو/أيار 2016 بهدف إبقاء ملف الحرب محصوراً على اللاعبين الأساسيين الأربعة: أمريكا وبريطانيا والسعودية والإمارات.

تسعى بريطانيا إلى أن تمارس هذه اللجنة، التي ستعقد اجتماعاً في لندن الشهر المقبل، ضغوطاً باتجاه حماية اتفاق الحديدة من الفشل؛ إذ لا طريق مناسبة سوى محاولة الحصول على تنازلات يمكن للتّحالف فقط أن يقدّمها، لأنه يخضع أكثر من الحوثيين لقواعد اللعبة الدّولية. 

لقد مثّلت اللجنة الرباعية أحد تجليات التغطية الغربية للحرب السعودية الإماراتية المفتوحة في اليمن، ومع ذلك لطالما شكّلت هذه اللجنة بؤرة لتمرير صيغ للحلّ لم تكن مقبولة من جانب الرياض، ما اضطرها إلى تحريض السلطة الشرعية على رفض صيغ الحل، خصوصاً تلك التي فرضها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري وأعلن عنها في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 من أبوظبي.

وقد عرفت تلك الصيغة حينها، باسم مبادرة جون كيري، وهي المبادرة التي اقترحت أن تنتقل السلطة إلى حكومة يهيمن عليه الحوثيون وشريكهم في الحرب حزب المؤتمر الشعبي العام برئاسة الرئيس السابق علي عبد الله صالح، الذي اغتاله الحوثيون فيما بعد، إثر حرب خاطفة اندلعت في صنعاء وانتهت في الرابع من شهر ديسمبر/كانون الأول 2017.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي