حينما يكون سياق ما ملتهباً، فمن الوارد أن تندلع شرارة ما. ولكن حينما يحكمه منطق توازن الرعب، فإن الشرر يُحتوَى لتجنب المواجهة المباشرة.

خلال الحرب الباردة، كانت تلتهب شرارات، في أرجاء عدة من العالم، يتم التحكم فيها حتى لا تتحول إلى حريق تجنباً للمواجهة المباشرة، أو تحويل التوتر إلى صراعات بديلة ذات توتر منخفض أو متوسط.

لا نستطيع طبعاً أن نجري مطابقة كلية ما بين سياق الحرب الباردة وسياق الخليج، أو الموازنة ما بين الولايات المتحدة وإيران. لكن توزان الرعب، على محدوديته، هو ما يجعل إمكانية التصعيد غير واردة ما بين الولايات المتحدة وإيران بعد مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، ونائب الحشد الشعبي العراقي المهدي المهندس. التطورات الحالية تؤكد خيار التهدئة.

منذ مقتل سليماني تحركت الدبلوماسية الأمريكية، عبر وسطاء وحلفاء لتجنب المجابهة، أو على الأقل التفاوض في شأن عملية انتقامية مقبولة في حجم ما اقترفته أمريكا. تضاربت تصريحات الرئيس الأمريكي، مما يفيد الارتباك من تهديد قصف المآثر التاريخية الإيرانية، وتغريم العراق إن تمسك بإغلاق القواعد العسكرية الأمريكية، ثم التراجع عن تلك التصريحات.

العقيدة العسكرية لترمب هي تجنُّب المواجهة العسكرية. يعتبر ترمب أن أمريكا أنفقت أموالاً طائلة في المنطقة من أجل لا شيء. لم تفلح الولايات المتحدة في "دمقرطة" العراق الذي أرادته بوابة لتغيير المنطقة، وكان تدخلها عبارة عن تدخُّل طبيب جرّاح أهوج، حسب تعبير رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك فيليبيان. تدخل أمريكا في العراق لم يأتِ بـ"علاج"، وأجج التوتر بداخل العراق، وكان من نتائجه قيام تنظيم داعش الإرهابي، وهو أمر لا تتحرج الإدارة الأمريكية الحالية من الإقرار به.

تدرك الولايات المتحدة قدرة إيران على الإيذاء، مما يرسي توزان الرعب بين البلدين. طبعاً لا قياس مع توازن الرعب إبان وجود الاتحاد السوفيتي، ولكن إيران، من خلال ترسانتها من الصواريخ، يمكن أن تصيب أهدافاً أمريكية في القواعد العسكرية بالمنطقة أو البوارج الحربية أو تعطيل الملاحة البحرية في الخليج، بمضيق هرمز أو بحر عُمان، مثلما يمكن أن تضرب حلفاء الولايات المتحدة بهدف توسيع دائرة الحرب، مثل الإمارات، والسعودية وإسرائيل.

حلفاء الولايات المتحدة، عدا إسرائيل ليسوا متحمسين للمواجهة العسكرية التي ستجري في ساحتهم. ورغم أن السعودية لم تعبر عن موقف عقب مقتل قاسم سليماني، فقد تستشعر نوعاً من الثأر الضمني لضربة أرامكو، مما يجعلها في السياق الجديد أقرب إلى لغة التسوية، منها إلى المواجهة. لكنها في الوقت ذاته استخلصت العبرة من حدود تدخل الولايات المتحدة جراء ضربة أرامكو. فلا يمكنها أن تعول على الولايات المتحدة في الرد على ما قد تتعرض له من تهديد.

يظل للولايات المتحدة الامتياز العسكري على إيران. لكن الحرب الحديثة ليست عسكرية فقط. لا تحسم القوة العسكرية مآل المواجهة. لا تعدم إيران إمكانية الإيلام، وهو ما تدركه الإدارة الأمريكية.

من جانب إيران ليس من مصلحتها المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة. وهو ما بدا جليّاً من تصريح وزير خارجية إيران جواد ظريف بعد إطلاق صواريخ على قاعدة عين الأسد، بمحافظة الرمادي، وقاعدة الحرير بأربيل.

استطاعت إيران من خلال القصف الاستعراضي أن تغسل ماء الوجه، أو أن تطلق بارود الشرف. مصلحتها أن تستثمر في الدبلوماسية. ستكسب إيران من خلال تسويق فعل مقتل قاسم سليماني باعتباره منافياً للقانون الدولي، والأعراف الدولية، مما يسبغ عليها المظلومية، ويتيح إمكانية التفاوض.

فقد أدانت العملية كل من الصين وروسيا، وهو ما يشكل مكسباً لإيران؛ حيث يمكنها أن تنتهز الفرصة التي قدمتها فرنسا، من أجل إعادة التفاوض بشأن البرنامج النووي، ورفع العقوبات وعلى مستوى إقليمي، يعتبر قرار البرلمان العراقي بالمطالبة بخروج القوات الأمريكية من العراق، انتصاراً جزئياً لإيران. أما على المستوى الداخلي، فمن غير الوارد استمرار التوتر الناجم عن المظاهرات ضد غلاء المعيشة، وارتفاع أسعار المحروقات.

أي احتجاج في السياق الحالي، لن يكتسي طابعاً اجتماعياً، بل خيانة، والحال أن إيران كانت تعتبر الاحتجاجات محركَّة من قِبل الولايات المتحدة. التطورات الأخيرة ستدفع إلى تمتين الصف الداخلي، وإضعاف المعارضة الداخلية.

التهدئة من الطرفين، وهو الاتجاه الواقعي، لا يعني انتهاء العداء. ستستمر الحرب بوسائل أخرى مع ترقب كل طرف للآخر.

من المستبعد أن تتخلى الإدارة الأمريكية الحالية عن العقوبات، أو تجنح للمفاوضات مع إيران في الأمد القريب. ستُبقي العقوبات ورقة ضغط، ترقب خلالها تطور إيران ومدى تغيير تعاملها. أما من جانب إيران، فإن جنوحها للدبلوماسية، لا يعني تحلل أذرعها في المنطقة من الثأر وتهديد المصالح الأمريكية، كما بدا من تصريح حسن نصر الله، قائد حزب الله اللبناني، وإن كان وضّح أن المدنيين لن يكونوا أهدافاً، حتى لا يقرن عمل التنظيم بالإرهاب.

إن أهم عنصر ستستثمره إيران هو الزمن. ما يطبع الذهنية الإيرانية هو ما يسميه روبرت فيسك، بصبر صنّاعي السجاد الذين ليسوا في عجلة من أمرهم. ستتحين إيران فرصة أي تعثر أمريكي في المنطقة، من أجل التركيز على ما يدخل ضمن عقيدتها وهو انسحاب الولايات المتحدة من منطقة الخليج.

هل هي بداية نهاية دور الولايات المتحدة في الخليج أو تقلص دورها ؟ المرجح أن دور الولايات المتحدة سيتقلص لاعتبارات جيواستراتيجية، ومالية. الحلفاء التقليديون بالمنطقة، دول مجلس التعاون الخليجي، فضلاً عن العراق سيغيرون نظرتهم حيال الولايات المتحدة. الأول للتكلفة المالية من أجل ضمان حمايتهم، والثاني لاستخفافها بسيادته.

عيش المنطقة مرحلة مفصلية، بعد اغتيال قاسم سليماني تذكر في التاريخ الحديث، بالعدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، إيذاناً بنهاية دور كلٍّ من بريطانيا وفرنسا في الشرق الأوسط.

لن ينتهي دور الولايات المتحدة في الخليج، ولكنه سيتقلص حتماً، وستدخل المنطقة مرحلة جديدة بقواعد جديدة سيكون عنوانها الواقعية، أو ما يسمى في أدبيات العلاقات الدولية من مصطلح ألماني بـRealpolitik.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي