طائرة من غير طيار التركية من طراز Bayraktar AKINCI  (Serhat Cagdas/AA)

في ذلك الوقت احتكرت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل تقنية تصنيع واستخدام الطائرات المسيَّرة حول العالم، قبل أن تتمكن الصين ودول شرق أوسطية من تحقيق قفزات نوعية في تصنيع وتصدير هذه التقنية القتالية بطريقة تهدد الاحتكار الغربي، بل تتفوق عليه في كثير من الميّزات.

بعد عشرين عاماً من أول ظهور للمسيّرات القتالية كمنتج غربي، رشيق وذكي، وقادر على تنفيذ مهمات قتالية محدودة ونوعية، رخيصة التكاليف المادية والبشرية، وقادر على الانخراط بقوة في الحروب البعيدة أو تلك التي تُخاض بالوكالة (Proxy Wars) انتقل ثقل تطوير واستخدام هذه التقنية إلى الشرق بدخول الصين القوي على خط التصنيع والتصدير بعد توفيرها خيارات اقتصادية أكثر، أعقب ذلك تحول منطقة الشرق الأوسط إلى ساحة حيوية للمسيّرات القتالية فيها ثلاث قوى إقليمية تمتلك تقنيات التصنيع، وعشر دول على الأقل تستخدم المسيرات في مهماتها الدفاعية أو الهجومية، بالإضافة إلى العديد من كيانات "ما دون الدولة" تم منحها هذه التقنية عبر حلفاء ووسطاء إقليميين، مستفيدين من انخفاض تكلفة هذا السلاح، وسهولة تهريبه عبر الحدود من خلال عمليات التفكيك وإعادة التركيب.

وعلى مدار العقد الأول من الألفية، ظل الاحتلال الإسرائيلي الدولة الثانية في امتلاك تكنولوجيا تصنيع المسيرات القتالية بعد الولايات المتحدة، حيث استطاع منذ عام 2014 تصدير أول طائرة لتستحوذ تل أبيب في حينها على نحو 60% من السوق العالمي، وكان أبرز زبائنها هم الأوروبيين، بالإضافة إلى دول أمريكا اللاتينية والهند.

وامتازت المسيّرات الاسرائيلية بالدقة والقدرة على حمل صواريخ ذاتية، إضافة إلى دمجها تقنيات الذكاء الصناعي الذي يتيح تنفيذ هجمات صاروخية دون تلقي أوامر بشرية، وساعد اختبار هذا السلاح ضد الفلسطينيين، لا سيما في قطاع غزة، على توفير ساحة امتحان حقيقية لنجاعته ممَّا رفع من أسهمه لدى المستوردين، لكنه كما السلاح الأمريكي، بقي مرتفع الثمن، وتصديره محصور في جهات محدودة من الدائرة الضيقة لحلفاء تل أبيب وواشنطن الموثوقين.

على الرغم من العقوبات الدولية، استطاعت إيران في العقد الأخير تطوير قدراتها التصنيعية في مجال المسيّرات الذي أعلنت رسمياً عن دخوله عام 2012، ووفقاً لتقرير لوكالة الاستخبارات الأمريكية في 2019، فإن قطاع المسيرات كان أسرع قطاعات سلاح الجو الإيراني نمواً. ونظراً للعقوبات الدولية، وتراجع السمعة الإقليمية فقد واجهت طهران تحديات جسيمة في الترويج لمسيّراتها لدى المستوردين، ممَّا يكاد يحصر استفادتها من هذه التقنية إلى حدود استخدامها كأداة لتمددها الإقليمي عبر تزويد حلفائها بالمنطقة كالنظام السوري، وكيانات "ما دون الدولة" بهذا السلاح، كما فعلت مع جماعة أنصار الله (الحوثي) في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان.

وقد شهدت ساحات العراق وسوريا اختبارات واسعة النطاق للمسيّرات الايرانية في بيئة معادية تنتشر فيها مضادات الطيران الأمريكية والإسرائيلية، وينصب التركيز الإيراني اليوم على تطوير أنظمة التحليق والتحكم لتضليل هذه المضادات، الأمر الذي إن تمّ فإنه سوف يمهّد لبناء واقع أمني جديد في المنطقة.

أما تركيا التي صارت مؤخراً تنافس الصين على المرتبة الثالثة عالمياً في سوق المسيّرات القتالية، بعد الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن جملة من الدوافع حفّزتها لهذا الاقتحام القوي لمجال المسيّرات.

فتجربة حظر تصدير السلاح الذي نفذته واشنطن على خلفية الأزمة القبرصية ما زالت حاضرة لدى صانع القرار، بالإضافة إلى التلكؤ في صفقات دفاعية أخرى، كما ماطلت إسرائيل أيضاً طلباً تركياً عام 2006 للحصول على مسيّرات قتالية، أضف إليه التوجس التركي من اللجوء إلى الصين باعتبارها عضواً حيوياً في الناتو.

أما الدافع الآخر فيتعلق بالتحديات الأمنية التي تفرضها المجموعات الانفصالية مثل PKK "الإرهابي" التي هاجمت تركيا انطلاقاً من طبيعة جغرافية وعرة على حدودها منذ عقود، ممَّا زاد في أهمية اللجوء إلى سلاح الجو الرشيق وغير المكلف لكسر تحدي الجغرافيا.

وفي العقد الأخير، تنبّهت أنقرة إلى أهمية الصناعات النوعية بصفة عامة والدفاعية منها بشكل خاص، لا سيما أن عدد الدول التي تمتلك تقنيات المسيّرات القتالية لا يكاد يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وهي تقنية ذكية من حيث قيمتها السوقية العالية مقارنة مع تكلفة الإنتاج المنخفضة نسبياً، كما أنها عسكرياً توفر أداة قتالية ذات ميزات تتفوق على السلاح التقليدي من حيث انخفاض التكلفة السياسية والبشرية، والذكاء والدقة والقدرة على المناورة، وسهولة ربطها بتقنيات الذكاء الصناعي، ممَّا ينبّئ بازدياد الطلب عليها في المستقبل.

وبما أن منطق تجارة السلاح عماده هو القدرة على إثبات نفسه في ساحات قتال حقيقية، استفادت أنقرة خلال السنوات الخمس الأخيرة، من تقاطعاتها مع الملف السوري والليبي والأذربيجاني، في اختبار نجاعة مسيّراتها، عبر تسجيل نجاحات عسكرية لفتت نظر المهتمين من دول أوسطية وشرق أوروبية تسارع اليوم إلى اقتناء هذه الطائرات وتشغيلها، وقد مارست تركيا سياسة تصدير ذكية ونظيفة اقتصرت على الدول ذات السمعة الجيدة، ونأت بنفسها عن تسريب تقنياتها إلى كيانات ما دون الدولة ممَّا فرض احتراماً وحصانة لصناعتها، على عكس ما لجأت إليه إيران.

ولأن كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل لديها خطوط حمراء في سياسات التصدير، تجعلها متحفظة تجاه تزويد دول شرقية أو شرق أوسطية بتقنياتها حفاظاً على التفوق الأمريكي عالمياً، والإسرائيلي في المنطقة، فإن تركيا بدت أكثر انفتاحاً على أسواق دفاعية متنوعة، عاشت تعطشاً طوال سنوات للحصول على هذه التقنية.

ولأن ساحات كسوريا وليبيا وأذربيجان أثبتت فيها المسيّرات التركية قدرة عالية على مناورة الدفاعات الجوية الروسية ذات السمعة الجيدة، فإن هذه المسيّرات لاقت اهتماماً مضاعفاً لدى الأوروبيين الذين ما زالوا يرون في روسيا أحد أهم التحديات الأمنية عالمياً.

ولا ننسى بأن العلاقة المتميزة بين تركيا وقطر ساعدت أنقرة في دخول السوق الخليجي المتعطش للتسلح ومراكمة التقنيات، فبعد حصول الدوحة على عدد من هذه المسيّرات أبدت الرياض اهتماماً بالتفاوض على صفقة استيراد مرتقبة.

كل هذه التطورات السريعة على صعيدي التصنيع الذي تتربع اليوم تركيا وإسرائيل على طرفيه في الشرق الأوسط، وتسعى إيران بشكل حثيث لحجز موقعها فيه، بالإضافة إلى الاعتماد المتزايد على المسيّرات لأغراض دفاعية وهجومية في المنطقة، يجعل من الأهمية بمكان مراقبة شكل التوازنات الأمنية وكيف تتأثر ويُعاد تشكيلها بدخول تقنيات المسيّرات القتالية على خطوط التماس العسكري والأمني.

وبوجود عدد لا بأس به من ساحات القتال المفتوحة، وساحات التنافس المحمومة التي تتشارك فيها العديد من القوى الدولية والإقليمية الصراع على النفوذ، وتلجأ إلى المسيرات القتالية كأحد أهم أدواتها العسكرية والأمنية، فليس من الغريب الاستنتاج بأن هذه التقنية النامية باطراد ستساهم بلا شك في إعادة تشكيل الخريطة الأمنية للشرق الأوسط، لا سيما إن دخلت أطراف جديدة على خطوط التشغيل والاستثمار.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي