تصاعدت في الآونة الأخيرة حدة التوتر بين إيران والولايات المتحدة على خلفية اغتيال الأخيرة للقائد العسكري الإيراني قاسم سليماني، إذ ردّت إيران بقصف قاعدة عين الأسد الأمريكية المقامة على الأراضي العراقية.

الضربة الأمريكية باغتيال اللواء قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس وعدد من مرافقيهما، شكّلت بالنسبة إلى العراق اعتداءً على سيادته، وعملاً إرهابيّاً وُجّه ضدّ ضيف رسمي، وضد قائد عراقي شعبي، وعدد من المرافقين معهما، ضيوفاً ومواطنين عراقيين.

فإيران اعتبرت اغتيال الشهيد اللواء قاسم سليماني ومرافقيه، عملاً إرهابيّاً عدائيّاً موجَّهاً ضدّ إيران، دولة وحكومة وشعباً، لهذا قررت الرد عليه بما يناسبه.

والعراق الرسمي اعتبر الاغتيال اعتداءً على سيادته بما يستلزم إلغاء الاتفاقات الأمنية بينه وبين أمريكا، ويتطلب من الأخيرة سحب قواتها العسكرية من العراق. وترجم ذلك من خلال توصية قدّمها رئيس الحكومة عادل عبد المهدي إلى البرلمان، وتمت الموافقة عليها. وقد تَعزَّز القرار بتوحيد موقف فصائل المقاومة الشعبية التي أخذت تتهيأ لتنفيذ القرار الرسمي/البرلماني/الشعبي بمقاومة الاحتلال الأمريكي إذا لم يستجِب لطلب الرحيل.

هذا وصدرت بيانات من عدة أطراف تنتسب إلى محور المقاومة وفي مقدّمتها حزب الله على لسان أمينه العام السيد حسن نصر الله، تدعو إلى إنهاء وجود القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة كلها.

في المقابل هدّد دونالد ترمب بالقول إن أي ردّ إيراني يمسّ أمريكيّاً سوف يُرَدّ عليه باستهداف 52 موقعاً إيرانيّاً حُددت سلفاً. وقد رمز عددها إلى عدد موظفي السفارة الأمريكية الذين احتُجزوا في إيران بعد الثورة الإسلامية 1979.

أي إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يهدّد بالانتقال إلى الحرب الشاملة، إذا ردّت إيران على ما وُجه إليها من اعتداء باغتيال الجنرال قاسم سليماني. وقد زادت تصريحات رسمية أمريكية على ذلك باعتبار أي مقاومة عراقية ضدّ القوات الأمريكية بمثابة ردّ إيراني، وسيردّ عليه ضدّ إيران.

طبعاً هذا الموقف الأخير يعقِّد الوضع كثيراً، لأنه يعني ضمناً أنه ممنوع الرد على ما اقترفته أمريكا من عملية اغتيال سواء أجاء ذلك من إيران أم جاء من العراق، وهو بهذا يُدخِل العراق في الصراع المباشر الدائر بين أمريكا وإيران. وقد ذهب ترمب إلى تهديد العراق بالتعرُّض لأشدّ العقوبات إذا أقدم على إخراج القوات الأمريكية من العراق. مع العلم أنه حقٌّ له، ليس باعتباره دولة ذات سيادة فحسب، وإنما أيضاً هو من حقه، وقد ضمنته له الاتفاقات الأمنية نفسها الموقعة بين الطرفين، والتي تستند إليها أمريكا بوجود قواتها في العراق.

والغريب أن فرنسا ووسطاء آخرين يطلبون من إيران أن لا تردّ حرصاً منهم على عدم التصعيد، ومرجع الغرابة هنا هو ماذا يريدون من إيران أن تفعل، ناهيك بالعراق، إزاء عمل مخالف للقانون الدولي، ويمثِّل إرهاباً فرديّاً تمارسه دولة جهاراً نهاراً على أرضه وبالاعتراف منها وبالافتخار أيضاً. وبمناسبة استخدام كلمة إرهاب، فهي في أصلها جاءت من وصف الاغتيال الفردي، أو سياسة اللجوء إلى تكتيك أو استراتيجية الإرهاب الفردي.

إذا كان يراد من إيران أن لا تردّ، وليس هنالك حماية دولية تمنع هذا الارهاب، أو تعاقب عليه، وإذا غدا سياسة دولية يمارسها الأقوى، ومن غير المسموح أن يردّ عليه، فكيف سيصبح عالَمنا؟

ثم ماذا يراد من العراق الذي ارتُكبت الجريمة على أرضه، وانتُهكت سيادته من قِبَل دولة بينه وبينها اتفاقيات أمنية؟ فعلى الأقلّ من حقه أن يلغي تلك الاتفاقيات، ويطالب بإخراج القوات الأمريكية من أراضيه.

فأمريكا بدلاً من أن تحترم اتفاقياتها مع العراق، وتحترم إرادة العراق الرسمي من خلال الحكومة والبرلمان، وبدلاً من احترام الإرادة الشعبية التي عبَّرَت عنها التظاهرات المليونية وراء أجداث الشهداء، قررت أن تستمرّ في إبقاء قواتها العسكرية في العراق عنوة واقتداراً وتحدِياً، ومن ثم فقد أصبحت احتلالاً بكل معنى الكلمة.

وبهذا تكون الأزمة التي نشأت من عملية الاغتيال قد تمركزت وتمحورت الآن في العراق أكثر من انتظارها للردّ الإيراني. فمستقبل الوضع أصبح مرهوناً بالعلاقة بين أمريكا والعراق. هل تُصِرّ أمريكا على إبقاء قواتها في العراق، وعدم الاستجابة لقرار الحكومة والبرلمان من جهة، ورمي قفاز التحدي من جهة أخرى للقوى الشعبية التي تلوِّح بخوض المقاومة لإجبار أمريكا على الرحيل، إذا لم ترحل استجابة للقرار الرسمي؟

هذا التطور يفترض أن تركز المواجهة مع أمريكا في العراق. وهو ما أَوجبه اتخاذ العراق القرار بإنهاء الاتفاقيات الأمنية التي تسمح لقوات التحالف، وعلى الخصوص القوات الأمريكية، بالوجود في العراق، من جهة، وفي المقابل رفض أمريكا الاستجابة لهذا القرار، والإصرار على بقاء قواتها على الرغم من الإرادة الرسمية والشعبية العراقية من جهة ثانية.

فالنجاح في هذه المواجهة يمكن أن يتقدم أي ردود أخرى من جانب إيران، وقد أصبحت ذات الأولوية، بعد انتهاء الجنازات المليونية.

ومع ذلك ردّت إيران بقصف قاعدتين عسكريتين أمريكيتين في العراق، فجر الثامن من يناير/كانون الثاني، الأمر الذي شكّل من جهة مصداقيةً للتهديد الإيراني بالردّ، وشكّل من جهة أخرى تحدِّياً لأمريكا وتجرُّؤاً غير مسبوق عليها من خلال دولة مقابل دولة، وجهاراً نهاراً، تماماً كما فعلت أمريكا حين تحدت إيران باغتيال القائد الميداني الإيراني الأول الجنرال قاسم سليماني.

إذا سمحت الذاكرة في منطقتنا، فهذه أول مرة تتجرأ فيها دولة عربية أو إسلامية على تحدي أمريكا بإطلاق صواريخ على قواعد عسكرية لها، الأمر الذي يمكن اعتباره اعتداءً يستدعي شنّ الحرب، أو الضرب بما هو أشد وأقسى. أما أن يقبل بأن تكون هذه مقابل تلك، ويصبح المسوِّغ (المبرِّر) لعدم الرد هو عدم سقوط ضحايا من الجنود، فهذا تطوُّر في ميزان القوى ليس مسبوقاً منذ ما بعد الحرب العالَمية الثانية حتى اليوم، وبالتأكيد منذ ما قبل ذلك أيضاً. فالحروب الشاملة التي شنَّها الكيان الصهيوني أو أمريكا منذ الخمسينيات إلى اليوم على دول في منطقتنا كانت لأسباب أدنى كثيراً من تجرؤ دولة على قصف قاعدة عسكرية أمريكية، أو الكيان الصهيوني.

لهذا فإن عدم الرد الأمريكي العسكري على هذه الضربة يحمل مغزى بعيد المدى، وأي مغزى. أما من جهة أخرى فإذا لم ترد أمريكا عسكريّاً، فإن المواجهة ستظلّ مستعرة في العراق حول بقاء أو عدم بقاء القوات الأمريكية فيه.

المصدر: TRT عربي