من المسائل اليقينية أن عامة الشعب التونسي الذي ذهب إلى الصناديق في الموسم الانتخابي 2019 غير معني (مثل بقية الشعب العربي) بالخلافات الأيديولوجية التاريخية بين الإسلاميين من ناحية والقوميين والعلمانيين من ناحية أخرى منذ نشوء الدويلات العربية.

صراعٌ لا شك استنزف الكثير من القدرات ومن الطاقات والجهد، واستفادت منه الأنظمة الحاكمة بالحديد والنار، فأجّلت كل بداية محتملة للديمقراطية وللتنمية، ومنعت كل مصالحة مطلوبة بين مكونات المشهد السياسي في كل قُطر على حدة، حتى جاء الربيع العربي وفجّر الأنظمة أو هز قواعدها ومنها قاعدة العمل بزرع الفتنة بين التيارات المذكورة، وفجّر أيضاً حالة الركود والاستسلام للاختلافات باعتبارها قدراً مقدوراً، وفتح بالمناسبة ذاتها باب المصالحات التاريخية المنتظرة.

الانتخابات التونسية وضعت الفرقاء في مواجهة مصيرية

نتائج انتخابات تونس 2019 التشريعية وضعت التيار الإسلامي والتيار القومي والتيار العلماني في مواجهة مباشرة مع المعضلة التي فرقتهم سنين طوال. وهي تفرض عليهم في هذه اللحظة سؤالاً مصيرياً هو التالي:

إذا كنتم جميعاً ارتضيتم العمل السياسي الديمقراطي واشتركتم في انتخابات واحدة على قاعدة الاعتراف المتبادل، فما الذي يمنعكم من العمل المشترك في إدارة الدولة وفي لحظة تاريخية مهمة أقصى فيها الناخب التونسي مكونات المنظومة التي كنتم جميعاً من ضحاياها؟

الإجابة عن هذا السؤال كفيلة بفتح باب المصالحة التاريخية بين هذه المكونات والتي لا يقبع اليسار بعيداً عنها وإن لم يكن ممثلاً في الطيف السياسي الفائز في البرلمان لأسباب ليس هذا موضع تفصيلها.

لقد وضعت الانتخابات التونسية فرقاء الأيديولوجيا العرب على عتبة تفاهم تاريخي أول وقد يكون نهائياً لختم مرحلة الصراع السياسي والفكري. فهم الآن جميعاً (في الحالة التونسية) في مفترق أو نقطة لقاء فإما أن يُبرم اتفاق نهائي يقطع مع الماضي الحربي أو أن يرتدّوا جميعاً إلى وضع فرقاء الحرب الأبدية. فالحرب كانت دوماً مريحة لهم جميعاً فكرياً وسياسياً، ولكنها أبداً لم تكن منتجة لأسباب البقاء والقوة. فهل يتفقون ويخوضون صعوبات السلم والتعاون وهي بلا شك أكثر كلفة وأشد عناء من الحرب؟

سوابق سياسية منقوصة

إن ميلاد اتفاق حكم بين الإسلاميين والقوميين خاصة والعلمانيين العرب (بشقهم اليساري أو الاجتماعي) في تونس يمكن إسناده بأدبيات المؤتمر القومي الإسلامي وتراثه الغزير الذي يؤكد جدوى هذه المصالحة وفائدتها لشعوب المنطقة. لقد فكر المؤتمر ( في دورات كثيرة وفي أدبيات منشورة) في وضع حد للثارات الدموية بين التيارين فلم يفلح لعدم توفر شروط الديمقراطية والحرية قبل الربيع العربي. وها قد توفرت الشروط على الأقل في تونس، فما الذي يؤجل إغماد السيوف وبدء التعاون؟

لقد كانت هناك سوابق من اتفاقات أخرى كثيرة أملتها حروب ظرفية تحت ظل الأنظمة الدكتاتورية. وأنتجت هذه الاتفاقيات قوة وتجربة يمكن البناء عليها بعد تعديل زوايا النظر المتبادل. مثل ذلك الاتفاق الجماعي وراء حزب الله في حرب 2006 حيث اصطف الجميع في معركة قومية ضد عدو مشترك، ومثل ذلك الموقف المشترك من حركة حماس المقاومة، ومثل ذلك انتخابات الهيئات المهنية في تونس ومصر (نقابات المحامين).

لقد كان لتلك الاتفاقات شروطها المحدودة وأفاد منها التياران لكنها لم ترتق إلى شراكات سياسية فعلية لمقاومة الدكتاتورية وبناء مشروع حكم بديل. وقد غدر القوميون بها، إذ فكروا دوماً في استعمال الإسلاميين كقاعدة ناخبة دون مقابل ثم طعنوها في العمق بعد ثورة يناير حتى انقلاب السيسي. كما أحيوا الضغائن والثارات كلها في الموقف من الثورة السورية ومن الثورة الليبية ولكن الوضع في تونس اختلف؛ فقد خففت العملية الديمقراطية من الخلاف أو غيبت الصراع المباشر حتى حين. ورغم ذلك فإن السؤال يعود: ما جدوى التمترس خلف الخلافات القديمة إذا كان يمكن البناء على اتفاقات مربحة للجميع في المستقبل؟

اقتسام المسافة بين الفرقاء

المصالحة التاريخية وبدء التعاون السياسي لا يصح إذا غادر أي تيار موقعه وذهب إلى الآخر. فالأمر ليس مغالبة وإلا فإنه ينتهي قبل أن يبدأ. إنما هنا نقر بأمرين:

أولهما مبدئي وهو أن التعاون (أو المشاركة) أكثر فائدة للتيارين وأكثر فائدة خاصة للشعب العربي الذي يعيش دوماً خارج هذا الصراع وهو غير معني به بل هو متضرر أول منه.

وثانيها واقعي -للأسف المر- وهو أنه رغم الإيمان بهذه الضرورة فإن كل المشهد التونسي يشير إلى أن لا أمل وأن لا مصالحة بين التيارين، على المدى المنظور على الأقل. بل هناك صراع يصرُّ القوميون خاصة على استدامته بكل السبل، الأمر الذي يرجح تفويت الفرصة التاريخية المتاحة.

والأسباب التي تتجلى في المعركة هي قصور فكري عن تخيل المصالحة كلحظة تجاوز وبناء (أي فقدان عمق سياسي استشرافي). وهي في عمقها أيضاً خوف من انكشاف محدودية الطرح السياسي وفقر الفكرة القومية منذ تأسيسها إذا لم تجد سياقاً للحديث إلا عن تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، في حين تقف خرساء في بقية المواضيع أو تشرع في توزيع تهم الخيانة والعمالة وأحياناً كثيرة بلغة القذافي.

على كلٍّ من الإسلاميين والقوميين الوصول إلى قناعة أن إمكانية إلغاء أحدهما الآخر غير واردة، وبناء عليه لا بدَّ من اجتراح مقاربة فيما بينهما لحل خلافاتهما بطرق ديمقراطية قائمة على الحوار، والتفاهم حول كيفية النهوض بالتجربة التونسية التي أعطت مثلاً مشرقاً عن التبادل السلمي للسلطة.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي