المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران علي خامئني  (Onayli Kisi/Kurum/AA)

ومع الإعلان عن فوز بايدن تراجع النقاش حول ذلك الموضوع، إلا أن موقف الإدارة الأمريكية الجديدة بخصوص العودة إلى الاتفاق النووي ورفع العقوبات أعاد الأمر مجدداً إلى الواجهة، لا سيما وأنه لا تفصلنا عن موعد الانتخابات المقررة في 18 يونيو/حزيران سوى أربعة شهور تقريباً.

منذ تصريح الجنرال إسماعيل كوثري، مستشار القائد العام للحرس الثوري قبل أشهر بأن من الأفضل أن يكون الرئيس القادم عسكرياً، شهدنا أصواتاً مؤيدة وأخرى معارضة من قبل جناحي السلطة المحافظين والإصلاحيين، ووصل النقاش إلى داخل التيار الإصلاحي نفسه، فضلاً عن وسائل التواصل الاجتماعي. وبالطبع ليس المقصود من العسكري هنا أحد ضباط الجيش، بل المراد منه ضباط الكيان الموازي للجيش أي الحرس الثوري.

يرى المحافظون أن البلاد بحاجة إلى رئيس عسكري قوي صارم في محاربة الفساد للعبور بها من أزماتها، ويزعمون أن العسكري أكثر قدرة على الوقوف بوجه الأعداء وأكثر كفاءة في حل المشاكل المتعلقة بالاقتصاد وتوفير فرص العمل والحد من البطالة، وذلك من خلال تعزيز العلاقات الاقتصادية مع دول الجوار والمضي قدماً بسياسة "التوجه للشرق" وإقامة علاقات اقتصادية قوية مع روسيا والصين بدلاً من السعي وراء الغرب.

في حين أن شريحة كبيرة من الإصلاحيين ترى بأن عصر حكم الجنرالات قد ولّى ولا ينبغي أن تخوض إيران تجربة ثبت فشلها في معظم الدول.

ويعتبر هؤلاء بأن استلام أحد ضباط الحرس منصب الرئاسة يعني مزيداً من التدخل في السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع ومزيداً من انعدام الشفافية وغرقاً أكبر في الفساد، وإضعافاً لمؤسسات المجتمع المدني وفرض مزيد من القيود على الحريات المدنية.

ويحذرون من عقلية العسكر الذين يعتقدون بأنه من الممكن حل مشاكل البلاد بالقوة وعبر إصدار الأوامر والتعليمات. ويرون أن ذلك سيعقد من إمكانية التوصل لتفاهم مع الغرب لرفع العقوبات ويزيد من عزلة البلاد دولياً وإقليميًا، لا سيما وأن معظم قادة الحرس موضوعون على قائمة العقوبات الأمريكية.

هل للتفاؤل والتشاؤم ما يبرّره؟

لاشك أن مؤيدي ومعارضي فكرة تسلّم أحد ضباط الحرس منصب الرئاسة يبالغون في تقديراتهم. صحيح أن رئيس الجمهورية في النظام الإيراني هو الشخصية الثانية في البلاد من الناحية القانونية، إلا أن المرشد والدائرة المحيطة به هم الذين يتحكمون بجميع مفاصل الدولة.

يمسك الحرس الثوري فعلياً بالسلطة من خلف الستار ويتحكم إلى حد كبير بمختلف القطاعات في البلاد كالسياسة الخارجية، الأمن الداخلي، الاقتصاد والنفط والصناعة، المجتمع والثقافة والسينما والنشر، وله حضور واسع في الحكومة ويسيطر فعلياً على البرلمان. وعليه فإن انتخاب رئيس من أفراده، لن يمثّل سوى انتقاله من خلف الستار إلى الواجهة.

لا يتوقع أن يكون هناك تغيير كبير في السياسة الداخلية وعلى الصعيد الاقتصادي، ولا يتوقع فرض مزيد من تقييد الحريات، لأن التغير الحاصل في المجتمع الإيراني لم يأت نتيجة جهود الإصلاحيين أو المعتدلين، بل جاء نتيجة تطور المجتمع وانفتاحه ولن يكون من الممكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. كما أثبتت طريقة التعامل مع الاحتجاجات التي اندلعت في العامين الماضيين ومقتل حوالي 1500 متظاهر في غضون أسبوع واحد بحسب رويترز أنه لا فرق بين رئيس "حقوقي" كما أطلق روحاني على نفسه ورئيس "جنرال".

على صعيد السياسة الإيرانية في المنطقة، لا يُتوقع أن يكون المشهد مختلفاً بشكل كبير سواء أكان الرئيس القادم ضابطاً في الحرس الثوري أو إصلاحياً، ولن يحصل هذا التغيير ما لم يقرر المرشد ذلك.

لم يقف الرئيس "المعتدل" روحاني وفريقه ضد تدخل الحرس الثوري في المنطقة، بل برّروا تدخلاته ومغامراته.

كما أن القول بأن الإصلاحيين أكثر قدرة على التفاوض مع الغرب والتوصل إلى اتفاق معه بجانب الصواب، لأن التوافق مع الغرب ما كان ليحصل لولا الضوء الأخضر من المرشد الذي كان يزوّد الوزير جواد ظريف وفريقه المفاوض بالتعليمات في كل جزئية من جزئيات الاتفاق بحسب اعتراف ظريف نفسه. مصدر القلق الوحيد بالنسبة للمنطقة يتأتّى من حقيقة أن تسلم ضابط من الحرس منصب الرئاسة يعني أن مزيداً من الأموال ستكون بيده، وهذا سيمنحه الفرصة لاستكمال تغوله في المنطقة عبر تقوية المليشيات الموالية له وشراء ولاء الفقراء والمعوزين وضعاف النفوس.

هل يتقدّم الحرس إلي الواجهة؟

ليست المرة الأولى التي يترشح فيها قادة من الحرس الثوري للانتخابات الرئاسية، فقد ترشح عدد من هؤلاء كمحسن رضائي ومحمد باقر قاليباف ولأكثر من دورة انتخابية وفشلوا في الحصول على أصوات الناخبين، لكنهم كانوا قد ترشحوا بعد الخروج من مؤسسة الحرس أو التقاعد منه.

الاختلاف في الدورة الحالية يكمن في احتمال ترشيح ضباط من الحرس ما زالوا قائمين على عملهم ولم يستقيلوا من الحرس أو يتقاعدوا منه.

رغم مضي أكثر من ثلاثة عقود على انتهاء الحرب العراقية الإيرانية وإمساك الحرس تدريجياً بمختلف القطاعات، فإنه ما زال يشعر بأنه لم ينل حقه من كعكة السلطة. والحقيقة أنه لم يتبقّ أمامه سوى مؤسسة الرئاسة للإمساك بزمام الأمور بشكل كامل.

ومع ذلك، هناك سببان قد يدفعان الحرس لعدم الزج بمرشح مباشر له للرئاسة؛ أولهما احتمال نشوب توتر بين الرئيس والمرشد كما حصل مع جميع من تسلم منصب الرئاسة بمن فيهم أحمدي نجاد الذي كان من أشد المقربين من خامنئي.

والثاني صعوبة الأوضاع الحالية والاعتقاد بأن الخروج بالبلاد من أزماتها لن يكون من السهولة بمكان، وأنه باستلامه سدة الرئاسة، سيضع نفسه وجهاً لوجه أمام المواطنين الذين سيطالبونه بتحمل مسؤولياته وتوفير متطلباتهم، ولن يكون بإمكانه حينها إلقاء اللوم على الحكومة. لكن من المستبعد أن يخرج ضباط الحرس -مهما حصل- عن عباءة المرشد بسبب العقيدة التي تربوا عليها، ولن يكون من الصعوبة بمكان إلقاء المسؤولية على أعداء الثورة في حال الفشل في حل مشاكل البلاد.

أهمية الانتخابات الحالية

تكتسب رئاسة الجمهورية أهميتها في المرحلة الراهنة من احتمال وفاة المرشد الحالي ذي الاثنين والثمانين عاماً وتنصيب خليفة له خلال السنوات الأربع أو الثماني المقبلة. ومع أن الرئيس ليس له دور في اختيار المرشد من الناحية القانونية وأن تلك المهمة مناطة بمجلس خبراء القيادة، إلا أنه يمكن لرئيس الجمهورية بحكم موقعه وتوازنات القوى داخل الدائرة الحاكمة أن يلعب دوراً في حسم الصراع على خلافة المرشد. ومن هذا المنطلق تخطط النخبة الحاكمة لإدارة المرحلة المقبلة بأقل الأضرار عبر المجيء برئيس "ولائي" تماماً لضمان عدم حصول مفاجآت ليست في الحسبان، لكن ليس من الضرورة أن يكون من جنرالات الحرس أنفسهم. يزيد من فرص تحقق هذا الهدف احتمالُ عزوف غالبية الإيرانيين عن التوجه إلى صناديق الاقتراع نتيجة فقدانهم الأمل بالقدرة على التغيير من خلال صندوق الانتخابات.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي