الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (Others)
تابعنا

أغلب دول الجنوب من الكتل المكونة لإفريقيا، والعالم العربي، وأمريكا اللاتينية، والهند، أدانت اجتياح روسيا لأوكرانيا، ولكنها لم تُدِن روسيا، ولم تنصَعْ لدعوة الغرب في ما يخصّ العقوبات الاقتصادية.

المثير أولاً هو دول العالم العربي، وبخاصة تلك التي تُعتبر حليفة للولايات المتحدة، السعودية والإمارات ومصر. لم تُدِنْ روسيا، كدولة، ولا جارت الولايات المتحدة في ما يخصّ فرض العقوبات الاقتصادية، ولا هي قبلت برفع حصته إنتاجها في البترول تعويضاً للنقص.

إلى جانب ذلك، قبلت التعامل بالعملة الصينية، في المبادلات التجارية، مما يضع احتكار الدولار للمعاملات التجارية موضع تساؤل. وفي غمرة الحرب انتقدت صحيفة الرياض في السعودية القريبة من دوائر القرار، الأحاديةَ القطبية، والتذرُّعَ بالمبادئ التي تُخفي في حقيقة الأمر المصالح. واعتبرت جريدة الأهرام الحرب الروسية-الأوكرانية، حرباً تتجاوز ما يظهر منها. وزار وزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد موسكو، والتقى لافروف في عز الأزمة، وأعرب الجانبان عن رسوخ العلاقات بين البلدين.

أما دول المجموعة الإفريقية فقد توزعت بين فريقين، نصف أعضاء الاتحاد الإفريقي أدان الاعتداء، ونصفه امتنع، وأغلب الدول الإفريقية رفض فرض العقوبات، ومنها عمالقة إفريقيا، كجنوب إفريقيا ونيجيريا.

أما دول أمريكا اللاتينية، فهي بحكم ماضيها المتوجّس من الولايات المتحدة، ومخلفات ثقافتها السياسية اليسارية المتعارضة مع ما يُنظر إليه بـ"الإمبريالية الأمريكية"، ومع التوجهات الشعبوية، كما في البرازيل، فلم يتخذ موقفاً يصبّ في صالح الولايات المتحدة عدا تشيلي، ووجهها الجديد الرئيس غابرييل بوريك.

ونفس الأمر يُقال عن الهند، التي ظلت في موضع متأرجح، إذ لم تقطع إمداداتها من الغاز الروسي، وهو الأمر الذي استنفر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسن لزيارة نيودلهي، من أجل السعي للتأثير فيها.

فهل يعود الجنوب مرة أخرى؟ هل يختطّ له مساراً ينأى عن صراع "الكبار"؟ وهل ستنبعث الروح في حركة عدم الانحياز؟ أم هل سيجد إطاراً جديداً ليعبّر عن التمايز، ويدافع عن توجهاته ومصالحه، بعيداً على صراع الأقطاب، أو صدام الحضارات؟

مبرّر وجود حركة عدم الانحياز، هو النأي عن الصراع الذي حمِيَ وطيسُه عقب الحرب العالمية الثانية، وكان المرجعيتين الأساسيتين لما يصبح حركة عدم الانحياز، مبادئُ التعايش السلمي التي وضعتها الصين والهند، فيما كان يسمى المبادئ الخمسية للبانشاشيلا Panchsheel باللغة النيبالية، سنة 1954، ومحورية التعايش السلمي فيها، ثم انعقاد مؤتمر باندونغ الذي ضمّ الحركات التحررية في كل من إفريقيا وآسيا، في إندونيسيا، سنة 1955، وهما الحدثان اللذان هيَّآ لقيام حركة عدم الانحياز في بلغراد، في ما كان سابقاً يوغسلافيا، سنة 1961، بزعمائها الثلاثة: نهرو عن الهند، وتيتو عن يوغسلافيا، وجمال عبد الناصر عن مصر.

وتعزَّزَت حركة عدم الانحياز، بتوجه اقتصادي جديد، منذ 1974، بعد صدمة البترول، ورفع الجزائر حينها لما عُرف بالنظام الاقتصادي الجديد، كي تستطيع الدول أن تحقّق سيادتها الاقتصادية من خلال التحكم في مواردها الاقتصادية، عوض الشركات العابرة للقارات التي كانت المستفيد الأول من تلك الثروات، والتخفيف من حجم المديونية.

كانت حركة دول عدم الانحياز وازنة، ولكنها دخلت ثقباً أسود بعد سقوط حائط برلين. لم يعد لها مبرِّر وجود، لأنها كانت البديل للتقاطب، والحال أن الثنائية القطبية انتهت، ودخل العالم غمار أحادية قطبية، وتَعرَّضت الدول الرائدة لحركة عدم الانحياز للاهتزاز، ومنها بخاصة يوغسلافيا التي تحللت وانتهت.

السياق الجديد، يفرز التقاطب، فهل سيتمخض ذلك عن ظهور بديل من الجنوب أو انتعاش حركة عدم الانحياز؟

الراجح أن هذا الغائب في الساحة الدولية لأكثر من ثلاثة عقود، سوف يعود، وستتركز توجهاته على إعادة النظر في هندسة الأمم المتحدة، وفي إرساء قواعد جديدة، وبخاصة في الميدان الاقتصادي، حيث سادت النظرة النمطية لما كان يُعرف بالعولمة السعيدة، وتوسيع اتفاقات التبادل الحر، والحال أن العولمة لم تكُن سعيدة، واتفاقات التبادل الحرّ لم تكن عادلة، والنيوليبرالية كانت سلبية على التوازن البيئي.

الرديف لهذه الزلزلة الكبرى هو كذلك التفكير في الأمن الغذائي، فدول الجنوب -عدا الصين- تمثّل أكثر من نصف ساكنة البشرية، وهي أكبر مستهلك للحبوب، وهي كذلك تزخر بمؤهلات زراعية، ولكنها معطَّلة، لعدم تحكُّمها في أسواق الإنتاج والتوزيع وبراءات الاختراع...

طبعاً، لم يبرز خيط ناظم يربط دول الجنوب، في أعقاب الحرب الروسية-الأوكرانية، عدا الدفاع عن مصالح دولها، وليس كمجموعة، ولم تقدّم بديلاً، عدا الجهر بازدواجية معايير الغرب.

بيد أن الحرب الدائرة رحاها تحمل إرهاصات تغيير عميق في قواعد العلاقات الدولية، وهندسة الأمم المتحدة، والأمن الغذائي، وقد تكون تلك التوجهات، الأرضيةَ لحركة عدم الانحياز التي طالها السُّبات. هي أدوار تبحث عن فاعل كما في جملة مأثورة للصحافي المصري، مُنذ كان منظراً بقرب جمال عبد الناصر محمد حسنين هيكل عندما قال: " هناك دور يبحث عن لاعب".

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي