يعود رئيس وزراء إسرائيل السابق إيهود باراك إلى الواجهة السياسية على إثر فشل بنيامين نتنياهو في تشكيل الحكومة وحل الكنيست مؤخراً، وذلك استعداداً منه لخوض الانتخابات الإسرائيلية المقبلة المزمع إجراؤها في سبتمبر/أيلول 2019.

تشهد الحلبة الحزبية والسياسية في إسرائيل"بازاراً حزبياً" متعدد المعروضات في الفترة التي تسبق توجه الإسرائيليين إلى انتخابات برلمانهم الكنيست في27سبتمبر/أيلول القادم.

وتأتي هذه الانتخابات في أعقاب حل الكنيست السابق بعد أقل من شهرين على انتخابه في 9 أبريل/نيسان المنصرم. وبالتالي تتعرض إسرائيل لأزمة حكم قوية جداً، لأن هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها مثل هذا الإجراء، أي حل الكنيست بعد عجز نتنياهو زعيم حزب الليكود عن تشكيل حكومته.

واستفاد من هذه الأزمة إيهود باراك رئيس الحكومة ورئيس هيئة الأركان السابق في إسرائيل، ليطرح عودته من جديد إلى الحلبة السياسية بعد انقطاع عنها لمدة تزيد عن العقد من الزمن، حين تفرغ لأشغاله الشخصية وتنمية شركات يملكها أو لديه حصص في ملكيتها، ومن بينها شركات لتجارة السلاح.

ويسود الشارع الإسرائيلي نقاش حاد فيما إذا كانت عودة باراك ستساهم في الإطاحة بنتيناهو، وبالتالي إخضاعه للمحاكمة في عدد من الملفات القضائية التي تنتظره من مدة.

أضف إلى ذلك طرح عدد من كبار الصحافيين والمراقبين السياسيين مسألة هل بإمكان باراك وتحالفات مع قوى وأحزاب في مركز ويسار الخارطة الحزبية السياسية في إسرائيل إحداث هذا التغيير؟ أو أن عودة باراك قد تساهم في إلحاق الضرر بحزب "كحول-لفان" (أزرق-أبيض) الذي يرأسه بني غانتس رئيس هيئة الأركان الأسبق في الجيش الإسرائيلي، وبالتالي يصب في صالح نتنياهو في نهاية المطاف؟

إن عودة باراك لن يكون من شأنها إحداث تغيير جذري في رؤية الجمهور الإسرائيلي وتطلعه نحو اعتباره بديلاً لنتنياهو.

جوني منصور

لهذا، فإنّ عودة باراك تساهم في تسخين الساحة الانتخابية، إذ إن للاثنين رصيداً سياسياً متميزاً. لكن رصيد باراك غير مقتصر على السياسي بل يتعدى إلى العسكري كرجل ساهم في عدد من العمليات العسكرية التي رفعت من مكانته داخل الرأي العام الإسرائيلي.

المشكلة التي يتعرض لها باراك هي أن في فترته وقعت الانتفاضة الثانية "انتفاضة القدس والأقصى"، وأنه يتحمل مسؤولية استشهاد عدد من فلسطينيي الداخل من حملة المواطنة الإسرائيلية على يد جنود وشرطة إسرائيليين.

وأكثر من ذلك، أنه مثُل أمام لجنة حكومية للإدلاء بشهادته والتحقيق معه في هذه الأحداث. بالإضافة إلى إفشاله المسار السلمي مع الفلسطينيين بجملته المشهورة بعدم وجود شريك للتفاوض معه. كل هذه السلبيات لن تكون في صالح عودته، إذ إن الجمهور الناخب في إسرائيل يحمل في مخزون ذاكرته بعضاً من هذه الجوانب التي لن تكون لصالحه.

من جهة أخرى، فإنّ مساعيه لتشكيل معسكر يسار-مركز مكوّن من حزب العمل وميرتس وحزبه لن يدفع مصوتي اليمين في إسرائيل لدعمه والالتفاف من حوله. إذ إن العقود الثلاثة الأخيرة بينت وبوضوح جنوحاً آخذاً في الاتساع والانتشار لليمين في إسرائيل.

ويمكن اعتبار حزب غانتس والجنرالات الآخرين معه أقرب إلى اليمين المعتدل من أن يكون قريباً من المركز. ولكن على الرغم من هذا، فإنه -أي حزب غانتس كحول لافان- مصنف في المركز.

لم يتح نتنياهو طيلة فترة حكمه عبر حكوماته المتعاقبة الفرصة لظهور زعيم آخر غيره في قيادة الليكود وأيضاً في قيادة بديلة عنه للحكومة الإسرائيلية.

جوني منصور

من جهة أخرى، يرى عدد من المحللين أن عودة باراك لن تشفع لليسار في عودته إلى سدة الحكم، بل يرى هؤلاء أن عودته ستترك أثراً سلبياً على حزب "كحول لافان" برئاسة غانتس. لأن عدداً من الداعمين لهذا الحزب في الكنيست الأخير المنحل، سينتقلون إلى التصويت لحزب باراك، وهذا يعني أنه لن يضاف الكثير إلى المعسكر المصنف "مركز-يسار"، وبالتالي فإنّ عملية الإطاحة بنتيناهو لن تكون سهلة.

من جانب آخر، وفي غمرة النقاش حول فرص باراك لتحقيق عملية الإطاحة بغريمه نتنياهو، فإنّ ملفات شبهات أو اتهامات موجهة إلى باراك، وخصوصاً في علاقاته مع الثري الأمريكي أبشتاين، وهذا الثري متهم بالاتجار بالفتيات دون السن القانوني لأغراض جنسية وجني أرباح كثيرة، تبرز للواجهة.

على الرغم من إنكار باراك لأي علاقة مادية مباشرة مع أبشتاين. فإن الترويج لهذه القضية في الأسابيع الأخيرة أخذ مسارات سياسية ليست لصالح باراك. وهذا ما يوجهنا إلى نظرة الشارع العام في إسرائيل للبدء بمحاكمات نتنياهو في ملفاته، وأيضاً حساسية هذا الشارع بالنسبة لملفات فساد مالي وأخلاقي تتعلق بشخصيات سياسية أخرى، وفي هذه الحالة باراك نفسه.

من هنا ندرك تماماً أن عودة باراك لن يكون من شأنها إحداث تغيير جذري في رؤية الجمهور الإسرائيلي وتطلعه نحو اعتباره بديلاً لنتنياهو.

فحتى لحظة كتابة هذا المقال لم تتمكن الساحة السياسية في إسرائيل من إفراز شخصية سياسية تستطيع أن تلبس قبعة نتنياهو أو قبعة أكبر منه.

فنتنياهو طيلة فترة حكمه عبر حكوماته المتعاقبة لم يتح الفرصة لظهور زعيم آخر غيره في قيادة الليكود، وأيضاً في قيادة بديلة عنه للحكومة الإسرائيلية.

سلوك نتنياهو جعله زعيماً بالمفهوم الفاشي الذي لا بديل عنه وعودة باراك إلى الحلبة الحزبية والعمل السياسي لغرض الإطاحة بنتنياهو لن يؤتي أكله.

جوني منصور

سلوك نتنياهو هذا جعله زعيماً بالمفهوم الفاشي الذي لا بديل عنه. وعودة باراك إلى الحلبة الحزبية والعمل السياسي لغرض الإطاحة بنتنياهو لن يؤتي أكله. فالجمهور في إسرائيل معني بالإطاحة بنتنياهو ولكن ليس بأي ثمن، وليس على يد باراك.

وهذا يعني انتظار الجمهور لـ“مُخلّص-مسيح منتظر"من نوع جديد يخلق أجواء سياسية أكثر حداثة وبعيداً عن الشخصنة والفردانية.

لهذا، نرى أن عودة باراك ليست فرصة مشجعة لتغيير الحكم والإطاحة بنتنياهو بل ستعمل على إحداث شرخ في معسكرات المركز-اليسار، وخصوصاً في اليسار المهزوم والمأزوم منذ دورات انتخاباتعدة، وعلى رأسه حزب العمل الذي مُني بهزيمة كبيرة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وأيضاً حزب ميرتس الذي عول عليه البعض بأنه سيعمل على خلق واقع جديد في الساحة الحزبية في إسرائيل.

جاءت الانتخابات الأخيرة بنتائج عززت من قوة حزب الليكود واليمينونفوذهما، ولكنها لم تؤدِّ إلى نجاح الليكود بقيادة نتنياهو في تشكيل حكومة متآلفة مع توجهاته بسبب مواقف أحزاب اليمين من قضايا سياسية ومصالح مادية تخصها ساعة التوقيع على اتفاقيات الائتلاف الحكومي.

وفي الخلاصة، فإن عودة باراك لن تحدث انقلاباً في الحكم، وهذا يعني استمرار الأزمة السياسية في إسرائيل على الرغم من توجه الإسرائيليين إلى انتخابات برلمانية جديدة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي