في ظل الانتصار للمهرجانات الماجنة باستضافة مغنيات مثل نيكي ميناج، أو ابتداع نوادٍ ليلية حلال، يتحول اللهو من مجرد تسلية لإرضاء الشهوات إلى سياسة ممنهجة لتجهيل الشعوب وإلهائها، ليسهل التحكم بها واقتيادها.

ليست مشكلتنا الكبرى مع الألم والإيلام، وإنما هي مع التجهيل وسياساته اللامرئية والنفاذة، فما نعيشه اليوم من انتصار فظيع للجهالة العمياء في تدبير شؤوننا العامة، وما نختبره واقعاً لا مجازاً من توطينٍ للبلاهة واحتفاء بها، يؤكد أن للتجهيل هندسته وإستراتيجياته، وأنه بات علماً قائم الاكتمال والتطبيق في وطننا العربي من الجرح إلى الجرح.

لقد تحدث روبرت بروكتور خلال تسعينيات القرن الماضي عن علم الجهل باعتباره هندسة اجتماعية تسعى إلى إشاعة الجهل والأمية لأجل التحكم في الشعوب، وذلك عن طريق الإشاعات والأخبار الزائفة، وتحطيم صروح الثقة والأمل.

ذلك أنه بقدر ما يُجَهّل المجتمع -بالقدر ذاته وأكثر- يتأتى التحكم فيه والدفع به بما يخدم مصالح الكبار، وذلكم ما وعاه أسياد العالم بتعبير جان زيغلر، الذين يسيرون بنا نحو شفير الهاوية.

تنساب الأحداث سريعاً في هذا الزمن المعولم، وتتواتر الوقائع بغير انقطاع، فيما تنفلت منا الأسرار والمعاني، التي تقف وراءها وتؤسس شروط البناء والإمكان، فمن "صفقة القرن" إلى"العقوبات الاقتصادية" و"التهديد بالحرب" و"الإرهاب" و"الكرة" و"المهرجانات الغنائية" الماجنة.

وما بين هذا وذاك يبقى المحرك الأول لتاريخ الأشياء خفيّاً، عصيّاً على القبض. فما يحدث، يدور في فلك واحد، ينتصر فيه الاقتصاد على الفكر، وتتراجع فيه المكانات الرمزية للدول والإيديولوجيات لصالح وافد جديد قديم! هو المال وسطوته التي تعيد تشكيل العالم وإعادة كتابة التاريخ.

بقدر ما يُجَهّل المجتمع -بالقدر ذاته وأكثر- يتأتى التحكم فيه والدفع به بما يخدم مصالح الكبار.

عبد الرحيم العطري

سلطة المال التي يتملكها أسياد العالم الجدد من أصحاب الشركات متعددة الجنسيات وحكام منظمة التجارة وصندوق النقد الدولي، ,وبارونات النفط يتم تصريفها قروضاً إلى الدول التابعة والمتعبة، قصد استردادها بفوائد خيالية، ووفق شروط مجحفة، تنكشف أكثر فأكثر لحظة عُسر المدين، حيث لا مناص من تطبيق الإملاءات المتمحورة حول خصخصة القطاع العام وإنهاء التوظيف واستبداله بالعقود قصيرة الأمد، فضلاً عن تخفيض نفقات القطاعات الاجتماعية والتعليمية.

وكل ذلك في سبيل تفكيك بنيات الدول والعودة بها إلى محاضن الجهل والفقر والمرض والتوتر، حتى يسهل التحكم فيها أكثر؛ فالقرض ها هنا ليس هو الهدف المباشر والرئيس، وإنما تداعياته وارتداداته بعيدة المدى هي الأكثر مطلوبية في منطق السيادة الكوكبية الجديدة.

إن تدبير شعوب جاهلة ومُجَهَّلَةٍ أيسر بكثير من التعامل مع شعوب لم تفقد بعد قدراتها التحليلية التي تسمح لها برفع اللاءات متى استوجب الأمر ذلك، لهذا فهندسة التجهيل لا يديرها حصراً مالكو وسائل الإنتاج والإكراه في الزمن العربي، وإنما هي رهان عولمي يشترك في تدبيره وصناعته كل سدنة العالم الذين لا هَم لهم سوى الاستعباد والاستعمار ومراكمة الثروات.

فكيف يتم تطبيق الأكْنوتولوجيا هنا والآن؟ وأنى لنا ومواجهتها مَدًّا ومَدًى؟

لنعترف بأن التجهيل هو رهان استبدادي يرمي إلى صرف الشعوب عن قضاياها المصيرية، وتحويل أنظارها عما يتوجب الاشتغال عليه والانهمام به.

كما أن التجهيل ينبني على التطبيع مع الجهل ومعاداة العلم والعقل، ولهذا يرى روبرت بروكتور بأن صناعة الحيرة وإثارة الشكوك وبث المخاوف والإكثار من المعلومات المتضاربة، بهدف خلق وضعيات التعارض الدائمة حتى في الأمور الأكثر بساطة، كلها أدوات مركزية على درب التجهيل المفضي إلى التمكين والاستبداد.

إن تصفحاً سريعاً لما ينكتب في مواقع التواصل الاجتماعي، يكشف حجم الحيرة والتردد التي نغرق فيها اليوم، ويبرز أيضا مقدار الإحباط والخوف من الغد القريب.

كما يُبين، وهذا هو الأمر الجدير بالملاحظة، الشيوع الفظيع للخطابات اللاعقلية التي تحيل إلى الرداءة والتفاهة والبلاهة؛ فما تحققه فيديوهات ومنشورات آل"البوز" أو التمشهدية الخائبة من مشاهدات و"لايكات"، لم ولن يحققه أنبغ كاتب عربي، لا قبلاً ولا بَعداً.

فأسياد العوالم اليوم حددوا مسارات النظر والاهتمام، نحو العابر واللذوي واللحظي، أملاً في تدعيم أطروحة الاستقرار، التي تجعل "لعبة الروليت" لا تنتهي من الدوران، وهي تحقق المكاسب للسائدين والمهيمِنين، وفي الآن ذاته تراكم الخسارات تلو الخسارات للمهيمَن عليهم من الشعوب المستضعفة.

يعتمد مهندسو التجهيل على خيار تعميم الأوهام الزائفة، والانعطاف بالشعوب نحو زمن فائت من البطولة والبركة والسبق التاريخي، أو نحو مواجع وآلام وآمال رهانية، وذلك عن طريق البرامج والمسابقات والمسلسلات والأفلام التي تحتفي بالبلاهة وتزدري العلم وتحقر الكفاءة والاستحقاق، لصالح خلاصة فجائعية: كن جاهلاً تافهاً، تكن ناجحاً ومحتفى بك.

إن تدبير شعوب جاهلة ومُجَهَّلَةٍ أيسر بكثير من التعامل مع شعوب لم تفقد بعد قدراتها التحليلية التي تسمح لها برفع اللاءات متى استوجب الأمر ذلك.

عبد الرحيم العطري

في مستوى آخر يتم الاعتماد على الرعب والاستعداء لتأبيد الجهل وتجذير التحكم؛ إذ لا ينتهي أسياد العوالم من التذكير بالخطر الإيراني أو الفلسطيني، والتوكيد مرات أخرى على التهديد الكوري أو الهندي أو الاتجاه رأساً إلى خطر الإرهاب واحتمالات الحرب عليه، فيما محلياً لا ينبري أسيادنا عن الاشتغال على قاموس الوحدة القومية والعدوان الأجنبي واللحظة التاريخية الفارقة والدقيقة والحاسمة، في تجييش وتحشيد مستمر، لملاقاة عدو افتراضي، يبرر طبعاً ما يُصرف من ميزانيات ضخمة في سباقات التسلح.

طبعاً؛ فالدين يسهم بدور كافٍ في هندسة التجهيل، وتحديداً عندما يُختزل في منع الاجتهاد وإعمال العقل في النصوص والوقائع، وتصير مهمته هي التبرير والدفاع المستمر عما يصدر عن أولياء النعم.

هنا يتحول الدين إلى أفيون حقيقي، يُفقِد المرء ملكة التحليل والتفكير والرفض. وهو ما يقودنا إلى أجيال من التطرف الإيديو ديني العنيف الذي ينتظم وفق "جهل مقدس" بتعبير أولفييه روا، حيث الدين بلا ثقافة، أو بالأحرى بدون سؤال معرفي عميق يتجاوز تكرارية الطقوس التعبدية إلى معناها وامتدادها الإجرائي سلوكاً وممارسة.

ما الحالة اليوم في سياق التجهيل المستمر؟ هل نقول لا جديد تحت الشمس؟ وأن النهاية محسومة لفائدة الكبار، وأن المعوّل عليهم من النخب موزعون بين الهنا والهناك، ومنشغلون أساساً بأحلامهم وعندياتهم، وأننا حيارى لثلاث مسارات على الأقل: ماضويون يتوجهون نحو المستقبل من خلال بوابة الفائت، وحداثيون يسلكون طريقاً نحو الغد، عبر القطيعة مع الأمس، وانتقائيون ينتصرون للترميق (البريكولاج)، يتسوقون ما يحتاجونه من "سوبر ماركت" التقليد والحداثة في آن؟

التجهيل هو رهان استبدادي يرمي إلى صرف الشعوب عن قضاياها المصيرية وتحويل أنظارها عما يتوجب الاشتغال عليه والانهمام به.

عبد الرحيم العطري

كل ذلك لنبقى جميعاً في متاهة الحيرة والتردد، حيث دولة القوة بدلاً من دولة الشرعية والمؤسسات، ودولة الولاءات والأشخاص بدلاً من دولة الاستحقاق والتعاقد، وهي الحيرة ذاتها التي تُخصب عناصر التجهيل وتديم الاستبداد وتؤجل التغيير، فهل يصدق علينا ما انطبق يوماً على حمار بوريدان؟

لقد وضعنا الفيلسوف الفرنسي جون بوريدان (1295-1358) أمام مفارقة مثيرة، ما زال اللجوء إليها مجدياً في علم المنطق.

إذ يقترح علينا وضعية حمار منعنا عنه الأكل والشرب لمدة معلومة، وبعدها وضعنا أمامه سطل ماء وكومة برسيم، فما الذي سيختاره أولاً؟ الماء أم البرسيم؟

يجيب بوريدان بكل امتلاء: "كل الإجابات صحيحة، لكن الإجابة الأصح هي التي تدور في ذهن الحمار، ولربما سيموت الحمار، وأمامه المأكل والمشرب، دون أن يختار أياً منهما، نظراً لتردده بين الاختيار وعدمه".

فمتى نختار الانعتاق من قبضة أسيادنا وأسياد العالم الجدد بتعبير زيغلر؟ أم أن التجهيل فعل فعلته فينا ولن يكون قدرنا أحسن من مآل حمار بوريدان؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي