إن رسالة "ثوار" النسخة الجارية من الربيع العربي، واضحة لا لبس فيها، إنهم يريدون "ديناً لله ووطناً للجميع" وفق دولة مدنية يحكمها التعاقد بين مختلف الحساسيات، تحت السيادة المطلقة لقيم العدل والكرامة والحرية.

في كل البلدان العربيةوجود بَيِّنٌ أو مُسْتَتِرٌ للطائفية، بعضها يُعلن عن وجوده سياسياً ودينياً كما هو الحال في لبنان وسوريا والعراق أساساً، والبعض الآخَر يُوثِرُ التخفِّي ويتحين الفرص للظهور، ليعلن عن "هوياته الإطلاقية" عبر مضامين ثقافية وعرقية ودينية، مثلما هو الأمر في المغرب والجزائر والبحرين ومصر وباقي الدول العربية.

فهذه بلاد مزقتها الطوائف كما قال سعد الله ونوس يوماً، وأفضت بها إلى مآلات الاقتتال والتناحر باسم القبيلة والطائفة والعرق و"الهوية القاتلة".

هذه بلاد مزقتها الطائفية، فهل من بديل مواطناتي آخر؟ وهل من احتمال للخروج من لعنة "الهويات القاتلة" بتعبير أمين معلوف، إلى وطن بصيغة الجمع والاختلاف؟ وهل يمكن للربيع العربي، في نسخته الجارية، أن ينتصر على العرقية والطائفية، ويؤسس بالتالي لواقع جديد من الاندماج الإنساني تحت راية الوطن؟

تُشير الطائفية إلى موقف آيديولوجي يتّسم بالانغلاق حول الذات، واستعداء الآخر المختلف والمخالف، ومبررها في ذلك أساس اعتقادي يستمد أطره المرجعية من أصول دينية أو عرقية أو سياسية أو ثقافية بالمجمل. إنها تدل على واقع من "الكاسْت الهوياتي" (الكاست: الجماعة المغلقة)، الذي يعلن امتلاك الحقيقة والفارقية، مشتغلاً بالمظلومية لتصريف مواقفه واستراتيجياته الدفاعية والهجومية.

فالطائفية لا تبقى عند حدود الدفاع عن الحق في التنوع الثقافي وحماية الشعوب الأصلية واللغة الأم ورفع الظلم التاريخي عن بعض الفئات المجتمعية، ولكنها تصير أكثر عنفاً وشراسة عندما تتسربل بِلَبُوسٍ ديني، وتعمل بمنطق تكفيري إقصائي، يرى في كل آخَرَ مختلفٍ، عدوّاً لدوداً، يجب تصفيته وإلغاؤه من حلبة الصراع المجتمعي.

هنا ننتقل إلى مقامات التطرف والعنف والإرهاب، لينكشف الوجه المقيت للطائفية في شكل حروب إبادة وتقتيل وتناحر، يعيد الإنسانية إلى "حيوانيتها" الأولية، حيث "حرب الجميع ضدّ الجميع"، اعتقاداً بالتفوق وانهماماً بالسيطرة.

الإشكال الحقيقي الذي تعيشه الطائفية، في مختلف صيغها، هو أنها تريد بناء ذاتها عبر تدمير الآخر، بمعنى أنها لا تقبل إلا بمعتقدها العرقي أو الديني أو السياسي أو الثقافي واقعاً وبديلاً لذات الواقع، إنها اليقينية المطلقة التي تجعل مُعتنقَ الفكر الطائفي، رَائياً لنفسه، كائنا فوق الجميع، يُشرِق معنى كل شيء من مسكنه الآيديولوجي، فيما الآخرون على ضلال مبين.

أما المأزق الثاني الذي تعيشه الطائفية باستمرار، فهو كونها تريد، وبالقوة، أن تعيد تشكيل العالم وفق عدتها العقدية الماضوية في الغالب، إنها تريد تأويل الوقائع والأشياء بما يتيحه نسقها الثقافي المحصور في جذوره الأولية القديمة والمُؤَسْطَرَةِ، مع الإلغاء التامّ لكل"محاولة تأويل" خارج مسالك الجماعة والطاعة والولاء.

وهذا ما يقودنا إلى مأزق آخر مفتوح على التمثل السكوني للهوية، فالطائفية تؤسس وجودها على فكرة الهوية والانتماء، وتحديداً في معاني الخصوصية والفرادة والتمايز من الأغيار، إلا أنها تؤكّد دوماً فهماً منغلقاً للهوية، غير قابل للتفاعل والتلاقح الحضاري، بسبب الوثوقية والمطلقية اللتين تستند إليهما.

وهذا ما يقودها إلى سَنِّ معايير اجتماعية تمنع الزواج الخارجي من طوائف مضادة، بل وتلجأ إلى قتل من يخرج عن هذه القاعدة، أو التبرُّؤ منه وطرده من ذات النسق كما هو الحال لدى"كاست السيخ" في الهند.

ذلك أن الطائفية تؤمن بالحقيقة المطلقة التي تتوكأ على "سلطة الشبيه"، وعليه فإنها لا تجد حرجا في "نفي" المخالف، توكيداً لثقافة الإجماع والتشابه.

والحال أن الطائفي الذي تَشكَّلَ وعيه، أو لنقل تم تعليب وعيه ومخياله، ضمن هذه الإشكالات والإخفاقات الهوياتية، لا بد وأن يشتغل بمبضع الحد الكامل والحد المشوه في اجتراح معانيه وعلاقاته اليومية، إذ يرى في الشبيه انتماءً لمحور الخير والفلاح، فيما يُعَدّ المختلِف مصدر الشر وموطنه، ولا سبيل للانتهاء من شره المستطير، إلا بالإلغاء أو الاستقطاب.

علما أن الطائفية في الوطن العربي سارت وتسير وفق التحييد والنفي، ولو على مستوى رمزي. ما يبرر مخزون العنف الذي تكتنزه، وتحدد به مسلكيات استعدائها للطوائف الأخرى.

إن الدرس القوي الذي يجري الآن في ساحات بغداد والجزائر وبيروت، هو أن الشعوب العربية هي على درب الاستفاقة من منومات الطائفية،وأنها على سكة التغيير نحو الولاء للوطن بدل التشنج الأعمى لمقولات دوغمائية متصلبة.

فالذين خرجوا في لبنان والعراق داعين إلى وقف النزيف وإعادة توزيع عوائد التنمية على الجميع، لم ينضبطوا لقرارات ممهورة بتوقيع الطوائف، ولا رفعوا شعاراتها وقمصانها الهوياتية، إنهم يهتفون بصوت الوطن لا غير، وتلكم ضربة موجعة للنماذج الإطلاقية، التي حاولت أن تركب على الثورة وتعلن تملُّكها.

جدير بالذكر أن الطائفية ليست قدَراً غير قابل للتجاوز في الحالة العربية، ونزول الشباب اللبناني إلى الشارع، وهو غير معتمر لأي قبعة طائفية، يؤكّد إمكان تجاوز هذا الورم الخبيث، الذي سعت وتسعى، جهات متعددة لتجذيره، واعتباره حقيقة ثابتة لا يمكن التخلص منها، وأنها وفي كل تدبير للآتي، ينبغي أن تكون جزءاً من الحل.

لهذا يلاحظ أن ما عرفه العالم العربي من تناحرات طائفية لم يكن ممكنا تدبيره إلا بالتسوية والمحاصصة أحياناً كما حدث في لبنان وسوريا والعراق.

بالقدر ذاته وأكثر الذي تعبّر فيه الطائفية عن تَصلُّب في المواقف والمعتقدات، فإنها تدل على هشاشة قصوى في الأطروحة المؤسسة لوجودها، وحتى في ممكنات استمراريتها، فكل الطائفيات عبر التاريخ تعلن عن إفلاسها ولو بعد حين، ما يعني أن المستقبل للاختلاف لا للائتلاف المتوحش والمتصلب، وأن الأوطان المتناغمة والمندمجة هي الأقدر على كسب التحديات وتحقيق النجاحات، فيما الأخرى التي تفكّر بمنطق القبيلة والطائفة، لا يمكنها الخروج من إسار التخلف والماضوية، لأنها، وبكل بساطة، لم تستطع قتل "الأنانيات الآيديولوجية" في عقلها الجمعي.

لنعترف بـأن الطائفية، في الأصل، هي ذات أفق ضيق في الرؤية والمدى، وأنها لن تستطيع الصمود طويلاً في ظل تحوُّلات قيمية وعالمية كبرى، تتحطم فيها الحدود، وتُبنى فيها مفاهيم المواطن الرقمي والإنسان الكوني والهويات العابرة للثقافات، أي إنها تحقق "نجاحات" ظرفية في كثير من الأنساق بسبب "عرضها الثقافي" و"سلاحها الآيديولوجي"، الذي ما زال يغري زبناء ومريدين.

كما أن صناع القرارات والمحن، داخليّاً وخارجيّاً، يجدون فيها آلية فاعلة لتكريس الجمود والتسلط وتحقيق الأرباح السياسية، وذلك عبر قاعدة "فَرِّقْ تَسُدْ". إلا أنها وعلى الرغم من هذه النجاحات المؤقتة، فإنها تعبّر عن فشل ذريع في تغيير الواقع نحو الأفضل. فماذا كانت حصيلة الطائفية التي غذّتها الإدارة الأمريكية، ورعتها الأنظمة المحلية، في العراق؟ وماذا كانت حصيلة التسويات الطائفية في لبنان؟

الجواب نكتشفه في لافتات المحتجين التي "انقلبت" على كل "العباءات الطائفية"، وهي تطالب بالعيش الكريم لا غير، تحديداً تحت راية وطن يؤمن بحق الجميع في الوجود والاختلاف، ذلكم هو الدرس الذي يُفترض أن يتعلمه كل "تجار الطائفية" في العالم العربي.

وعليه، فإن رسالة "ثوار" النسخة الجارية من الربيع العربي، واضحة لا لبس فيها، إنهم يريدون "ديناً لله ووطناً للجميع" وفق دولة مدنية يحكمها التعاقد بين مختلف الحساسيات، تحت السيادة المطلقة لقيم العدل والكرامة والحرية.

إنهم يجهرون بها، صراحةً، في بيروت وبغداد، يريدون وطناً خارج حسابات السنة والشيعة والدروز والكاثوليكية والبروتستانتية وما إلى ذلك من طائفيات، لإعادة كتابة تاريخ جديد، ينتصر للإنسان كإنسان، بغضّ النظر عن أصوله الثقافية والدينية والعرقية، فهل سيعي صانع القرار العربي هذه الرسالة الواضحة؟ أم إنه سيُمعِن في تعميق "الهوة الطائفية" لتحقيق أرباح قصيرة المدى؟

مهما تكُن قرارات وتسويغات الحاكم العربي، فإنها لثورة ضد الطائفية، وأساساً ضد من يتاجرون بالوطن والقضية في بورصة "الأنانيات الهوياتية".

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي