يتحدث هشام الهاشمي الذي تم اغتياله أمام بيته في بغداد يوم 6 يوليو/تموز في مقاله عن احتجاجات العراق ودور الأحزاب السياسية الشيعية، والنفوذ الإيراني في العراق.

توجد تســاؤلات عـدة تجــول في خاطــر مــن يتابــع الحراك الاحتجاجي العراقي حــول أســباب الصعــود المفاجئ لتظاهرات تشرين 2019، بهــذه القــوة التــي مكنتهــا مــن الصمود حتــى أكملت 100 يوم وزيادة، ولا تزال مستمرة.

إذ ساهم الوضــع الداخلي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في صمود الشباب السلميين، وهيأت مجموعــة الظــروف المحيطة لهــذه الاحتجاجات عوامل الصمود التــي تمثلت فيما يلي: لا يمكن النظر إلى تظاهرات تشرين 2019 بمعزل عن الحراك الاحتجاجي الشعبي بعد عام 2011، ورؤاه في النظام والتشريعات ولوبيات الفساد وتسلُّط السلاح خارج القانون، الذي تحصر أدبياته أحقية أحزاب معينة في تقاسم سلطات العراق وثرواته تحت عنوان المحاصصة الطائفية والقومية، باعتبار ذلك عرفاً سياسياً لا يمكن تجاوزه بعد عام 2003.

اقرأ للكاتب أيضا:
العراق وتصفية الحسابات الأمريكية-الإيرانية

وهــذا ما ساهم في ظهــور قــوة احتجاجات تشرين، كـذلك فإن هــذا الاحتجاج انطلق بمحرك الوطنية الديمقراطية والسلمية، وقــد وجــد في شباب محافظات الجنوب والوسط بديــلاً أقــل ضرراً مــن شباب المحافظات الشمالية والغربية الذين إذا خرجوا للتظاهرات فسوف يجري اتهامهم بالانفصال أو الإرهاب، ويمكن للسلطة في بغداد اعتبارهم أداة لإضعاف كل الاحتجاجات.

رؤيــة المراقب الغربي والعربي عموماً أن شباب محافظات الجنوب والوسط هــم مــن يستطيع التغيير والإصلاح، فالأحزاب السياسية المسيطرة خرجت مــن رحم تلك المحافظات وأغلــب الفصائل المسلحة الشيعية هي من تلك الجغرافيا، لذلـك تسعـى هــذه الاحتجاجات جاهدة إلى إضعاف تسلُّط هذه الأحزاب وفصائلها على سلطات محافظاتهم وثرواتها.

ويرى عــدد مــن الــدول الإقليمية وبخاصة الخليج أن وجــود أحزاب شيعية عروبية أو دينية وطنية في العراق هــو أقــل خطــراً عليهــا وعــلى مصالحهــا مــن سيطرة الأحزاب الدينية الشيعية وفصائلها المنسجمة مع سياسة إيران ومنهجها في المنطقة، بخاصة في ظــل زيــادة معــدل التصعيد الأمريكي-الإيراني في المنطقة، كــون الشـيعة العروبيين أو الشيعة الوطنيين، وعــلى الرغــم مــن شــعاراتهم المناوئــة لإسرائيل وأمريكا عمومــاً، لا تتحول شعاراتهم إلى سلوك عنيف عــلى الأرض.

إن القــوة التــي ظهــرت بهــا احتجاجات تشرين ليســت قوتهــا الحقيقــة، وإنما هي قوة امتدادها الجغرافي في الوسط والجنوب، فلولا ذلك لقُمعت كما قمعت وشوهت احتجاجات المناطق الغربية عام 2013، وقــد راهنت الأحزاب المسيطرة على الوقت لتتقلص الجماهير الملتفة حول المتظاهرين السلميين مــع مــرور الزمــن بانفراط التعاطف الشعبي والمرجعي والعشائري معهم، لتعــود إلى حجمها الحقيقي، بخاصة إذا ما جرى الإسراع في تشكيل الحكومـة وتسليم رئاسة مجلس الوزراء لمرشح غير جدلي ولا تعترض عليه التجمعات في ساحات التظاهر.

اقرأ للكاتب أيضا:
العراق: الأزمة ومكامن الخروج منها

كذلك فإن الظــروف التــي مكنــت شباب التظاهرات مــن الصمود هــي ظــروف آنيــة في بيئــة معادية لإدخال العراق طرفاً في الصراع الأمريكي-الإيراني في المنطقة، أمــا ارتباط الأحزاب السياسية المسيطرة بإيــران وولاية الفقيه فهــو ارتباط ظاهـر، على الرغــم مــن إنــكار بعــض قــادة الأحزاب هــذا الارتبــاط، ومحاولة تبريــره مــن قبــل آخريــن، كــون قادة الأحزاب والفصائل الإسلامية مرتبطين فقهياً وسياسياً بإيران.

فشــعار الأحزاب وفصائلها وسياستها الإعلاميــة وخطابها السياسي تـدل عـلى الارتباط بمفهوم ولايــة الفقيــه، كــما يجــب أن نعترف بأن إيــران قــد أوجــدت لهــا عمقاً في وسط العراق وجنوبه.

كمراقب لطرح قادة الأحزاب السياسية المسيطرة خلال احتجاج تشرين وتعاطيهم، جرى التركيز على عملية طرح المطالب كمحور يتحدى مكاسبهم السياسية بعد انتخابات 2018، ولـيس عـلى إيجاد أدوات حـل المشكلات التي شخصتها التجمعات السلمية للمتظاهرين.

مــا ســبق يعنــي أن انتصار احتجاجات تشرين على الأحزاب المسيطرة يعنى انهيار أقــوى أوراق إيــران في العراق والمنطقة، إذ ســيتقلص نفوذها داخــل المحافظات العراقية ذات الغالبية الشيعية ويستنزف اقتصاد إيران بقوة العقوبات الاقتصادية الأمريكية، ولــن تقوى عــلى مراجعة خطواتها، بخاصة بعد هزيمتها ووكلائها في جغرافيا يُفترض أنها مضمونة، ولــن تتمكــن مثــلاً مــن إكمال مشروعها في تصدير الثورة عبر طريق الهلال الشيعي/طريق طهران بيروت.

ومــا ســوف يتبقــى للأحزاب المسيطرة ثــلاث خطوات أساسية للمناورة السياسية، أولهـا التنازل للأحزاب الكردية والسنية وفق مبدأ "دع لي وأدع لك"، الخطوة الثانيــة هــي مسايرة دول الخليــج العربي وفتح علاقات اقتصادية جيدة من أجل تيسير الهدوء مع أمريكا والغرب، أمــا الخطوة الثالثــة فهــي التمهيد للخروج عن محور المقاومة واعتماد مبدأ المقاومة الوطنية غير العابرة للحدود.

وعند ذلك يجــوز القــول إن الحراك الاحتجاجي العراقي الجديــد لا يتوافق ومشروع محور المقاومة في تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية خارج حدود إيران، وإن جزءاً من مطالب المحتجين موجـه إلى تحجيم نفوذ إيران في العراق، عبر تحييد دور الأحزاب المسيطرة التي ترتبط بإيران وتحجيمه، والتي يبـدو أن خياراتها باتــت محـدودة، وأنهــا ســترضى في محصلة هــذه التوازنــات الإقليميــة والمحلية بتقليص الــدور الوظيفـي المطلـوب منهــا، شــاءت ذلــك أم أبــت.

فالقوى المؤيدة للتعاطي الحكومي البطيء مع الأزمات المتراكمة، تعاطت مع الاحتجاج على مرحلتين: الأولى تقسيم فئات المحتجين إلى سلمي ومندس وذلك لإضعافهم وتقليل تعاطف الرأي العام العراقي والدولي، والأخرى هي استثمار العدوان الإسرائيلي والأمريكي لمعسكرات الفصائل العراقية وقياداتها لمنع استمرارية الاحتجاج، إذ أخذت باتهام كل من يتعاطى مع استمرارية الاحتجاج بأنه عميل لأمريكا وغير مبالٍ بتضحيات الحشد وغيرها من الاتهامات التي ساقها هذا الفريق بطريقة مندفعة ومجنونة.

أما قيادات الأحزاب السياسية المعارضة (سائرون، والنصر، والحكمة..) فقامت بالتعاطي مع طـرح المطالب على مرحلتين أساسيتين: الأولى هي قبول المطالب كمشكلات حقيقية قائمة كما هي وحلها، والثانية عدم تحدي التظاهرات السلمية بالقمع الأمني وبعدم التجاوب الحكومي.

للمزيد حول الموضوع، اقرأ:
اغتيال الهاشمي.. دعوات دولية لمحاسبة القتلة وإقالة قائد في الشرطة

المرجعية في النجف نصحت بإيجاد حلول اقتصادية وسياسية مقترنة بالاستجابة السريعة للممكن من المطالب، لكن الحكومة توغلت في مرحلـة تحـدي المتظاهرين، الأمر الذي وسع دائرة الصراع وأدى إلى ظهور المزيد من الأزمات الجديدة.

القوى السياسية السنية تعاطت مع الاحتجاج وفق تجربتها القاسية بعد الاحتجاجات السنية 2012-2013 وصاغت لنفسها موقفاً مركباً من التعاطف مع المحتجِّين، ومنع تمكينهم من الاحتجاج في جغرافيا سلطتهم، وهم يعتقدون أنه لا بد من الاستفادة من الاحتجاج عن طريق الاستفادة من هدف الاحتجاج (تغيير سلوك النظام الذي تسيطر عليه الأحزاب السياسية الشيعية) والاستثمار في المحاصصة لتعديل نسبة تمثيلهم الحكومي في تقاسم السلطة بناءً على ضعف الأحزاب المسيطرة.

القوى السياسية الكردية تعاطت مع الاحتجاج وفق استراتيجيتها الثابتة، قوة الإقليم بضعف الأحزاب السياسية الشيعية المسيطرة في الحكومة الاتحادية، وهي تجيد اغتنام الفرص والتفاوض والمناورة المقيدة، وتجري هـذه الاسـتراتيجية عـن طريـق مراقبة الهشاشة في التماسك داخل البيت السياسي الشيعي ثم الاقتراب من الجهة التي من شأنها تلبية مطالبها القومية.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبر بالضرورة عنTRTعربي.

المصدر: TRT عربي