على هؤلاء اللاعبين أن يستمرّوا باللعب مهما بلغ الأمر، بدعوى أنّ المادة الأولى من النظام الأساسي للاتحاد تفرض احترام مبدأ العلمانية في كرة القدم، ما يفرض عليهم الاستمرار في إجهاد أبدانهم/ صورة: AFP (AFP)
تابعنا

لا شيء في فرنسا يعلو فوق "قيم الجمهورية"، حسبما يُفهم من مزايدات سياسية ومداولات إعلامية تستعمل هذه "القيم" ذريعة للتفرقة أو حجّة لضرب قيم سامية ومبادئ نبيلة كان يُفترض أن تحظى بالحماية، وهو ما يعرف بالمكارثية. وهي تلك الطريقة الملتوية في اغتيال الخصوم السياسيين معنوياً لتحقيق غايات معينة، بأساليب غير ديمقراطية.

من جديد الموسم أنّ قيم الجمهورية (إيّاها) تسلّلت إلى الملاعب الفرنسية أيضاً فداست في طريقها التزامات إنسانية وأخلاقية مبدئية تتعلّق باللاعبين المسلمين.

جاء الأمر عندما قرّر الاتحاد الفرنسي لكرة القدم حرمان اللاعبين المسلمين الصائمين في الدوري الوطني ارتشاف الماء أو قضم الفاكهة خلال المباريات عندما يحين موعد إفطارهم، وشدّد على أهمية التزام الحكّام عدم وقف اللعب مؤقتاً انصياعاً للعلمانية، كما يفهمها الاتحاد.

على هؤلاء اللاعبين أن يستمرّوا باللعب مهما بلغ الأمر، بدعوى أنّ المادة الأولى من النظام الأساسي للاتحاد تفرض احترام مبدأ العلمانية في كرة القدم، ما يفرض عليهم الاستمرار في إجهاد أبدانهم، وإن تجرّد القرار الفجّ من المغزى الإنساني والسمة الأخلاقية والجدوى العملية.

هذا ما آل إليه استدعاء "قيم الجمهورية" ومقولاتها المقدّسة في الحيِّز العام الفرنسي، فهي تنتصب مبرِّراً للتضييق على فرص حضور المسلمين والمسلمات في المشهد العام الذي يجنح نحو أقصى اليمين، وتشديد الخناق على خصوصياتهم الدينية والثقافية في اللباس والسلوك. وقد ظلّت هذه "القيم" ذريعة لتمرير خطاب الكراهية حسب خبرة الصحيفة الساخرة "شارلي إيبدو" مثلاً؛ التي حظي نهجها الشهير في الازدراء بحماية أدبية متذاكية من سادة الإليزيه وقيادات الدولة وشخصيات المجتمع.

تطلّ عقيدة "قيم الجمهورية" برأسها خلال مواسم المطاردة الثقافية الرمزية لمسلمي فرنسا، الذين يشكِّلون أكبر مكوِّن مسلم على المستوى الأوروبي. من المألوف في السياق الفرنسي تصوير هذه "القيم" على أنها مُهدّدة، ما يستدعي "حمايتها" عبر مزيد من خطوات الحظر والتضييق والتفرقة التي تستهدف المسلمين والمسلمات بصفة انتقائية.

لا يُبدي المنهمكون في هذه المزايدات استعداداً للنقد الذاتي، أو الشكّ في مقولاتهم القابلة لأن ترتدّ عليهم بالأحرى. فما يتبقّى من شعارات الجمهورية، مثل الحرية والمساواة والإخاء، مثلاً، عندما تُمارس التفرقة باسمها ويُحرَم مواطنون ومواطنات بذريعتها حقوقاً وحريات بسيطة يُفترض أن تبقى مكفولة للجميع أساساً، من قبيل الحقّ في اختيار اللباس، أو فرصة ارتشاف الماء في لحظة مخصوصة، أو الحصانة من ازدراء المعتقدات وإهانة المقدّسات؟!

حرم الاتحاد الفرنسي اللاعبين المسلمين شربة ماء أو قضمة فاكهة، كاشفاً النقاب عن المدى الذي بلغته حمّى المطاردة الثقافية التي تستقوي بمبرِّراتها النمطية. تسلّلت "المكارثية الجمهورية"، بتعبير أكاديميين فرنسيين ناقدين، إلى المستطيل الأخضر، ووضعت اللاعبين المسلمين في المباريات الفرنسية، عملياً، في مواجهة اختيار قهري بين الكفّ عن التزام شعيرة الصيام، أو المخاطرة بصحتهم البدنية وأدائهم الرياضي، بدعوى أنّ احترام العلمانية يقتضي ذلك.

ما كان لفرنسا أن تتدهور إلى هذا الحدّ من أدلجة الشعارات وصرامة التأويلات لولا انهماك نخبة الحكم والمعارضة في خطابات تصعيدية موسماً تلو آخر؛ مثلاً ضد قيام نساء وفتيات مسلمات بستر الشعر، أو ضدّ حضور المنتجات الحلال على أرفف المتاجر الفرنسية، أو ضد مراعاة خصوصيات التلاميذ المسلمين في مقاصف المدارس، بدعوى أنّ السماح بهذه المظاهر البسيطة يهدّد "قيم الجمهورية" أو ينال من علمانية الدولة بالأحرى. تفاقمت هذه المزايدات مع منحى الاستقطاب السياسي والتسخين الحزبي في فرنسا مع الانزلاق المتزايد نحو مضامين أقصى اليمين وأولويّاته التقليدية.

وإذ تبقى فرنسا عالقة مع عجزها عن استيعاب التنوّع الكامن في أحشائها، بدعوى الحفاظ على "قيم الجمهورية"، فإنّ الانفتاح على مظاهر التنوّع يمضي بسلاسة في بلدان وأقاليم أوروبية أخرى. فالمباريات الإنجليزية تمنح اللاعبين المسلمين فرصة التوقّف عن اللعب لأجل الإفطار، كما يجري مثل هذا في ملاعب أوروبية أخرى دون ضجيج أو تعقيدات. لم تنشب زوابع في بريطانيا عندما كان نجم الكرة محمد صلاح يسجد لله شكراً بعد إحرازه الأهداف الأخّاذة، أو عندما نشر رئيس وزراء اسكتلندا الجديد حمزة يوسف صوره وهو يؤمّ أسرته للصلاة بعد انتخابه للمنصب الذي يشغله مسلم للمرة الأولى في السياق الأوروبي الغربي.

تنأى المسافة بين هاتيْن الخبرتين الفرنسية والبريطانية عن أن تكون بين بلديْن متجاوريْن، فهي بين عالميْن تقريباً، ويمكن العثور على تناقضات وتبايُنات شبيهة عبر أوروبا. ففي مملكة السويد، التي كانت حتى عهد قريب مثالاً للانفتاح الثقافي واحترام التنوّع والتعامل الودود مع المسلمين وجدت حملات كراهية مقيتة فرصة رحبة للتمدّد فيها بذريعة "حرية التعبير". استلّ السياسي المتطرف الأرعن، راسموس بالودان، من تقاليد العصر الأوروبي الوسيط أسلوبه المفضل في التسخين الجماهيري عبر حرق الكتب بدم بارد، فاقترف الفعلة مراراً وتكراراً بصفة استفزازية رعناء في ميادين عامّة بحقّ المصحف الشريف تحديداً، تحت حماية أجهزة تنفيذ القانون.

كشفت هذه الممارسات الصادمة عن امتداد التدهور القيمي إلى الشمال الأوروبي الهادئ، حيث تُستعمَل قيم نبيلة، مثل "حرية التعبير"، أداة لضرب قيم ومبادئ سامية لا غنى للسلم الاجتماعي والوئام الأهلي والتعايش الإنساني والاحترام المتبادل عنها.

يصرّ هذا السياسي المتطرِّف على حرق المصاحف بحماية السلطات بغرض إذلال المسلمين واستفزازهم وإيذاء مشاعرهم. شجّعت "دولة القانون" في مملكة الشمال الاسكندنافية هذا العبث عندما ألغت محكمة استئناف إدارية سويدية في أبريل/نيسان 2023 حظر حرق المصاحف خلال المظاهرات، بعد أن منعت الشرطة بعض هذه الممارسات وسمحت ببعض.

إنّ انزلاق الحياة العامّة إلى مزايدات تصعيدية أو رضوخها لنزعات مكارثية تستهدف مكوِّنات مجتمعية معيّنة ليس في حقيقته أمارة عافية، فهو مؤشِّر على أزمات كامنة في أحشاء الديمقراطيات. يبدو الواقع السياسي الفرنسي، مثلاً، شاهداً على تجاهل طبقة الحكم الوالغة في هذه المكارثية مطالب الشارع المُثقل بالقضايا المطلبية، حتى إنّ الحُكم توسّع في اللجوء إلى صلاحيات استثنائية في الدستور وتجاوُز البرلمان لتمرير تشريعات معيّنة.

كما أظهرت الحالة النمساوية أنّ استشراء المكارثية لا يكتفي بتهديد مصالح المكوِّن المجتمعي المُطارَد وحسب. فقد صعدت في جمهورية الألب خلال عقد مضى قيادة سياسية شابّة عبر ائتلاف اليمين وأقصى اليمين، انهمكت في مطاردة مسلمي النمسا بلا هوادة. أنجزت قيادة المستشار سباستيان كورتس، انقلاباً على تقاليد الانفتاح النمساوية على المسلمين والتنوّع الثقافي، وأسرفت في استهداف المساجد والأئمة وتمويل المراكز والجمعيات الإسلامية ولباس التلميذات المسلمات وعمل رياض الأطفال المسلمين وتوزيع المصاحف في الأماكن العامّة وغير ذلك، ثمّ اختصت المسلمين بأوسع حملة أمنية في تاريخ الجمهورية (نوفمبر/تشرين الأول 2020). صعدت المكارثية في عهد المستشار كورتس بذريعة مطاردة ما يسمّى "الإسلام السياسي"، لكنّه أمعن في الوقت ذاته في تركيز النفوذ وتجاوز القانون وجرّ من ورائه حزمة ثقيلة من قضايا الفساد والتلاعب على نحو لم تشهده النمسا من قبل، فهوى وتدحرجت معظم رؤوس تلك المرحلة تباعاً تحت وطأة فضائح لا تزال ذيولها تتوالى.

لا تفتقر أوروبا إلى تجارب انفتاح وحالات نجاح في التعامل مع المسلمين، لكنها لا تطمس دواعي القلق في أرجاء القارة، حيث يجد المسلمون أنفسهم عرضة لحملات مكارثية وسياسات متحاملة وإذلال رمزي يمتهن مقدّساتهم بذرائع قيمية ساطعة. يصعب على الأجيال المسلمة الجديدة، مثلاً، استيعاب حقيقة أنّ القرآن الكريم تحديداً هو الكتاب المقدّس الذي منع القانون في دولة أوروبية توزيعه في الأماكن العامّة دون غيره من الكتب المقدّسة (النمسا، 2018)، وسمح القضاء في دولة أوروبية أخرى بتنظيم فاعليات استفزازية مكرّسة لإحراقه في الميادين (السويد، 2023)، واستهدفته رسوم كراهية في بلدان أخرى بحملات ازدراء تحت حماية سياسية وتبجيل إعلامي ومباركة ثقافية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً