العلم الأسترالي بجانب العلم الإسرائيلي. وكانت الحكومة الأسترالية تراجعت عن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، معتبرةً القضية من قضايا الحلّ النهائي (Others)
تابعنا

في أثناء انعقاد الدورة السابعة والسبعين للجمعية العامة فوجئ العالم والعرب والفلسطينيون بتصريحات غريبة لرئيسة الوزراء البريطانية ليز تراس، التي فقدت موقعها قبل أيام، تشير إلى نيّتها نقل سفارة بلادها من تل أبيب إلى القدس على طريقة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، الذي لم يكن يؤمن يوماً بشيء اسمه القانون الدولي.

ومع أننا لم نسمع أصواتاً عربية وإسلامية عالية تندّد بهذا التوجه وتحذّر من عواقبه، فإننا نعتبر أن الرد البليغ على تصريحات تراس، التي تتفاخر بصهيونيتها، بنفس طريقة الرئيس الأمريكي جو بايدن، جاء من أحد أركان الكومنولث البريطاني، وزيرة خارجية أستراليا بيني وونغ، التي صرحت يوم الثلاثاء 16 أكتوبر/تشرين الأول بأن "الحكومة أعادت اليوم تأكيد موقف أستراليا السابق والثابت بأن القدس قضية من قضايا الوضع النهائي التي يجب حلها كجزء من أي مفاوضات سلام بين إسرائيل والشعب الفلسطيني، ولن نتبع نهجاً يقوّض تلك الفرص".

الحكومة الإسرائيلية أدانت هذا التراجع، واستدعى رئيس الوزراء يائير لابيد السفير الأسترالي لدى تل أبيب بول غريفيث، لتوضيح الخطوة التي أقدمت عليها بلاده، فيما رحب الفلسطينيون بهذه الخطوة التي اعتبروها خطوة في الاتجاه الصحيح وعبّروا عن امتنانهم للحكومة الأسترالية.

وكانت حكومة المحافظين في أستراليا بقيادة سكوت موريسون اعترفت يوم 15 ديسمبر/كانون الأول 2017 بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل بعد أقلّ من أسبوعين من قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب يوم 6 ديسمبر 2017.

ونودّ أن نناقش في هذا المقال الأسباب التي جعلت تراس تفكّر في نقل السفارة إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، فيما تراجعت حكومة الوسط العمالية في أستراليا عن خطيئة ارتكبتها قبل خمس سنوات حكومة المحافظين لتعود إلى الموقف السليم المنضبط على قاعدة القانون الدولي.

القدس والقانون الدولي.. مراجعة مهمة

لقد مرّت على القدس ثلاث مراحل في تعاطي القانون الدولي معها منذ وعد بلفور حتى الآن:

أولاً: ثورة البراق عام 1929

على أثر الاشتباكات بين العرب واليهود عام 1929 وسقوط عدد من الضحايا، أرسلت عصبة الأمم وفداً دولياً من ثلاثة خبراء للتحقيق في الأحداث، أطلق عليه لجنة بيل.

وقد أدرك آنذاك الحاج أمين الحسيني أهمية التحقيق فقرّر دعوة 14 عالماً من كبار العلماء والمختصين من العالمين العربي والإسلامي للمثول أمام لجنة التحقيق. صدرت نتائج لجنة التحقيق عام 1931، المتعلقة بتحديد وضعية الحرم الشريف كاملاً بما فيه حائط البراق، إذ أقرت اللجنة بعد الاستماع إلى مداخلات الأطراف وحججهم أن "ملكية حائط البراق تعود إلى المسلمين وحدهم، وأنه وقف إسلامي لكونه جزءاً لا يتجزأ من حائط الحرم الشريف الغربي"، كما أقرت اللجنة بحقّ اليهود في "الصلاة الفردية" دون أن يعني ذلك حقّاً عينيّاً في الحائط، فينما بتّت اللجنة بعدم جواز المظاهرات قرب الحائط أو النفخ في البوق.

ثانياً: قرار التقسيم 181 (1947) ووضعية "الكيان المنفصل"

نصّ قرار الجمعية العامة 181 الصادر بتاريخ 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947 المعروف بقرار التقسيم على إنشاء دولتين يهودية وعربية، واستثنى من ذلك القدس لعلم اللجنة المعنية التي اقترحت قرار التقسيم أهمية القدس وموقعها عند المسلمين. نص القرار على اعتبار القدس "كياناً منفصلاً" (Corpus – Separatum) يخضع لنظام دولي تديره الأمم المتحدة عن طريق مجلس الوصاية، الذي سيدير المدينة نيابة عن الأمم المتحدة لمدة عشر سنوات. وقد كلفت الجمعية العامة مجلس الوصاية الإعداد لخطة شاملة لإدارة القدس تشمل تعيين طاقم إداري وهيئات تشريعية وقضائية ونظام يدير الأماكن المقدسة بحيث يسهل الوصول إليها دون أن يمسّ "الوضع الراهن" الذي كانت تتمتع به.

لكن الحرب الإسرائيلية العربية الأولى التي بدأت صباح 15 مايو/أيار 1948 بعد إعلان بريطانيا إنهاء انتدابها على فلسطين أدّت إلى قيام المليشيات اليهودية باحتلال الجزء الأكبر من القدس وبخاصة الجزء الغربي منها، فيما بقي الجزء الشرقي من المدينة تحت سيطرة القوات الأردنية بما في ذلك المدينة القديمة المسورة.

وهكذا أصبحت القدس مدينة مقسمة في الواقع دون الالتفات إلى قرار التقسيم. لم تعترف دولة واحدة في العالم بهذا الاحتلال والضم ولم تفتح أيّة دولة سفارة لها في القدس بما في ذلك الحليف الأهم لإسرائيل الولايات المتحدة، وبقي الوضع القانوني للقدس "كياناً منفصلاً" ولم يجرِ تحدي أو إلغاء هذا القرار، علماً أن الأمر الواقع تجاوزه كثيراً غير أن الأمر الواقع لا يعني إضفاء الشرعية.

ثالثاً: قرارات مجلس الأمن بعد حرب 1967

إن من أهم مبادئ القانون الدولي مبدأ عدم جواز احتلال الأرض بالقوة، وهو ما جاء في ديباجة القرار الشهير 242 (1967) الذي طلب من إسرائيل الانسحاب من الأراضي التي احتلتها في الصراع الأخير.

لكن إسرائيل أعلنت رسمياً توحيد المدينة، كما أقرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرار الضم وجعل القدس مدينة موحدة وجزءاً لا يتجزأ من إسرائيل. فكان رد فعل الأمم المتحدة أن عقدت الجمعية العامة جلسة واعتمدت القرار 2253 بتاريخ 4 يوليو/تموز 1967 ورفضت هذه الإجراءات.

لقد مددت حكومة الاحتلال بموجب مرسومين تشريعيين مهمين اعتُمدا في 27 يونيو/حزيران 1967 قوانين إسرائيل وولايتها القضائية لتشمل مناطق القدس العربية وصور باهر ومطار قلنديا وجبل المكبر والمناطق المجاورة له وشعفاط. وجرى توسيع مساحة البلدية تبعاً لما تقدم بمقدار 70 كيلومتراً مربعاً تضم نحو 70 ألف عربي.

ثم جاء القرار الأممي 252 (21 مايو/أيار 1968) الذي نص على عدم شرعية الإجراءات القانونية والإدارية الإسرائيلية والتي من شأنها تغيير الوضع القائم القانوني والإداري في القدس، وطلب المجلس من سلطة الاحتلال إلغاء هذه التغييرات وبخاصة اعتبار القدس عاصمة للدولة العبرية خلافاً لأحكام قرار التدويل، والتوقف عن ممارساتها. وكررت القرارات 267 (1969) و271 (1969) و298 (1971) المطالب ذاتها وبخاصة مصادرة الأراضي ونقل المواطنين إلى الأراضي المحتلة.

بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع مصر عام 1979 وتبادل الاعتراف شعرت إسرائيل أنها في وضع أقوى بكثير من قبل، فسارعت عام 1980 باعتماد ما سمي "القانون الأساسي" الذي يعتبر رسمياً أن مدينة القدس عاصمة إسرائيل الأبدية والموحدة.

ويهدف القانون إلى تحديد مكانة القدس كعاصمة لإسرائيل وتأمين سلامتها ووحدتها.

كما أقر القانون أن القدس هي مقر رئيس الدولة والكنيست والحكومة والمحكمة العليا.

هذا القرار أثار مجلس الأمن فاعتمد أولاً قرار 476 الذي أكد مجدداً أن "جميع الإجراءات والأعمال التشريعية والإدارية التي اتخذتها إسرائيل والرامية إلى تغيير معالم المدينة ليس لها أي سند قانوني وتشكل خرقاً فاضحاً لاتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين" كما استنكر القرار 478 بأقوى العبارات "سن إسرائيل للقانون الأساسي بشأن القدس ورفضها الامتثال إلى قرارات مجلس الأمن ذات الصلة". واعتبر المجلس ضم القدس إلى إسرائيل انتهاكاً للقانون الدولي وطالب جميع الدول بعدم الاعتراف به وطالب من الدول التي لديها سفارات بالقدس بنقلها إلى خارج المدينة.

وأكد المجلس أن سن القانون لا يؤثر على التطبيق المستمر لاتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب، والمؤرخة بتاريخ 12 أغسطس/آب 1949، في الأراضي الفلسطينية والعربية الأخرى المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس".

الموقفان البريطاني والأسترالي

إن أبسط تفسير لموقف تراس، والذي قد يتحول إلى موقف لحزب المحافظين، يعني بكل وضوح انتهاكاً للقانون الدولي بينما الموقف الأسترالي هو التراجع عن انتهاك واضح وصريح للقانون الدولي.

قد تكون تراس مدفوعة بالانقسامات داخل مجلس الأمن التي تعمقت في معظم القضايا ليس فقط في المسألة الأوكرانية بل في النزاعات في سوريا وليبيا واليمن وإثيوبيا وميانمار وأفغانستان ومالي وغيرها.

كما أن الاهتمام الأعظم لأعضاء مجلس الأمن منذ فبراير/شباط الماضي هو الحرب الأوكرانية ووقوف أوروبا خلف الولايات المتحدة، لكن بريطانيا دائماً تحاول أن تأخذ خطوة متقدمة عن الأوروبيين في العلاقات مع أمريكا.

وبما أن الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل ونقل السفارة قد جرى في عهد ترمب دون أن يكون هناك ردود فعل قاسية لا من الدول العربية ولا من الدول الإسلامية، فلماذا تتردد دولة مثل بريطانيا؟

كما أن هذه الخطوة المهمة جرت أثناء مشاورات حول ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. وتحاول كل من فرنسا وبريطانيا أن يكون لديها السبق في عقد الصفقات مع البلدين، فرنسا مع لبنان وبريطانيا مع إسرائيل.

ولا ننسَ أن في بريطانيا يوجد لوبي صهيوني قوي صنّف حركة حماس "حركة إرهابية" وفرض تعريفاً لمعاداة السامية يكاد يشمل كل من ينتقد السياسات الإسرائيلية.

إضافةً إلى ذلك تعرف تراس، في حالة تنفيذ هذا التوجه، سواء منها أو من حزبها، فلن يكون هناك ثمن سياسي واقتصادي ملموس تدفعه بريطانيا في ظل الانقسامات الفلسطينية والعربية والإسلامية.

أما بالنسبة لأستراليا فقد وعد حزب العمال أثناء حملته الانتخابية أن يتراجع عن قرار موريسون في حالة فوزه.

وهو ما حدث فعلاً، علماً أن ذلك القرار لم يترجم على الأرض، بل بقي قراراً فحسب وبالتالي سهّل الإطاحة به.

إن الدعوة إلى التزام القانون الدولي لم تكن في أي مرحلة أعلى منها الآن بعد الحرب الروسية على أوكرانيا. فكيف تقوم مجموعة الدول الغربية وحلفاء الولايات المتحدة بعقد دورة استثنائية طارئة واعتماد قرارين حول انتهاك روسيا للقانون الدولي وعدم الاعتراف بضمها للمناطق الأربع في أوكرانيا واعتبار حربها انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة، ثم تقوم دولة مثل أستراليا بخطوة رعناء في انتهاك القانون الدولي فيما يتعلق بالقدس؟

أي نفاق أكثر من هذا؟ لقد صححت الحكومة الحالية خطأ كبيراً لم يجرؤ أحد على انتهاكه إلا ترمب، ولم يلحق بترمب إلا هندوراس وغواتيمالا وكوسوفو (وهذه ليست دولة معترفاً بها). فهل تقبل أستراليا أن تقف في صف هذه الحفنة من الدول ضد إرادة 189 دولة؟

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.



TRT عربي
الأكثر تداولاً