تابعنا
بعد مرور 30 عاماً على توقيع الاتفاق، يبدو للعيان أنّ ما حققه للفلسطينيين لا يكاد يُذكَر أمام الاستحقاقات التي قُدّمت بين يديه، والنتائج التي تَمخّض عنها على مختلف الأصعدة.

إذا كانت انتفاضة الحجارة التي اندلعت في ديسمبر/كانون الأول 1987 قد شكَّلت مرحلة فارقة في القضية الفلسطينية، فإنّ اتفاق أوسلو الذي جرى توقيعه في 13 سبتمبر/أيلول 1993 بعد اجتماعات فلسطينية-إسرائيلية متواصلة في العاصمة النرويجية، قد عبّر عن واحدة من أخطر المراحل التي مرّت بها القضية إن لم تكن أخطرها على الإطلاق.

وبعد مرور 30 عاماً على توقيع الاتفاق، يبدو للعيان أنّ ما حققه للفلسطينيين لا يكاد يُذكَر أمام الاستحقاقات التي قُدّمت بين يديه، والنتائج التي تَمخّض عنها على مختلف الأصعدة.

ترحيل القضايا

لقد قُدمت بين يدي الاتفاق تنازلات فلسطينية من الحجم الثقيل، وأهمها إدانة الكفاح المسلح فيما سمّي العنف والإرهاب، والتعهد بإلغاء بنود الميثاق الوطني الفلسطيني التي تدعو للكفاح المسلح ولا تعترف بإسرائيل (أُلغيت بالفعل عام 1996)، فضلاً عن ترحيل قضايا القدس والمستوطنات واللاجئين والحدود والكيان الفلسطيني إلى المفاوضات النهائية التي لم تجرِ حتى الآن.

وبينما اعترفت المنظمة بإسرائيل بشكل واضح وصريح، فإنّها لم تحصل إلا على اعتراف بالمنظمة كممثل للفلسطينيين، دون أن يعترف الاحتلال بحقوقهم ودولتهم، مؤجلاً هذه القضايا للمفاوضات النهائية التي يرفض جميع قادة الاحتلال أن تؤدي إلى دولة فلسطينية فيما لو جرت أصلاً.

وربما تكون قيادة المنظمة ارتأت أنّها تتجه للشطب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، والتراجع العربي مطلع تسعينيات القرن الماضي، وأنّها يجب أن تتدارك نفسها وتحافظ على وجودها على الخريطة السياسية في المنطقة، إلا أنّ هناك آراء تؤكد أنّ هناك عاملاً آخر أكثر أهمية وقف وراء هذا القرار، وهو خشيتها من تراجع دورها فلسطينياً بعد بروز دور بعض القوى في الانتفاضة.

ولذلك، وبدلاً من الانتفاع من فرصة انتفاضة 1987 لتعزيز الكفاح الوطني ضد الاحتلال، والبناء عليها لتحصيل الحقوق الفلسطينية المستباحة، فقد استثمرتها المنظمة لإنجاز عملية سياسية (وليس حلاً سياسياً) قاصرة عن تلبية التطلعات الفلسطينية، بالاعتماد على وعود إسرائيلية من دون ضمانات أو أسس محددة، فكانت النتيجة مفاوضات لم تسفر حتى الآن إلا عن تكريس حكم ذاتي محدود على رقعة جغرافية محدودة من الضفة الغربية التي تشكل أصلاً 22% فقط من أرض فلسطين التاريخية.

حصاد مُر

والآن يجد نحو ثلثي الشعب الفلسطيني (اللاجئين)، أنفسهم مهمشين وخارج إطار المفاوضات، فيما لا تزال إسرائيل ترفض عودتهم وفق قرار 194، كما تبخرت حتى الحلول الجزئية الإسرائيلية قبل توقف المفاوضات، التي كانت تدعو لإعادة تعريف اللاجئ وقصره على إطار لمّ شمل العائلات فقط، والدعوة لإعادة جزء منهم فقط وعلى دفعات للكيان الفلسطيني الذي سيقوم لاحقاً (وليس للأراضي التي هُجّروا منها عام 1948)، شريطة ألا يتجاوز عددُهم عددَ المستوطنين في الضفة، وأن تقوم آلية لتعويض معظم اللاجئين الآخرين.

من ناحية ثانية، تضاعفت أعداد المستوطنين في الضفة والقدس لتقفز من نحو 225 ألف مستوطن عام 1993 إلى أكثر من 730 ألف مستوطن الآن (نحو 500 ألف في الضفة، و230 ألفاً في القدس).

وما زالت إسرائيل تحتفظ بالسيطرة الأمنية الكاملة على الضفة الغربية، وتستبيح حتى مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية في المدن، وتتحكم في مصادر المياه، والحدود، وتقيّد تنقّل الفلسطينيين وصادراتهم، فيما لا تتحمل أي مسؤولية اقتصادية عن الفلسطينيين كما هو الحال مع أي احتلال في العالم، فيما تؤكد أنّها صاحبة السيادة المطلقة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهذا ما دفع الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى القول في 19 ديسمبر/كانون الأول 2010 إنّ إسرائيل تتمتع بأرخص احتلال عرفه التاريخ.

وفي ظل "أوسلو" أحكمت إسرائيل قبضتها على القدس والمسجد الأقصى، بالتهويد والمصادرة والتضييق على سكانها بشتى الوسائل، وتمكين المستوطنين من اقتحام المسجد الأقصى، ومحاولة فرض التقسيم الزماني والمكاني فيه، فيما نجحت في انتزاع اعتراف أميركي بأن "القدس الموحدة" هي عاصمة لها، ونُقلت السفارة الأميركية إلى القدس.

واقتصاديّاً، وبعد توقيع اتفاقية باريس سنة 1994، أصبح الاقتصاد الفلسطيني مرهوناً للاحتلال، وأصبحت أموال الضرائب الفلسطينية التي تجنيها إسرائيل بالنيابة عنها عبر المعابر وسيلة ابتزاز للسلطة، كما عملت الولايات المتحدة على قصر المساعدات للسلطة على إسرائيل.

وبينما لم تكن قضية إقامة دولة فلسطينية أو تقديم تنازل عمَّا تسمى (القدس الموحدة) واردة أصلاً في برنامج أي حزب إسرائيلي، لم تعد قضية حل الصراع وإنهاء الاحتلال والاستيطان تشكّل أساساً للخلاف بين الأحزاب الإسرائيلية، إذ اقتصر الخلاف على آلية إدارة الصراع أو تحجيمه، وأصبح الشرخ يتعزز حالياً بسبب محاولة اليمين واليمين المتطرف الهيمنة على الدولة وتهميش المعارضة من خلال اللجوء للتعديلات القضائية.

انفتاح أبواب التطبيع

وهكذا، ومقابل سلطة محدودة الصلاحيات، فرّط "أوسلو" في القضايا التي تشكّل لبّ الصراع مع المحتل، معتبراً أنّ المقاومة نقيض لها.

ومع استمرار تنكّب إسرائيل لحقوق الفلسطينيين ورفضها تطوير الحكم الذاتي وتفعيل مفاوضات الحل النهائي، تحوّل اتفاق أوسلو إلى عبء يؤرّق الفلسطينيين، ويكبّل طموحهم ونضالهم.

ولم تقف سلبيات الاتفاق عند الإطار الفلسطيني، فقد انفتحت أبواب التطبيع مع العالم العربي في وقت جمّدت فيه عملية التسوية، واتّجهت إسرائيل نحو مزيد من التشدد في التعامل مع الحقوق الفلسطينية، وجاءت صفقة القرن في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، لتحاول إسدال الستار على القضية الفلسطينية، وتجعلها مجرّد صراع سياسي يمكن حله ببعض المقترحات التي تتجاوز حل الدولة الفلسطينية، وتفتح الباب أمام اتفاقات التطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل، وهو ما استغلّه الاحتلال لتوسيع وتكريس علاقاته الدولية، والتعاون الإقليمي مع الدول العربية.

فرصة للنهوض

ومع الفشل السياسي الذي واجهته السلطة الفلسطينية، شهدت أعمال المقاومة في السنتين الأخيرتين تصاعداً ملموساً بمشاركة جميع أطياف الشعب، بمن فيهم عناصر من حركة "فتح" والأجهزة الأمنية، وذلك في ظل ظهور جيل فلسطيني جديد لم يعايش "أوسلو" ولا الاتفاقات الأمنية التي انبثقت عنه.

وترافق مع هذه الهبّة الجديدة، تضعضع أركان كيان الاحتلال بالخلافات التي عصفت به، وظهور فشله في وضع حدٍّ لتصاعُد المقاومة.

يأتي ذلك في ظل تراجع الدور الأمريكي في المنطقة، ومع توقعات بانتقال العالم من حالة الأحادية القطبية إلى حالة الأقطاب المتعددة، بما قد يُضعف من مكانة إسرائيل دولياً، ويعطي مساحة أمل جديدة لفلسطين لتنعتق من قيود "أوسلو"، لصالح مرحلة نضالية جديدة تفرض قواعد جديدة في الصراع مع المحتل، باستغلال حالة ضعفه التي تزداد تعمقاً، وفرص التعددية القطبية التي ربما تتيح للفلسطينيين العمل وفق بيئة أكثر ملاءمة، توفر فرصاً واعدة لإحداث تغيير مهم في موازين القوى.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً