"لم يكن لديك شيء تملكه سوى بعض سنتيمترات مكعبة داخل جمجمتك" هكذا وصف الكاتب "جورج أورويل" في رواية 1984 الرقابة التي تفرضها الدولة الاشتراكية على شعبها، وأن الشيء الوحيد الذي نجا من مراقبة السلطة وما يزال الشعب يملكهُ موجود داخل جمجمته (الدماغ) فقط.

لم يخطر على بال "أورويل" رغم المأساة التي صوّرها في روايتهِ أن يأتي يوم تكون فيه أدمغة البشر مراقبة.

ربّما يكون هذا الخبر مستغرباً، لكن هذا ما تسعى إليه كبرى شركات التكنولوجيا وفي مقدمتها عملاق التواصل الاجتماعي فيسبوك.

فيسبوك ومشروعه لقراءة أفكارنا من الحلم إلى الشائعات ثم الحقيقة

في مؤتمر مطوري الشبكة الاجتماعية (F8) في عام 2017، فاجأ فيسبوك الحاضرين عن نيّته بناء واجهة حاسوبية تتيح له قراءة الأفكار، وبعدها ظلّ الأمر طيّ الكتمان.

استمرت السرية تحيط بمشروع فيسبوك إلى 17 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي عندما سرّب موقع "BuzzFeed News" تفاصيل اجتماع موظفي فيسبوك في تسجيل صوتي وهم يناقشون آخر المستجدات حول مشروع فيسبوك السري في "قراءة الأفكار".

وأخبر "مايك شروبر"، كبير مسؤولي التكنولوجيا في الشركة، الموظفين كيف يمكن لجهاز الاستشعار العصبي ترجمة أفكار الناس إلى أوامر حاسوب، مثل الكتابة أو التحكم بكائن افتراضي في لعبة فيديو.

كيف وصل فيسبوك إلى هذه المرحلة؟

قالت ريجينا دوجان، التي كانت تقود أبحاث قراءة الأفكار واضطرت إلى ترك الشركة بعد أكثر من عام، خلال تصريح لها: "إن فيسبوك أراد إنشاء نظام كلام صامت يمكنه كتابة 100 كلمة في الدقيقة ينقلها مباشرة من عقلك، سيكون ذلك أسرع بخمس مرات ممَّا يمكن لأي شخص يكتب من الهاتف".

وجد الباحثون، بمن في ذلك من في جامعة ستانفورد، طريقة للقيام بذلك مع المرضى المصابين بالشلل، ولكنها تتطلب جراحة يتم فيها زرع أقطاب كهربائية في الدماغ، إلا أن فيسبوك كان يبحث في بناء جهاز قابل للارتداء لا يتطلب تدخلاً جراحياً.

بعد ذلك تعاون فيسبوك مع باحثين في جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو، لدراسة إمكانية فك تشفير الكلام من نشاط دماغ الشخص على شاشة الكمبيوتر.

في تلك الفترة أنتج فيسبوك سماعة رأس مزودة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي، كانت قادرة على فك تشفير نشاط الدماغ لتحويل ما يقوله الشخص إلى نص على الفور، وفقاً لورقة بحثية نُشرت في "Nature Communications".

بعد ذلك وخلال العام الماضي استحوذ "فيسبوك" على شركة ناشئة للواجهة العصبية تسمى "CTRL-Labs"، في صفقة تقدر قيمتها بنحو مليار دولار.

وكانت الشركة الناشئة التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها تعمل على سوار معصم عالي التقنية في وقت الاستحواذ.

ويقوم السوار بأخذ الإشارات العصبية من الدماغ عبر النخاع الشوكي والذراعين يسمح للأشخاص بمشاركة الصور على شبكته الاجتماعية، والنقر فوق زر فأرة الكمبيوتر، وتنفيذ مهام الحوسبة الأخرى بمجرد التفكير في الأمر.

وفي الوقت الحالي يعمل فيسبوك على إنشاء سماعة رأس يمكن ارتداؤها تتيح للمستخدمين التحكم في الموسيقى، أو التفاعل في الواقع الافتراضي باستخدام أفكارهم.

تحقيقاً لهذه الغاية، قام فيسبوك أيضاً بتمويل العمل على الأنظمة التي تكشف نشاط الدماغ من خارج الجمجمة، باستخدام الألياف الضوئية والليزر لقياس التغيرات في تدفق الدم، على غرار جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي.

وتتيح هذه الأجهزة للمستخدمين ممارسة ألعاب الفيديو وتشغيل الموسيقى ومشاركة الصور وكتابة النصوص من خلال أفكارهم فقط، ويتوقع أن يعلن فيسبوك عن جهازه الجديد قريباً.

فيسبوك ليس الوحيد الذي يطمح إلى قراءة الأفكار

قراءة الأفكار ليست من بنات أفكار فيسبوك وحده، لكن هنالك العديد من الشركات التي تسعى نحو نفس الهدف.

حيث أعلنت شركة "Neuralink" التي يملكها الملياردير الأمريكي "إيلون موسك" في أغسطس/آب الماضي عن نجاح تجربتها بزرع شريحة في أدمغة الخنازير، وتتوقع أن يتم نقل التجربة نفسها للبشر قريباً.

كذلك تعمل شركات أخرى مثل Kernel و Emotiv و Neurosky أيضاً على تقنيات الدماغ، ويقولون إنهم يبنونها لأغراض أخلاقية، مثل مساعدة الأشخاص المصابين بالشلل على التحكم في أجهزتهم.

مشاريع قراءة الأخلاق تثير مخاوف العلماء من "الرأسمالية العصبية"

يجادل بعض علماء الأخلاقيات العصبية بأن احتمالية إساءة استخدام هذه التقنيات كبيرة جداً لدرجة أننا بحاجة إلى سن قوانين حقوق عقول الإنسان.

في تشيلي، وبفضل دعوة عالم الأعصاب "رافائيل يوستي"، وافقت الحكومة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي على تقديم دعم رسمي للحملة المطالبة بـ"حماية الأعصاب" التي تجعل حماية بيانات الدماغ حقاً من حقوق الإنسان.

وفي أوروبا، اعتمدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في ديسمبر/كانون الأول مجموعة من تسعة مبادئ جديدة لتنظيم استخدام بيانات الدماغ، وهي أول معيار دولي في هذا المجال.

أحد الأشخاص الرئيسيين الذين يدفعون من أجل هذه الحقوق الجديدة للإنسان هو عالم الأخلاقيات العصبية "مارسيلو إينكا"، الباحث في المعهد الاتحادي السويسري للتكنولوجيا (ETH Zurich)، والذي يعد أحد أفضل جامعات العلوم والتكنولوجيا في أوروبا.

في عام 2017 أصدر إينكا ورقة توضح أربعة حقوق محددة لعصر التكنولوجيا العصبية التي يعتقد أنه يجب علينا ترسيخها في القانون.

وقال إينكا: "أنا قلق للغاية بشأن تسويق بيانات الدماغ في السوق الاستهلاكية".

وأضاف: "لدينا بالفعل تقنية عصبية للمستهلكين، حيث يتبادل الأشخاص بيانات أدمغتهم مقابل خدمات من شركات خاصة".

ذكر إينكا على سبيل المثال الألعاب العصبية، حيث يمكن للمستخدم التحكم في حركات لعبة فيديو باستخدام نشاط عقلهِ بدلاً من وحدة التحكم التقليدية.

وتقول نيتا فاراهاني، الأستاذة في جامعة ديوك والمتخصصة في الأخلاق العصبية: "بالنسبة إليّ الدماغ هو المكان الآمن الوحيد لحرية الفكر والتخيّلات والمعارضة، نحن نقترب من عبور الحدود النهائية للخصوصية في غياب أي حماية على الإطلاق".

ورغم أن فيسبوك يؤكد أن جميع بيانات الدماغ التي يتم جمعها ستبقى في جامعة كاليفورنيا، وأن موظفي فيسبوك يذهبون إلى هناك لدراستها، فإن من غير المعروف مقدار الأموال التي يقدمها فيسبوك للجامعة ولا مقدار ما يعرفه المتطوعون عن دور الشركة.

وقد رفض المتحدث باسم الجامعة نيكولاس ويلر تقديم نسخة من عقد البحث أو نماذج الموافقة الموقعة من قبل المرضى.

في حين أن قارئ الدماغ يمكن أن يكون وسيلة ملائمة للتحكم في الأجهزة، فإن هذا يعني أيضاً أن فيسبوك سيراقب الإشارات الدماغية جميعها، من الناحية النظرية، يمكن أن تمنحه هذه البيانات المزيد من المعلومات، مثل كيفية تفاعل الناس مع المنشورات والتحديثات.

وأضاف إينكا: "بيانات الدماغ غنيّة بالمعلومات وحساسة للخصوصية، إنها مصدر قلق معقول".

أهم حقوق حماية الدماغ التي يطالب بها العلماء

يرى المعهد الاتحادي السويسري للتكنولوجيا (ETH Zurich) أنّ هناك أربعة حقوق يجب عدم المساس بها:

أولاً: الحق في الحرية المعرفية

ينص هذا القانون على أنّهُ "يجب أن يكون لك الحق في أن تقرر بحرية أنك تريد استخدام تقنية عصبية معينة أو رفضها".

ففي الصين تقوم الحكومة بالفعل بالتنقيب عن البيانات من أدمغة بعض الموظفين، من خلال جعلهم يرتدون قبعات تفحص موجات دماغهم بحثاً عن الاكتئاب أو القلق أو الغضب أو التعب.

كذلك يبحث الجيش الأمريكي في التقنيات العصبية لجعل الجنود أقل تعاطفاً وأكثر عدوانية.

ثانياً: الحق في الخصوصية العقلية

بمعنى "يجب أن يكون لديك الحق في عزل بيانات دماغك أو مشاركتها علناً".

أكد إينكا أن التكنولوجيا العصبية سيكون لها آثار ضخمة على إنفاذ القانون والمراقبة الحكومية، وقال: "إذا كانت أجهزة قراءة الدماغ لديها القدرة على قراءة محتوى الأفكار، فستكون الحكومات في السنوات القادمة مهتمة باستخدام هذه التقنية في الاستجواب والتحقيقات".

ويمكن أن يصبح الحق في التزام الصمت إلا بحضور المحامي، المنصوص عليه في دستور الكثير من الدول، بلا معنى في عالم تكون فيه السلطات مخولة بالتنصت على حالتك العقلية دون موافقتك.

ثالثاً: الحق في السلامة العقلية

"يجب أن يكون لديك الحق في عدم التعرض للأذى الجسدي أو النفسي بسبب التكنولوجيا العصبية".

قد تكون الأجهزة مثل تلك التي يتم إنشاؤها بواسطة فيسبوك ونيورالينك عرضة للقرصنة.

ماذا يحدث إذا كنت تستخدم أحدها وقام أحد المخترقين باعتراض إشارة البلوتوث، ممَّا يؤدي إلى زيادة أو تقليل مقدار التيار الذي يذهب إلى عقلك، ممَّا يجعلك أكثر اكتئاباً، على سبيل المثال، أو أكثر امتثالاً؟

يشير علماء الأخلاقيات العصبية إلى ذلك باعتباره سرقة الدماغ، قال إينكا: "هذا لا يزال افتراضياً، ولكن تم إثبات الاحتمال في دراسات إثبات المفهوم"، مضيفاً: "اختراق مثل هذا لن يتطلب الكثير من التطور التكنولوجي".

رابعاً: الحق في الاستمرارية النفسية

"يجب أن يكون لديك الحق في الحماية من التغييرات التي تطرأ على إحساسك ونفسيتك بسبب استخدام أو إزالة أجهزة قراءة الأفكار".

في إحدى الدراسات، شعرت امرأة مصابة بالصرع حصلت على (واجهة دماغ - كمبيوتر) بتعايش جذري معها، بعد ذلك أفلست الشركة التي زرعت الجهاز في دماغها وأُجبرت على إزالته.

قال إينكا: "إن هذا مثال على كيف يمكن أن تتعطل الاستمرارية النفسية ليس فقط بفرض تقنية عصبية ولكن أيضاً بإزالتها".

كما يأتي التهديد الآخر للاستمرارية النفسية من مجال التسويق العصبي الناشئ، حيث يحاول المعلنون معرفة كيفية اتخاذ الدماغ لقرارات الشراء وكيفية دفع هذه القرارات، فقد تجد نفسك تفضل المنتج "أ" على المنتج "ب" دون أن تتأكد تماماً من السبب.

دقت منظمات "الدفاع عن المستهلك" ناقوس الخطر بشأن التسويق العصبي. وقال جيف تشيستر، المدير التنفيذي لمركز الديمقراطية الرقمية: "إنه يجب تنظيم إعلانات البالغين إذا كان الإعلان مصمماً عن قصد لتجاوز تلك الدفاعات العقلانية التي سمحت لنا سابقاً بتمييز ما هو صحيح وما هو غير صحيح".

وأضاف: "الآن حان الوقت للخبراء لتوضيح حقوقنا، يتحرك المشرعون ببطء، وإذا انتظرنا وصول أجهزة مثل Facebook أو Neuralink إلى السوق، فقد يكون الأوان قد فات بالفعل".

TRT عربي
الأكثر تداولاً