تقول الفيلسوفة حنا أرندت: "الشعور بالوحدة على الرغم من كونه شعوراً ذاتياً فإنه حالة مجتمعية وموضوع سياسي". فكيف يؤهلنا الشعور بالوحدة للدكتاتورية؟

أكتب هذا المقال فيما أقيم في مدينة ميلان الإيطالية، والمدينة هي عاصمة إقليم لومبارديا الذي يمرّ حالياً بحالة مكثفة من حظر التجوال بسبب تصاعد معدَّلات انتشار فيروس كوفيد-19 الجديد في ما يُعرف بالموجة الثانية لجائحة كورونا. وكما في الموجة الأولى يمكننا ملاحظة انقسام التفاعل النفسي للمواطنين مع الأمر إلى قسمين أساسيين، قسم لا يشعر بمشكلة كبيرة مع نقص التفاعلات الاجتماعية، وقسم يكاد يُجَنّ من فرط الشعور بالوحدة!

السبب الأكبر في وجود هذين القسمين هو طبيعة البشر نفسها، فالبشر ينقسمون إلى نوعين أساسيين من حيث أنماط الحاجة إلى التفاعل الاجتماعي، وهما المنبسط والمنطوي، هذان النمطان هما الأكثر استقراراً وثباتاً في مختلف نظريات التحليل النفسي. لكن المشكلة الكبرى في هذه المرحلة من مواجهة الجائحة لا تكمن في فترة حظر التجوال ذاتها، بل في التغير الملحوظ في أنماط الحركة في المدينة بصفة عامة، فهذا التغير يمتد لما بعد فترة الحظر التي قد تستمر لعدة أسابيع. على سبيل المثال أصبح عدد كبير من العاملين في مختلف القطاعات يعمل من بُعد، وغالباً ما يستمرّ هذا الأسلوب لفترات طويلة نسبيّاً حتى بعد انتهاء مرحلة حظر التجوال الرسمية، حرصاً من أصحاب الأعمال على عدم تحفيز انتشار المرض مرة أخرى.

مشكلة هذا التغير أنه يعتمد بشكل كامل على تطبيقات التواصل من بُعد، وبقدر ما كانت هذه التكنولوجيا ذات تأثير حاسم وغير مسبوق إتاحة الفرصة للحفاظ على درجة محدودة من حركة الاقتصاد بشكل آمن فيما يواجه القطاع الطبي معركته المباشرة مع الجائحة، فإنها أيضاً زادت سرعة انتشار ما يعتبره البعض وباء العصر الحالي، وهو الشعور بالوحدة.

وباء العصر الحالي

وفقاً لبعض إحصاءات عام 2019 فنسبة 61% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية يعانون الشعور بالوحدة، وهي النسبة التي كانت 54% في 2018، فيما تشير إحصاءات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن نسبة من يعتقدون أنه "ليس لديهم أصدقاء أو أقارب يمكنهم الاعتماد عليهم تصل إلى 20% من سكان المكسيك، و17.7% في اليونان، فيما تشير دراسات أخرى إلى أن نسبة تقترب من 55% من السكان في أستراليا تفتقر إلى وجود علاقات حميمية مع أي أشخاص آخرين، ومن المتوقع أنه بحلول عام 2040 سيعيش 40% من سكان اليابان وحدهم بشكل كامل.

وفقا لبعض إحصاءات عام 2019، فنسبة 61 في المائة من سكان الولايات المتحدة الأمريكية يعانون الشعور بالوحدة (Others)

تشير تشارلوت يه Charlotte Yeh في مقال لها على موقع مدرسة هارفارد الطبية Harvard Medical School، إلى أن الشعور بالوحدة بالإضافة إلى تأثيره السلبي على جودة الحياة فإنه يؤدي إلى ضعف وظائف المخّ وينقص الصحة البدنية، وله معامل خطر يوازي تدخين 15 سيجارة يومياً، مما يؤدي إلى نقص معدلات الأعمار بمقدار 8 سنوات كاملة في المتوسط.

لِمَ الآن؟

يُعتبر الشعور بالوحدة ظاهرة جديدة نوعاً في تاريخ البشر، حتى إن كلمة Lonliness الإنجليزية لم تكن مستخدمة من قبل حتى استخدمها شكسبير، وفي حالته كانت تشير إلى وجود الشخص وحده دون وجود آخرين بالقرب منه، أما الشعور بالوحدة فهو في واقع الأمر هو شعور ذاتي غير مرتبط بالوجود في محيط عدد من البشر أو لا، وعندما يلجأ المتخصصون إلى دراسته دراسة موضوعية فإنهم يشيرون إليه بمعنى "العزل"، فالفرد الذي يشعر بالوحدة هو في واقع الأمر منعزل عن الآخرين من مجتمعه، ويفتقر إلى وجود تواصل نفسي معهم.

يمكن رجْع الشعور بالوحدة كما نعرفه في عصرنا الحالي إلى هيمنة النموذج الغربي للحضارة، وهو نموذج ينبني بشكل رئيسي على الفردانية، وقد يكون سبب ميل الغرب إلى الفردانية نتيجة لظروف تاريخية ثقافية أو حتى ميول نفسية طبيعية، لكن ما يمكننا ملاحظته هو أن منتجات هذا النموذج الحضاري ترتكز بشكل رئيسي على الفرد بدءاً من الثورة الصناعية التي تسببت في تفكُّك مجتمعات القرى الزراعية ومَيل كثيرين إلى الانتقال إلى المدن كأفراد أو أسر صغيرة على الأكثر، للعمل في المصانع، وحتى الوصول إلى يومنا هذا حيث تهدف تكنولوجيا الاتصالات إلى زيادة قدرة "الفرد" على التواصل مع أي "فرد" آخر مهما ابتعدت المسافات، فالأولوية الأولى لهذه التكنولوجيا هي التفلُّت من القيود المكانية، وهي قيود تكون أحياناً سبباً في تكوين علاقات كاملة كالعلاقة مع الجار على سبيل المثال.

من اللافت أن هذه التكنولوجيا التي قد تكون سبباً رئيسياً في زيادة معدلات الشعور بالوحدة، كانت مسؤولة عن جانب كبير من الحلول المطروحة لمواكبة جائحة كورونا إلى حين الوصول إلى الحل الطبي، وهو ما أدَّى إلى إمكانية طرح حلّ، كالبقاء في المنزل حيث يمكنك العمل، والتواصل مع الأصدقاء، وشراء احتياجاتك اليومية. هكذا أدى اجتماع الجائحة مع تطوُّر تكنولوجيا الاتصالات إلى قفزات كبيرة في معدَّلات من يشعرون بالوحدة خلال العامين المنصرمين.

الدكتاتور المنزلي

لا يتوقف الشعور بالوحدة عند كونه شعوراً شخصيّاً، بل يتعدى ذلك ليكون موضوعاً سياسيّاً. في كتابها أصول الشمولية The Origins of Totalitarianism وصفت الفيلسوفة حنا أرندت الشعور بالوحدة بأنه "الأرضية المشتركة للخوف"، وهو الوسيلة الأهم للحكومات الشمولية لفرض سطوتها على المجتمعات، فالشعور بالوحدة ينتج عن عزلة الفرد عن محيطه من الأفراد الآخرين، وهو ما يعني بالضرورة قلة علاقاته وتجاربه الاجتماعية. هذا الفرد هو النوع المثالي لإقامة الدكتاتوريات، فـ"الشخص المثالي للحكم الشمولي ليس النازي المؤمن أو الشيوعي المؤمن... بل الأشخاص الذين ليس لديهم القدرة على التمييز بين الواقع والخيال أو الحقيقي والزائف".

ترى أرندت أن الآيديولوجيات السياسية عادة ما تكون منفصلة عن عالم الخبرات اليومية، وهي تهتمّ أكثر بالتحكم في مسار الأحداث وتستخدم في ذلك المنطق النظري دون تفاعل مع الواقع، وتَعِدُ بواقع مخالف، وأفضل بطبيعة الحال، من الواقع الحالي. بسبب هذا الانفصال عن التجربة الواقعية يصبح الشخص الوحيد الفريسة الأسهل للآيديولوجيات، فقد "نجح الإعداد عندما فقد الناس تواصلهم مع نظرائهم، ومع الواقع من حولهم".

وصفت الفيلسوفة حنا أرندت الشعور بالوحدة بأنه الأرضية المشتركة للخوف (Getty Images)

يسمح حظر التجوال المفروض حالياً في لومبارديا في شمال إيطاليا بمساحات محدودة من الحركة، لكن حتى مع التزامها لا يأمن مغترب مثلي حدوث سوء تفاهم مع ضابط شرطة، هكذا حذّرني الصديق الكولومبي أندريس إبارا: "لا تأخذ جوَّالك عندما تخرج من البيت، فقد سمعت أن السلطات تراقب مواقع الأجهزة لتعلم مَن يتحرك في المدينة؛ لقد جُنَّ الجميع"، فيما يقول المواطن الإيطالي جايتانو جامبوسو: "لقد عدنا إلى زمن موسوليني مرة أخرى، لكن فاشية هذه المرة تحت ستار طبي!".

يمكننا أن نرى أنه مع زيادة تحكُّم الدولة في المجال العامّ بدأ المواطنون يشعرون بالخطر من هذا التحكم. على النقيض من ذلك لا تواجه إسطنبول حظر تجوال بنفس القدر وتسير فيها الحياة بشكل أقرب للطبيعي من عواصم أوروبا، مع توفر الاحتياطات المفروضة كارتداء الأقنعة وأدوات تعقيم الأيدي، لكن هذا ليس ما يفضله بعض المواطنين الأتراك. يقول المواطن التركي المقيم في إسطنبول جيم إيتك: "الحكومة لا تفرض تحكُّماً كافياً في المناطق العامة، وأنا متيقن من أنها لا تنشر أرقاماً صحيحة عن عدد الإصابات". من المتفهَّم أن تجد المعترضين على السياسات الحكومية في كل مكان، لكن اللافت للنظر، وهو المشترَك بين الراغبين في زيادة التحكم أو المعترضين عليها، هو عدم قدرة كل منهم على معرفة الواقع، وهل فعلاً يوجد احتياج إلى هذا الحظر، أم إنه استغلال من طرف الحكومة؟ هل تزيف الحكومة أعداد الحالات المصابة أم لا؟ هذا الانفصال العملي عن الواقع لصالح قضاء الاحتياجات سواء المادية أو النفسية لا يؤدِّي فقط إلى حكومات قادرة على ممارسة الدكتاتورية، ولكن إلى مواطنين أكثر ميلاً إلى فرض نظرياتهم المتخيَّلة عن الواقع، وبمعنى آخر مواطنين أكثر ميلاً إلى الدكتاتورية.

تقول أرندت: "الهيمنة الشمولية للحكومات لا ترضى بالعزلة فقط، ولكنها تدمّر الحياة الخاصة أيضاً، فهي تؤسّس نفسها على الوحدة، على الشعور بعدم الانتماء إلى العالم من حولنا". تزداد معدلات الشعور بالوحدة حول العالم بشكل مطّرد، وهناك اهتمام واضح من عديد من المؤسسات بمواجهة هذه المشكلة، والحديث عن الوحدة غالباً ما يكون في إطار الصحة النفسية والبدنية، لذلك غالباً ما ينتهى بالنصائح الموجهة إلى الأفراد بزيادة التواصل وتعميق العلاقات الإنسانية مع الأصدقاء والأقارب، لكن في ظل جائحة كورونا نقوم باتباع هذه النصائح مستخدمين ذات الأدوات التي تتسبب على المدى الطويل في تعميق ونشر الشعور بالوحدة، وهي الوسائط الاجتماعية، ويزداد تعلُّقنا بها وتشكّل حيواتنا حولها.

وكما تقول أرندت: "الشعور بالوحدة على الرغم من كونه شعوراً ذاتياً فإنه حالة مجتمعية وموضوع سياسي"، لذلك فهو يتطلب جهوداً على نطاق واسع من المؤسسات والحكومات الديمقراطية حتى لا يتحول عالمنا إلى أرض خصبة لإعادة إنتاج دكتاتوريات أصبحت تاريخاً.

TRT عربي
الأكثر تداولاً