ست نساء عربيات يروين حكاياهن مع السفر والاغتراب، حول الاختلاف مع المجتمع، والعلاقات الاجتماعية، والتجربة، والخوف من المستقبل، في ظل زيادة مضطردة تشهدها أعداد النساء المهاجرات.

نساء من غزة واليمن وجيبوتي والأردن يصفن رحلة سفرهن خارج بلدهن وما واجهنه فيها من تحديات
نساء من غزة واليمن وجيبوتي والأردن يصفن رحلة سفرهن خارج بلدهن وما واجهنه فيها من تحديات (TRT Arabi)

تشكل النساء قرابة نصف عدد السكان المهاجرين، بحسب تقرير الهجرة في العالم لعام 2018. فهل يبدو اتخاذ قرار السفر بعيداً عن الوطن والأهل والأصدقاء أمراً صعباً؟ ما التحديات التي ترافق الفتاة لدى اتخاذها قرار السفر؟ وهل كانت الحياة التي سعت لها الفتيات وواجهن بها مجتمعهن على النحو الذي يطمحن إليه؟

تالياً حكايا 6 فتيات عربيات مغتربات لغرض الدراسة أو العمل أو كليهما، في السويد وتركيا واليابان وألمانيا. يسطرن برواياتهن ما وصف به أحد الأدباء السفر بقوله "عنف الغربة ومتعة المعرفة".

حب من الزيارة الأولى

ابتهال العالول سافرت ولا تعلم ماهو قادم في المستقبل
ابتهال العالول سافرت ولا تعلم ماهو قادم في المستقبل (TRT Arabi)

إنه خريف 2009، حين بدأت بيني وبين السويد قصة ارتباط عجيبة من الزيارة الأولى. ذهبت حينها بدعوة من المؤسسة السويدية التي كنت أعمل بها في غزة.

حسمتُ أمر هذه العلاقة عام 2012، بحصولي على منحة لدراسة الماجستير تخصص اتصال وتواصل في جامعة غوتنبرغ في السويد.

لم أتخذ قرار الهجرة أو السفر من أجل إيجاد ظروف مناسبة للعيش، فكل ذلك توفر لي في غزة، كنت أعيش مع عائلتي سعيدة رغم صعوبة الظروف السياسية والاجتماعية.

أن تسافر من غزة فهذا يعني أن تفكر طويلاً كلما أردت العودة مجدداً للقاء الأهل والأحبة، فأمر العودة إلى التزامك الأكاديمي أو المهني في الخارج مرهون بالوضع السياسي للقطاع، الأمر الذي سيضعك أمام مفترق طرق.

كان الحل الوحيد لمشكلة الإقامة في السويد أن أتقدم بطلب لجوء لأتمكن من البقاء في البلد قانونياً وإنهاء المواد الدراسية غير المكتملة والتي كنت قد بدأت بها قبل العودة لقضاء شهر رمضان والعيد مع الأهل، كان لدي حينها استعداد نفسي لمثل هذا الوضع، ولكن عائلتي لم تكن تعرف أن هناك إمكانية للبقاء مطولاً هذه المرة، فراق عائلتي كان أمراً صعباً.

لم يكن اختلاف الثقافة والحياة الاجتماعية تحدياً كبيراً لدي، ذلك أني كنت مستعدة نفسياً للتأقلم وإيجاد حل وسط بتبني بعض العادات الإيجابية وعدم التخلي عن هويتي العربية.

رغم وجود ثقة متبادلة بيني وبين أهلي، إلا أنني أشعر بالضغط الذي يتعرضون له لوجودي في الخارج، وخصوصاً أن البعض يعزي هذا التصرف إلى الجانب الديني ويفتي بعدم جواز سفر البنت بمفردها، وخلاف ذلك من الاجتهادات التي لا تعكس بالضرورة مبدأً منصفاً وعادلاً في التطرق لهذا الموضوع، فلو كان الأمر متعلقاً بسفر شاب لوحده لأوجدوا له ألف فتوى ومبرراً.

هل أفكر في العودة إلى بلدي؟، لا أحد يعلم ما هو قادم في المستقبل، أعتقد أنه سيكون من الصعب التأقلم مجدداً مع نمط الحياة في غزة، كما سيكون من الصعب عليهم تقبلي، كلانا تغير ولا أدرى إن كان بالإمكان إيجاد حل وسط.

أخاف من التفكير بالمستقبل

رغد إبراهيم:
رغد إبراهيم: "مافيش عنا أمان" (TRT Arabi)

سافرت إلى تركيا في 17سبتمبر 2015، بعدما توقفت الحرب في اليمن وعلى وجه الخصوص في مدينتي عدن. لم تكن فكرة السفر وليدة الحرب، إلا أن تعليق دراستي جعلني أتخذ القرار في هذا التوقيت.

كنت حينها في سنتي الجامعية الثانية في كلية الحقوق، لكني قررت السفر إلى تركيا، وتغيير تخصصي من القانون إلى العلاقات الدولية بحكم أن فرص العمل فيه أوسع.

لست من الأشخاص الذين يمكنهم التراجع في حال مروا بموقف صعب أو عائق، كل عائق يمر بي يجعلني أقوى ويعلمني دروساً في الحياة، ويجنبني أن أضع نفسي في المرات القادمة بمواقف مشابهة.

أن تسافري خارج بلدك يعني أن تكتسبي تجارب جديدة في الحياة، كما يعني أن تصبحي أكثر اعتماداً على نفسك، عندما تكونين وحدك دون أهل أو أقرباء ستتعلمين أشياء كثيرة ما كنت ستتعلمينها وأنت في بلدك، وعلى وجه الخصوص حين تسافرين إلى بلد ثقافته مختلفة، كل إنسان عليه أن يمر بهذه التجربة.

لا أذكر أني كفتاة تعرضت لمواقف استغلال، لكن يحدث أحياناً أن يلحقك أحدهم وأنت في الشارع، ويطلب رقم هاتفك الخاص، أو يمشي وراءك لبيتك أو لسكنك، أو يركن السيارة إلى جانبك. لم تحصل أشياء كبيرة أو مواقف مخيفة تستدعي الخوف، عدا عن أني لست من النوع الذي يخاف بسهولة من هذه المواقف.

مجرد التفكير بالمستقبل أمر مخيف. على الإنسان أن يسعى لتحقيق هدفه حتى لو بدا تحقيقه أمراً صعباً.

لديّ النية بدراسة الماجستير بعد إتمام متطلبات البكالوريوس، ولدي اهتمام بدراسات حقوق الإنسان، أتمنى في يوم من الأيام أن تأتيني فرصة مناسبة أستطيع من خلالها عمل شيء في هذا المجال، هذا كل ما يدور في رأسي الآن.

لا أفكر في العودة إلى بلدي، أفكر أن أعيش وأستقر في بلد آخر، الوضع في بلدي مستمر في الانحدار، كوضع أي بلد بعد الحرب، النزاع مستمر والوضع غير مستقر سياسياً أو اجتماعياً، "مافيش عنا أمان".

سأعود إلى جيبوتي

زهرة بكير سافرت رغم أنها وحيدة أهلها
زهرة بكير سافرت رغم أنها وحيدة أهلها (TRT Arabi)

أذكر خلال سنوات الثانوية العامة كنت أتابع أصدقائي الذين خرجوا للدراسة في إسطنبول، وأغبطهم، كم وددت أن أسافر مثلهم إلى هذه البلاد الجميلة الواسعة تركيا، كثيراً ما كنت أشاهد المسلسلات التركية، هي ما دفعتني لاختيار إسطنبول وجهة للسفر.

ولما كنت وحيدة أهلي كان أمر تقبلهم لفكرة سفري صعباً للغاية، لكني أصررت على رأيي ورفضت التسجيل في جامعة جيبوتي كما رفضت السفر إلى ماليزيا كما كانت رغبة والدي حينها، وجلست في البيت مدة سنة تمسكاً بقراري في السفر إلى تركيا.

خلال هذا العام قدّمت على منحة الحكومة التركية، وقلت لأهلي في حال حصلت على القبول سأسافر وإلا فأنا عند قراركم وأحترمه.

قال لي أهلي حين ودعوني: استودعناك لرب العالمين. كانت أول مرة أسافر فيها وأركب طيارة لوحدي، في بلدي كنت أخرج دائما برفقة والدي بالسيارة، من البيت إلى المدرسة والعكس، لم يكن لدي كذلك العديد من الصديقات، ومع ذلك لم أشعر بالخوف أبداً في هذه التجربة الجديدة، استقبلتني جالية جيبوتي في تركيا وعرفتني على البلاد، جلست المدة الأولى مع ناس غرباء ولم أشعر بأي خوف أيضاً.

لم أفكر ولو للحظة عندما اعترضت الصعوبات طريقي أن أعود إلى بلادي، كنت أقول: أنا قادرة على تجاوزها بالعمل.

مستقبلي طويل، أشياء كثيرة أود فعلها، أفكر بعد إنهاء دراستي بالعودة إلى بلادي الصغيرة جيبوتي، بلادي محتاجة لي، سأدعمها بدراستي وأفكاري وأطورها، كي يعرفها العالم أكثر ويتحدث عنها.

سأعمل عدة سنوات في جيبوتي في المجال الإنساني ومساعدة المحتاجين، وسأسافر بعدها لأستقر في كندا أو هولندا.

أنا مختلفة عن مجتمعي

آية العوران دفعها وضع الأنثى الصعب في المجتمع العربي للسفر
آية العوران دفعها وضع الأنثى الصعب في المجتمع العربي للسفر (TRT Arabi)

كان قراري بالسفر وأنا ابنة جنوب الأردن قراراً شخصياً بحتاً، الفكرة مرفوضة من قبل الأهل بطبيعة الحال، إلا أنني اتجهت للسفر عندما لم أجد فرصة عمل جيدة كأي خريج جديد، إلى جانب شغفي لإكمال الدراسات العليا.

ليس ذلك ما دفعني فقط للخروج من بلدي، بل أن وضع الأنثى الصعب في وطننا العربي هو ما دفعني للتفكير جدياً في الأمر.

جزء كبير من المجتمع مازال يرى المرأة للزواج والبيت فقط، ولا يرى أن طموح المرأة ودراستها وعملها أسبابا كافية للتفكير بالسفر. هذه النظرة للمرأة كانت تسبب لي الاكتئاب، وكان اختلاف تفكيري عن العائلة والمجتمع من نواحٍ فكرية وسياسية ودينية من الأسباب الرئيسية التي دفعتني لأرى نفسي خارج وطني.

أخبرت أهلي بقراري قبل شهر من السفر، لم يكن الأمر مفاجئاً كثيراً كما ظننت، نعم كانت هناك معارضة بسيطة لكن لم يحاولوا إظهارها، لقد وجدوا أن المنحة الأكاديمية التي حصلت عليها في تركيا، فرصة لا ينبغي علي إضاعتها.

أكبر تحد لي في تركيا هو اللغة، الدراسة باللغة التركية أمرٌ صعب.

الغربة ليست أمراً سهلاً، أعترف بذلك، لكنني لا أندم على القرار الذي اتخذته.

وجهتي القادمة ستكون كندا، لا أفكر بالعودة للأردن، قد أضطر للعودة إليها إذا ما حصلت على منحة دكتوراه، إكمال الدراسات العليا هو مستقبلي.

أعيش في كوكب اليابان

جهاد محمود رغم أنها فتاة اجتماعية إلا أنها واجهت مشكلة في اليابان
جهاد محمود رغم أنها فتاة اجتماعية إلا أنها واجهت مشكلة في اليابان (TRT Arabi)

" كيف سأستطيع العيش في اليابان"، تساءلت عقب حصولي على قبول جامعي في برنامج الماجستير في اليابان. كانت الفكرة مخيفة بالنسبة لي رغم أن أمي ماليزية وماليزيا بلد آسيوي.

لا أنكر أن أمي كانت تشعر بالخوف من إقدامي على هكذا خطوة، بل وصل الأمر بها في بعض اللحظات أن تدعو لي بعدم قبولي في الجامعة لخوفها الشديد علي، كنت أتفهم الأمر جيداً.

"شو اللي ودّاك لآخر الكوكب بكرة بتروح عليك فرص الزواج" هذا ما قالته صديقاتي لي، ليس هذا فحسب بل كن يتساءلن: "كيف بدك تاكلي، الناس هناك مش مسلمين، لو منعوك من الصلاة، شو بطلعك لحالك" كل ذلك مما سمعته قبل سفري.

أتذكر أني في السنة الأولى التي سافرت فيها إلى اليابان قررت العودة إلى بلدي، لقد تحطمت بالمعنى الحرفي للكلمة، فأنا أعتبر نفسي شخصاً اجتماعياً، ولكني واجهت صعوبة في تشكيل العلاقات داخل المجتمع الياباني، وتساءلت هل فعلاً لا أملك القدرة على مصاحبة الناس؟ كان الموضوع يؤرقني حقيقة، وقلت لنفسي: ممكن أن اليابانيين لا يكونون علاقات معي بسبب لبسي، أو بسبب البلد الذي جئت منه، أو أن ذلك بسبب ديانتي، فكرت بكل هذه الخواطر، إلا أن ما جعلني أتجاوز الموضوع بعد ذلك هو أني وجدت لي صديقات قدمن من بلدان مختلفة كنّ قد عانين من المشكلة نفسها.

استطعت التعود على الجلوس بمفردي بعد ذلك، فتح لي هذا أبواباً كثيرة مع نفسي، واكتشفت مواهب لدي ما كنت مطلعة عليها من قبل.

لغة التواصل أيضاً من التحديات التي واجهتها في اليابان، لديهم خوف كبير من اللغة الإنجليزية، كانوا يهربون مني لا يريدون مخاطبتي، أما الكبار بالسن فكانوا يحاولون التفاهم معي بلغة الإشارة.

الدراسة في الخارج تعطي الفرد فرصاُ كثيرة لتطوير مهاراته، أشعر أن مستقبلي سيكون "خرافياً"، لقد حصلت على منحتين من شركة غوغل، لا يوجد شيء يمنعني من تحقيق أهدافي إلا نفسي.

كنت أفكر أن أعود إلى الأردن، ولما سافرت في المرة الأخيرة غيرت رأيي، نعم أريد العودة، ولكن لا أعرف متى، آخر المطاف حتما سأعود.

ماذا تفعلين في ألمانيا؟

صورة تعبيرية- ميسون صالح تعرضت لاعتداء عنصري في محطة القطار
صورة تعبيرية- ميسون صالح تعرضت لاعتداء عنصري في محطة القطار (TRT Arabi)

- إنت آنسة أم متزوجة؟

- آنسة

- الله يستر عليك.

هذا ما دار بيني وبين دكتورة في إحدى كليات الشريعة في الأردن حين جزمت أمر السفر إلى برلين.

كثيراً ما قيل لي إن آرائي متمردة، لا يعني ذلك أني نسوية، لا أتفق مع حركة الفيمينزم ( النسوية) في العالم، لكني لا أحب أبداً التفكير الاجتماعي غير المبني على أساسٍ علمي ومنطقي. ومع ذلك كنت أشعر أن السفر فكرة جريئة جداً.

أصدرت جواز سفر للمرة الأولى عندما سافرت إلى أمريكا برحلة عمل مدتها شهر. أذكر أنها كانت تجربة جميلة جداً، شعرت فيها أني كنت محل أنظار الجميع كوني محجبة وأرتدي "الجلباب". لم أكن أرقص معهم، كما لم أكن أصافح الرجال، لكني كنت حريصة على التواصل الاجتماعي وكانوا مهتمين بالتعرف علي.

في ذكرى ميلادي التاسعة والعشرين وجدت أن كل إنجازي في الحياة هو العمل، قلت حينها "إن لم يكن باستطاعتي اتخاذ قرار السفر الآن فلن أستطيع فعل ذلك لاحقاً".

كنت "طفشانة" من مجتمعنا، ومع ذلك كنت متوجسة من اتخاذ خطوة السفر، تساءلت كثيراً: كيف بدي أترك أهلي وأشوفهم يكبروا وأنا بعيدة عنهم؟ هل السفر للدراسة مستاهل؟ وهل راح يكون عندي القدرة على العيش بمفردي؟

لا أخفي التحديات التي واجهتها في برلين، اللغة الألمانية صعبة جداً، الوحدة أيضاً أمر صعب للغاية، "قاسية كتير كتير الغربة".

حصل معي ذات يوم موقف جعلني أعيد التفكير في أمر غربتي، فبينما أنا واقفة مع صديقتي في محطة القطار جاء شخص ودفعني، بدأ يشتمني بعبارات عنصرية من مثل: لاجئين، إرهابيين، متخلفين، مغطية راسك وعقلك معه. ولم يتوقف المشهد عند هذا الحد، بل جاء شخص آخر وسانده في شتمي.

شعرت وقتها بعدم الأمان، لولا مجيء سيدتين ألمانيتين قالتا له: لا يحق لك الاقتراب منها والتحدث معها بهذا الشكل، وتم تبليغ الشرطة حينها وتعقبته لتعثر عليه بعدما هرب.

حمدت الله أن الأمر مر على خير، لكني قلت: "ميسون لازم تضلك تتذكري هاد الموقف كل يوم عشان أول ما تاخدي شهادتك ترجعي للأردن".

لم أشهد أي حادثة استغلني فيها الألمان غير هذا الموقف، على العكس الألمان يحترمون المرأة.

اقترب الآن من عامي السادس في الغربة. أشعر أنها كسرت أشياء في داخلي، لكن لا أندم على سفري أبداً.

المصدر: TRT عربي