يشهد الأردن حراكاً عشائرياً بصيغة جديدة منذ بداية عام 2019 يجوب محافظات المملكة الأردنية وعاصمتها، للمطالبة بتعديلات دستورية ومحاربة الفساد وإيجاد حلول اقتصادية واتباع نهج اقتصادي جديد. فما الذي تغيّر في الساحة الحراكية في الأردن؟

مجموعة من الشبان العاطلين عن العمل يسيرون مشياً على الأقدام نحو العاصمة عمان احتجاجاً على البطالة
مجموعة من الشبان العاطلين عن العمل يسيرون مشياً على الأقدام نحو العاصمة عمان احتجاجاً على البطالة (Reuters)

بدأ اليوم الخميس عشرات العاطلين عن العمل المعتصمين أمام الديوان الملكي في العاصمة الأردنية عمان إضراباً عن الطعام؛ للمطالبة بتوفير وظائف لهم كحقّ دستوري.

وكان المعتصمون، الذين قطعوا مسافة 200 كم على أرجلهم زاحفين من محافظة معان جنوب الأردن إلى عمان، قد افترشوا الأرض أمام الديوان الملكي منذ 12 يوماً، احتجاجاً على عدم توفر فرص عمل لهم للوصول إلى حلول واقعية، وليس مجرد وعود حكومية تعيدهم إلى بيوتهم سعداء.

وقال أحد المشاركين في الاعتصام خليل الرواد إن سبب الإضراب عن الطعام، عدم التفات السلطات لمطالبهم.

ووضّح الرواد لـTRT عربي: "نحن شبان جئنا من مختلف القطاعات العمالية في الجنوب الأردني، عمّالاً ومزارعين وحملة شهادات جامعية وبدواً، للحصول على وظائف بغض النظر عن الراتب المقدم، والشركات الخاصة المتواجدة في المنطقة تفضّل تشغيل العمالة الوافدة على حساب العمالة الأردنية، والآن بدأنا إضراباً عن الطعام حتى يجدوا حلاً لمشاكلنا".

أصوات هؤلاء الشباب، جلبت اهتمام الملك عبد الله الثاني، الذي وجّه الحكومة أثناء اجتماع ترأسه في مجلس السياسات الوطني يوم الأربعاء 6 مارس/آذار 2019 بتوفير فرص عمل للشباب معتبراً أنها "أولوية قصوى".

لماذا معان؟

تعدّ معان أكبر محافظة في الأردن؛ إذ تمتدّ مساحتها الجغرافية إلى 32.832 كيلومتراً مربعاً، ويبلغ عدد سكانها قرابة 185 ألف مواطن.

وتعاني المحافظة من تدني مستوى الخدمات الصحية والأمنية والبيئية على مدار عشرات السنين، إضافة لتأزم مشكلة البطالة في مدينة تبلغ نسبة الشباب فيها إلى 58.1%.

معان محافظة مهمّشة من عشرات السنين، فهي مثقلة بالمشكلات؛ سكانها أصواتهم غير مسموعة، شبابها تنشقوا تراب الأرض على حساب المركزية العمّانية التي أفقدتهم الكثير من حقوقهم الرئيسية المكتسبة.

مسيرة العاطلين عن العمل التي انطلقت من معان في نهاية فبراير/شباط 2019، معظم المشاركين بها من الشباب حملة الشهادات الجامعية وشبان لم يحالفهم الحظ لإكمال تعليمهم، ومتقاعدين عسكريين، حيث تشكل نسبة البطالة في محافظة معان وفقاً لدائرة الإحصاءات العامة لعام 2018 (26.2%)، وتصل نسبة الفقر إلى 27%.

الرواد يؤكد لـTRT عربي أن "الجنوب الأردني مهمّش، كل برامج التنمية حبر على ورق لا توجد أي وظائف بها، والقرى والأرياف ليست لهم أية برامج تنموية واضحة، كل الذي نطلبه هو وظائف بضمانات حقيقية، وليس إدراج أسمائنا في ديوان الخدمة المدنية دون أي ضمانات بالتوظيف."

مجموعة من الشبان العاطلين عن العمل يسيرون مشياً على الأقدام نحو العاصمة عمان احتجاجاً على البطالة
مجموعة من الشبان العاطلين عن العمل يسيرون مشياً على الأقدام نحو العاصمة عمان احتجاجاً على البطالة (Reuters)

التغريدة الصادمة:

انتشرت في الأيام الأخيرة مجموعة من الوثائق التي سُرّبت من وزارة العدل الأردنية عن تعيين ثلاثة أشخاص في مناصب عامة، يحصلون على رواتب تجاوزت 2000 دينار أردني، فعمّ غضب شعبي عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول سياسات التعيين في المناصب العامة، وانعدام العدالة في اختيار الأشخاص، كل هذا في ظلّ مسيرات العاطلين عن العمل المترامية من محافظات مختلفة.

بعدها بأيام قام الملك عبدالله الثاني بنشر تغريدة يستنكر بها نشر وثائق سرية على العلن واغتيال الشخصيات، والتسبب بأذى للأشخاص الذين وردت أسماؤهم في الوثائق، في حين قام الملك في وقت سابق من شهر فبراير/شباط 2019 بوقف تعيين عدد من أقارب نواب في مجلس النواب الأردني في مناصب عامة بسبب الانتقادات الشعبية.

الكاتب والناشط السياسي الدكتور سعيد المومني يشير لـTRT عربي إلى "أن الشارع اليوم مصدوم بعد تغريدة الملك الأخيرة، مردفاً إن الملك قد يكون يجهل بالفعل ما هي المطالب الحقيقية التي يشعر بها الناس في الشارع أو أنه يتجاهلها؛ فمن غير المنطقي أن الشارع الأردني يعاني الآن من التعيينات غير العادلة ونسبة بطالة عالية وأسراب من الشباب العاطلين عن العمل يعتصمون أمام الديوان الملكي، ويطالبون بتوظيفهم بأي وظيفة في حين تقوم الحكومة بتوظيف أشخاص تصل رواتبهم إلى آلاف الدنانير."

ما الذي تغير في الساحة الحراكية الأردنية؟

اتّساع رقعة مشاركة حراكات عشائرية في الاحتجاجات، التي تتواجد في الشارع الأردني اليوم، تمثّل رد فعل طبيعي على النهج النيوليبرالي الذي قوّض ما كان أبناء العشائر يعدونه مكتسبات طبيعية لهم

ياسر معادات - أحد أعضاء الحراك الشبابي الأردني

منذ بداية عام 2019، والأردن يشهد احتجاجات متفرقة، مطالبها منوعة، ولكنّ غطاءها الأساسي هو الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها المواطنون، الفارق الكبير الذي بدا ملاحظاً على الساحة السياسية الآن؛ هو تنامي أركان الحراك المنضمين من عشائر شرق أردنية لطالما كانت موالية للنظام والحكومة، حتى بدأت تتغير ديموغرافية الحراك في الشارع بشكل جلّي.

اتضّحت صورتها بشكل واسع خلال احتجاجات الرابع مايو/أيار – يونيو/حزيران 2018، وعلا صوتها في أرجاء المحافظات الأردنية، رافعةً السقف بشكل واضح جداً، ومطالبة بتعديلات دستورية وانفتاح على الحياة السياسة في الأردن.

قبل عدة أيام أصدرت عشيرة بني حسن، بياناً عشائرياً للانضمام لحراك تحرّك وإصلاح وطني، والتحضير لاعتصام مفتوح، ومسيرة مليونية من محافظات المملكة، ترفع شعار "تعديل الدستور"، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني مكوّنة من31 شخصية قيادية في العشائر الأردنية.

قابل هذا البيان، بيان مؤازرة من عشيرة بني عباد، التي آزرت عشيرة بني حسن في بيانهم ودعوهم للزحف إلى العاصمة عمان في 2 مايو/آيار 2019، "للتصدي للفاسدين".

جزء من عشيرة بني حسن استنكرت البيان فيما بعد، معللةً ذلك بأن هذا البيان لا يمثّل رأي العشيرة ككل، وأن مواقفهم ثابتة إزاء القيادة الهاشمية، ولن يسمحوا لأحد بتجاوز اسم القبيلة.

أحد أعضاء الحراك الشبابي الأردني ياسر معادات يؤكد لـTRTعربي إن "اتّساع رقعة مشاركة حراكات عشائرية في الاحتجاجات، التي تتواجد في الشارع الأردني اليوم، تمثّل رد فعل طبيعي على النهج النيوليبرالي الذي قوّض ما كان أبناء العشائر يعدونه مكتسبات طبيعية لهم، سواء عبر الوظائف الحكومية والعسكرية أو المكارم في إطار عقد اجتماعي غير معلن بين السلطة والعشائر".

فيما توجّه أمجد هزاع المجالي، وهو وزير سابق وسكرتير خاص للملك حسين عام 1976، برسالة إلى الملك عبد الله الثاني لتشكيل لجنة متابعة وطنية تضم عدداً من الشخصيات الوزارية والعشائرية، لتغيير "النهج السياسي والاقتصادي القائم على الفساد والاستبداد".

انضم لهذه العريضة عدد من الوجوه العشائرية والمعارضين السياسيين، منهم الفريق الركن محمود حماد، والفريق الركن موسى العدوان، بالإضافة لليث شبيلات وعدد كبير من الشخصيات العامة.

الكاتب والناشط السياسي الدكتور سعيد المومني يقول لـTRTعربي "إن التطور الحاصل خصوصاً على الصعيد العشائري هو تطور طبيعي نتيجة شعور أبناء الأطراف في المحافظات بالتهميش، وأن الدولة مارست سياسة التسويف والوعود الكلامية على مدار سنوات عديدة، في وقت اتّهم الكثير من الوزراء ورؤساء الوزراء وأشخاص عينوا في مناصب قيادية عامة بقضايا فساد، رغم أنهم كانوا يحصلون على كتب شكر من الدولة".

ورغم صعود الأصوات العشائرية المنادية بتغيرات سياسية واقتصادية في البلاد تارةً وهبوطها تارةً أخرى، فإنه يدل على تغيرات جديدة تظهر على الساحة الحراكية في الأردن، والانتقال من الرعاية الريعية التي كان يتمتع بها أبناء العشائر إلى الانضمام للركب العام الذي يعاني من أزمات اقتصادية وسياسية في الأردن

ويضيف المومني "إن وجهاء العشائر ينقسمون لقسمين، وجهاء الدولة الذين تعيّنهم الدولة يطلق عليهم اسم "أصحاب العُبي الصيني" والذين تعتبرهم الدولة صمام أمانها في مواجهة المشكلات، أما القسم الثاني هم وجهاء الشارع ورموز لها وزنها الشعبي، لكن الدولة تحاول تهميشهم لأنهم يعارضون نهجها ويزعجونها ".

إن وجهاء العشائر ينقسمون لقسمين، وجهاء الدولة الذين تعيّنهم الدولة يطلق عليهم اسم "أصحاب العُبي الصيني" والذين تعتبرهم الدولة صمام أمانها في مواجهة المشكلات، أما القسم الثاني هم وجهاء الشارع ورموز لها وزنها الشعبي

الدكتور سعيد المومني - كاتب وناشط سياسي

أزمة بأثر رجعي:

بحكم موقع الأردن الجغرافي الذي يقع في وسط ملتهب منذ بداية الثورات العربية عام 2011، تكبّد الكثير من الخسائر الاقتصادية؛ بسبب إغلاق الكثير من المنافذ الحدودية التجارية مع سوريا والعراق، وتدفّق عدد كبير من اللاجئين إلى دولة تعاني من البداية أزمتها الاقتصادية الخاصة.

ففي تصريح سابق للمتحدثة الرسمية باسم الحكومة جمانة غنيمات قالت "إن الأردن عانى من حصار اقتصادي منذ عام 2008 تمثّل بانقطاع الغاز المصري، وإغلاق الحدود مع سوريا والعراق".

ومنذ ذلك الوقت تحاول الأردن البحث عن حلول وطرق بديلة لفتح بوابات اقتصادية جديدة، تمكنّها من الخروج من عنق الزجاجة كما كان يردد رئيس وزراء الحكومة السابق، هاني الملقي، الذي اسقطته احتجاجات شعبية بسبب الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها الأردن وفرض ضريبة دخل على المواطنين، بالإضافة لتداعيات غلاء المعيشة المستمرة، ورفع الدعم عن الخبز.

ومع تغيير الحكومة الأردنية، ووصول حكومة الدكتور عمر الرزاز في يونيو/حزيران 2018، اتخذّت الحكومة خطاب "تغيير النهج الاقتصادي" واتباع أسلوب الاعتماد على الذات.

بالطبع الحكومة الأردنية الحالية لا تملك عصا سحرية، ولكنها تحتاج لخطط اقتصادية حقيقية تنأى بها عن الوعود الكلامية التي لم يعد يصدقها المواطن، وهذا الذي أكدّت عليه غنيمات في لقائها الأخير مع قناة المملكة الأردنية "في ظل أزمة الثقة، ومحدودية الفرص، وتعطش الشباب للعمل، أصبح هناك هجوم على كل شيء".

ويتوقع الدكتور سعيد المومني أن "الفترة القادمة ستشهد تصعيداً أكبر واحتقاناً شعبياً أكبر؛ لأن الناس شعرت أن الدولة فشلت في كل ما وعدت به الشارع وتبحث عن نهج جديد".

المصدر: TRT عربي - وكالات