لطالما شكل قطاع غزة عبر كل الحقب، كما يؤكد المؤرخون والدارسون، مع موقعه الاستراتيجي الذي جعله بوابة آسيا والمخفر الأمامي أو حارس مصر وإفريقيا، مطمعاً للغزاة، وآخرهم الاحتلال الإسرائيلي الذي يحارب أقدميته ويحاول طمس كل معالم حضاراته.

لطالما كانت آثار فلسطين محل صراعٍ دائم في معركة إثبات الشرعية وحق الفلسطينيين في أراضيهم التي هُجِّروا منها عنوةً عام 1948م، وخلال هذه المعركة الطويلة لم يتمكن الفلسطينيون من إنشاء متحف يحفظ لهم تراثهم وهويتهم، ويكون خير شاهد على تجذرهم في هذه الأرض، إذ تُعتبر الآثار أهم سلاح لمواجهة الاحتلال.

وبسبب وجود فلسطين في قلب صراع دائم وحروب، وبسبب الانقسام الفلسطيني منذ 15 عاماً، تعرضت آثار قطاع غزة للإهمال أو التدمير على يد آلة البطش الإسرائيلية، آثار تضرب في عمق جذور التاريخ الإنساني كما يؤكد المؤرخ الفلسطيني أستاذ التاريخ والحضارة وحقوق الإنسان في الجامعة الإسلامية الدكتور غسان وشاح، في حوار خاص مع TRT عربي، أنه "من المعروف والمتفق عليه، بحسب الأحافير والحفريات والمصادر التاريخية، بأن غزة من أقدم المدن في التاريخ الإنساني التي سكنها البشر. عشرات الأمم والحضارات مرت عليها، اليونان والآشوريون والكلدانيون والبابليون والفراعنة والرومانيون، مروراً بالحضارة الإسلامية ثم الصليبيين، ثم الحكم الإسلامي العثماني ثم الانتداب البريطاني، وأخيراً الاحتلال الإسرائيلي حتى يومنا هذا".

تعرضت آثار قطاع غزة للإهمال أو التدمير على يد آلة البطش الإسرائيلية (TRT Arabi)

ولطالما شكل قطاع غزة عبر كل الحقب، كما يؤكد المؤرخون والدارسون، مع موقعه الاستراتيجي الذي جعله بوابة آسيا والمخفر الأمامي أو حارس مصر وإفريقيا، مطمعاً للغزاة، وآخرهم الاحتلال الإسرائيلي الذي يحارب أقدميته ويحاول طمس كل معالم حضاراته.

يستذكر الدكتور وشاح "السياسي الأمريكي جون باتون الذي كان موجوداً في قطاع غزة حقبة السلطة الفلسطينية، وقال وقتها: وأنت تمشي في غزة أنت تمشي على التراث والحضارة، فكل شبر في غزة أنت تسير عليه، فإنك تسير على التراث الإنساني والبشري والتاريخ الذي مر على هذه المدينة التاريخية". هذا التاريخ الحافل بالحضارات والتراث المادي وغير المادي جعل الاحتلال منذ السبعينيات يعمد إلى سياسة نهب وسرقة الأماكن الأثرية واستباحتها أو تدميرها.

الآثار الفلسطينية (TRT Arabi)

كما يؤكد الدكتور وشاح أنه "منذ السبعينيات، وفي عهد وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان، والصهاينة يتعمدون سرقة الآثار والتراث الفلسطيني في قطاع غزة وينقلونه إلى دولتهم، ويدّعون ملكيته ويزعمون بأن أصوله توراتية، لإثبات حقهم في فلسطين، ودير القديس هيلانيوم الواقع جنوبي قطاع غزة أكبر شاهد على ذلك، حيث تم اكتشاف الدير مطلع التسعينيات في فترة احتلال الجيش الإسرائيلي للقطاع، لتتم استباحة مدينة رومانية مسيحية كاملة، وسرقة كل ما فيها من آثار ونقلها إلى داخل الكيان الصهيوني".

ولم تقتصر ممارسات الاحتلال ضد التراث الإنساني الفلسطيني في القطاع على هذا الحد، فقد أجرى الدكتور غسان وطلبته دراسةً موسّعة توصلت إلى تعمد الاحتلال استهداف التراث في حروبه التي شنها ضد القطاع، خاصة في حرب 2014، إذ استهدف الأماكن والبيوت والمساجد والمواقع الأثرية متعمداً، وذلك وفق دراسة موثقة بالصور والبيانات والمعلومات والإثباتات التي تم توثيقها في فيلم تسجيلي أشرف عليه الدكتور غسان مع طلبته.

إن جلّ ما تمكن القطاع من حفظه من التراث الذي تزخر به المنطقة محفوظ بجهود فردية، أو بجهود عائلات فلسطينية أصرت على حماية الأثريات والقطع والتحف الفلسطينية النادرة من الطمس والتلف والتهويد، ومن هذه المتاحف متحف شهوان ومتحف العقاد والخضري وأبو لحية، وهي متاحف بسيطة يُقيمها أفراد أو عائلات داخل بيوتهم، فيما تضم قطعاً نادرةً ومهمةً جداً يعود بعضها إلى العصر الكنعاني وبعضها الآخر إلى اليابوسي، وإلى العهد الفرعوني وغيرها من العصور البشرية التي سكنت القطاع.

مروان شهوان واحد من الفلسطينيين الذين بذلوا عمرهم وجهودهم لحفظ التراث والهوية الفلسطينية في قطاع غزة (TRT Arabi)

مروان شهوان واحد من الفلسطينيين الذين بذلوا عمرهم وجهودهم لحفظ التراث والهوية الفلسطينية في قطاع غزة، إذ أنشأ متحفاً داخل بيته بجهوده وأمواله الخاصة، يضمّ الكثير من المقتنيات الأثرية والقطع النادرة التي تعود بتاريخها إلى أزمنة بائدة.

أوضح مروان في حوار خاص مع TRT عربي أنه بدأ بجمع التحف الأثرية منذ كان شاباً صغيراً، حتى أصبح هذا الأمر هوايته، فكان يبحث عن القطع التاريخية والنادرة من فخار وأدوات قيمة، وآثار وتحف، أينما وجدت في قطاع غزة، ويشتريها من أصحابها الذين وجدوها في أراضيهم أو غير ذلك من الأماكن، وقد ظلّ هكذا طوال أربعين عاماً مضت حتى جمعها في متحف خاص أسفل منزله.

وقد واجه مروان العديد من المصاعب خلال جمعه للآثار الفلسطينية وحفظها، كان أبرزها سيطرة الاحتلال على القطاع ومحاربته كل ما هو فلسطيني، وتفتيشه المستمر عن الآثار والقطع النادرة، فكان يخفيها جيداً بعيداً عن أعينهم، ومع خروج الاحتلال من القطاع بدأ بإنشاء متحف تحت منزله، وأخذ الزوار والسائحون يفدون إليه من كل أنحاء العالم عرباً وغرباً، دارسين وباحثين في الدكتوراه ومهتمين بالتراث، ليشاهدوا المتحف الذي أنشأه بماله وجهده الخاصين من دون مساعدة من أي جهة حكومية أو دولية، وقد كان كل اهتمامه ينصب على حفظ التراث الفلسطيني وتعريف العالم به.

آثار فلسطينية (TRT Arabi)

متحف آخر رأى النور بفضل جهود الفنان التشكيلي محمد أبو لحية وزوجته، إذ عمل الزوجان على جمع مقتنيات وتحف وقطع أثرية تعود بتاريخها لأكثر من سبع حضارات مرت على فلسطين، ووضعها في منزل خاص يقع بين الحقول والأشجار في منطقة القرارة جنوبي القطاع.

أكد أبو لحية في حوار خاص مع TRT عربي أن اختيار مكان المتحف كان مقصوداً، "فمنطقة القرارة الواقعة جنوبي القطاع هي بحد ذاتها منطقة أثرية تعود بتاريخها إلى آلاف السنين، وقد كان الدافع من وراء تدشين المتحف الحفاظ على التراث الفلسطيني وحمايته، ومنه منطقة القرارة التي تعاني تهميشاً كبيراً، على الرغم من المواقع الأثرية القديمة التي تحتويها المنطقة مثل الشيخ حمودة وسوق مازن وتل القطيف وطريق الربايع وغيرها، وهذه الأماكن كانت بحاجة إلى رعاية واهتمام، وتوثيق وتسجيل".

متحف آخر رأى النور بفضل جهود الفنان التشكيلي محمد أبو لحية وزوجته، إذ عمل الزوجان على جمع مقتنيات وتحف وقطع أثرية (TRT Arabi)

لقد وضع أبو لحية وزوجته آمالاً كبيرة على متحفهما الخاص الذي لم يكن أسمى أهدافهما، فهما من خلال المتحف يسعيان إلى الحصول على اعتراف بالمناطق القديمة والأثرية في القطاع من الجهات الرسمية العالمية مثل اليونسكو وغيرها من المؤسسات التي تُعنى بالسياحة والآثار، وكذلك يأملان في إنشاء متحف فلسطيني يجمع كل التاريخ والتراث المادي وغير المادي ويحفظه من الضياع والطمس، ويعرّف العالم بفلسطين الأثرية التاريخية.

ويثمّن الباحثون في الآثار الفلسطينية الجهود الفردية لحفظ الآثار في قطاع غزة، ويعتبرونها بحاجة إلى دعم لأن معركة حفظ الآثار الفلسطينية تحتاج إلى رعاية حكومية ودولية، كما يطالب الدكتور وشاح بأنه "يجب أن تضع الحكومة المُقبلة قضية إنشاء متحف فلسطيني في غزة على سلم أولوياتها".

TRT عربي