باريس، القاهرة، سان بطرسبرغ... مدنٌ ملهمةٌ أدبياً، لكونها احتضنت عظماء الأدب العالمي. أدباء وروائيون ظلّ ثقلهم حاضراً في شوارع هذه المدن ومقاهيها. لكن هل يعرفُ الجميع أنّ إسطنبول أيضاً ملاذٌ رائع لمحبّي الأدب؟

يعرف الجميع مدناً ملهمةً أدبياً مثل باريس ودبلن والقاهرة وطنجة وسان بطرسبرغ، لكونها احتضنت أدباء كبار وروائيين شكّلوا نقلاتٍ نوعية في تاريخ الأدب العالمي. فبقي ثقلُهم حاضراً في شوارع هذه المدن ومقاهيها وحدائقها...

لا يمكن لمن يسير في شوارع باريس مثلاً ألّا يشعُر بثقلِ هذه المدينة أدبياً، وألّا يستحضر فيكتور هوغو وفولتير وجان جاك روسو الذين أغْنت كتُبهم ورواياتهم وفكرهم تاريخ الفلسفة والأدب، وألّا يتذكّر أنّ أغلب الحاصلين على جائزة نوبل في الأدب، مرّوا من هنا.

أمّا من يعشقُ الأدب، فلا بدّ أن يشرب فنجان قهوة في مقهى دو فلور de Flore في شارع سان جيرمان بباريس، ليسترجع أجواء الإلهام التي غمرت الفيلسوفين والكاتبين جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار هنا، وأيضاً الشاعر جاك بريفير.

لكنّ الذي لا يعرفه الكثيرون أنّ إسطنبول أيضاً مدينةٌ ملهمةٌ أدبياً، وقد تكون ملاذاً رائعاً لمحبّي الأدب وعاشقي الرّواية.

إسطنبول.. السّياحةُ الأدبية أيضاً

إسطنبول مدينةٌ مثالية للسّياحة التاريخية. فجوامِعها وكنائسُها ومتاحفُها ومبانيها تحمل إلى الزائر نسائمَ ماضٍ ثري بالأحداث التاريخية والتعايش الإنساني والتلاقح الثقافي والحضاري.

ما يغفل عنه الكثيرون هو أنّ إسطنبول فضاءٌ نموذجي لمن له ولعٌ بالأدب وتشغف قلبه قراءة الشعر والقصة وتفتنه العوالم الروائية.

غير أنّ ما يغفل عنه الكثيرون هو أنّ هذه المدينة الجميلة فضاءٌ نموذجي لمن له ولعٌ بالأدب، وتشغف قلبه قراءة الشعر والقصة، وتفتنه العوالم الروائية.

تضمّ إسطنبول مجموعةً من المتاحف الأدبية المهمّة. متاحفُ تنقُل للزائر أجواءَ الإبداع الفاتنة التي كانت لصيقةً بأدباء أتراك تركوا أثراً ضخماً في الأدب العالمي. كأنّها آلاتُ زمن تُرجِع الواحد إلى عصورٍ ماضية، بأثاثها وكُتبها وشموعها وسجائرها.

من يُريد أن يسترجع أجواء الإبداع الأدبي التركي في العهد العثماني، يستطيع أن يزور متحف آشيان الواقع في بيت الشاعر توفيق فكرت (1867 ـ 1915)، وهو واحدٌ من أهمّ مؤسسي المدرسة الحديثة في الشعر التركي.

يقعُ المتحف في القسم الأوروبي من إسطنبول، وتحديداً في منطقة بشيكطاش، مطلّاً على مضيق البوسفور. إذا كنتَ تبحثُ عن الإلهام، يمكنُك أن تصعدَ إلى الطابق الثاني من المتحف، وتجلس على سرير توفيق فكرت، تتصفّح بعضاً من كُتبه، ثم ترمي بصرك من النّافذة نحو لمعان البحر، وتتخيّل أجمل لحظات الوحي في حياة هذا الشاعر.

حين تتحوّل روايةٌ إلى متحف

احتضنت إسطنبول، ولا تزال، واحداً من أهمّ الروائيين في الأدب المعاصر، وهو أورهان باموك الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2006. هذا الكاتب الذي أبى إلّا أن يكون وفياً لهذه المدينة الساحرة، ويقضي فيها كلّ حياته، ويمنحها حيّزاً مهمّاً في جلّ رواياته، باعتبارها مدينةً ملهمة وغنيةً بالمادّة التي تصلح أن تتحوّل إلى أدب.

متحف البراءة 
متحف البراءة  (Getty Images)

أصدر أورهان باموك روايته متحف البراءة عام 2008، ليروي قصّة حبّ مستحيلة بين كمال المنحدر من الطبقة الأرستقراطية في إسطنبول خلال سبعينات القرن الماضي، وفسون الفتاة الفقيرة التي تربطه بها علاقةُ قرابةٍ بعيدة.

أعمَق من ذلك، تتناول "متحف البراءة" قصّة تركيا المعاصرة، وتتغنّى بإسطنبول من خلال شوارعها وجسورها وميادينها، بل حتى من خلال زجاجات "ميلتيم"، أوّل ماركة للمشروبات الغازية بطعم الفاكهة في تركيا.

عام 2012، سيُفاجئ باموك الإسطنبوليين بافتتاح متحفٍ أنيق في منطقة جيهانكير، سمّاه، تيمّناً بالرواية، "متحف البراءة". يتضمّنُ المُتحف 83 خزانةً مرقّمة، كلّ واحدةٍ مخصّصة لفصلٍ من الرّواية، وتحتوي كلّ خزانة على أغراضٍ مختلفة، من صورٍ بانورامية، وأثاثٍ منزلي، كوب شاي تركي، منفضة سجائر، مشبك شعر وأقراط تعود لفسون، وأعقاب سجائر دخّنتها هذه الشخصية طيلة أحداث الرّواية.

إذا كنت من عُشّاق الأدب، زُر مُتحف البراءة في إسطنبول. ستعيشُ داخل عالمٍ روائي حقيقي، بملمسه وروائحه وأجوائه. وعندما ستخرج، ستتحوّل فعلياً إلى شخصيةٍ هاربةٍ من الرّواية.

متحف البراءة ـ فستان فسون 
متحف البراءة ـ فستان فسون  (Getty Images)

أدباء لم تغادرهم إسطنبول

من الصّعب أن يكتُب المرء عن أشياء لا تُلهمه. لذلك، يُمكن اعتبار الكتابة عن إسطنبول، وخلق عوالم روائية وشعرية كاملة انطلاقا من فضاءاتها، نِتاجَ هرمون الإلهام الذي تُفرزه هذه المدينة بغزارة.

الرّوائي التركي أورهان كمال (1914 ـ 1970)، أظهر للعالم الأوضاع الاجتماعية التي كان يعيشها المجتمع التركي، وخاصّة الإسطنبولي، في تلك الفترة، في قالبٍ واقعي، وذلك من خلال رواياته "الكنّة" و"مفتّش المفتّشين" و"الأبله". باختصار، كتب كمال عن الفقراء والمسحوقين والفلاّحين والنساء...

الروائية إليف شفق لم تغادر إسطنبول رأسَها، بالرّغم من ولادتها ونشأتها في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، وانتقالها بعد ذلك للإقامة في مدريد، قبل أن ترجع للعيش في إسطنبول، ثم تغادر للاستقرار في الولايات المتحدة. هذه الأخيرة لعبت دوراً مهمّاً في النتاج الأدبي لهذه الكاتبة العالمية، ومنها روايتها الشهيرة "قواعد العشق الأربعون".

في إحدى مقابلاتها، تقول إليف عن إسطنبول "كنتُ على الدوام أنتقل من مكان إلى آخر. إنني تركية الأصل وعالمية في آن واحد. لكنْ، مرتبطةٌ بعلاقة حبّ فريدة مع إسطنبول، إذ كلّما تركتُ هذه المدينة، شعرتُ أنني أعود إليها باشتياق".

إنني تركية الأصل وعالمية في آن واحد لكنْ مرتبطةٌ بعلاقة حبّ فريدة مع إسطنبول إذ كلّما تركتُ هذه المدينة شعرتُ أنني أعود إليها باشتياق.

إليف شفق

ناظم حكمت أيضاً (1902 ـ 1963)، والذي يُعتبر واحداً من أبرز الشعراء الاشتراكيين الرومانسيين في العالم، سواء على مستوى الثقافتين التركية أو العربية، كان مرتبطاً بمدينة إسطنبول بشكلٍ كبير، بالرغم من ولادته في اليونان. هو الذي قال عنها "أنا الذي تجسّدت فيه مدينةُ إسطنبول".

الإلهام من زاويةٍ أخرى...

الحبّ والجمال والعطاء والتعبير عن المشاعر... كلّها مصادرُ للإلهام، وموادّ أولية للإبداع الأدبي. في إسطنبول، تنتشرُ الورود في كلّ الشوارع والطّرُقات، ويحرصُ الإسطنبوليون على اقتنائها بمناسبةٍ أو بدونها.

هذه الثقافةُ الجميلة تجعلُ كلّ عاشقٍ للأدب يُفكّر في تلك المشاهد التي قرأ عنها في الروايات الرومانسية، حيث يرفرف الحبّ في الطرقات المزينة بالورود، وفي الحدائق الطافحة بالزهور المختلفة الألوان. وهي مشاهدُ ملهمةٌ أدبياً وجمالياً.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ أي إرث إنساني ثري وضخم ومتنوّع هو مصدرٌ للإلهام أيضاً. مجرّد رؤية قبّةٍ شامخة كآيا صوفيا مثلاً، والتفكير في كلّ ذلك الزّخم التاريخي والتنوع الثقافي الذي بصمها، وكيف أنّ مبنىً واحداً انتقل من كاتدرائية إلى مسجد ثمّ إلى متحف، يجعلُ محبّي الأدب، وخاصّة الإنساني والتاريخي، يجدون مادّةً دسمة من المعرفة والمتعة الكفيلتين بخلق الرغبة في الإبداع.

لقد ألهمت إسطنبول مجموعةً من الأدباء العرب وجعلتهم يقولون شعراً فيها منهم الشاعر المصري أحمد شوقي الذي كتب قصيدةً وصف فيها انبهاره من رؤيته مضيق البوسفور.

لقد ألهمت إسطنبول مجموعةً من الأدباء العرب، وجعلتهم يقولون شعراً ونثراً في حقها. من هؤلاء الشاعر المصري أحمد شوقي الذي كتب قصيدةً وصف فيها انبهاره من رؤيته مضيق البوسفور، وأخرى في وصف آيا صوفيا، يقول في مطلعها:

"كنيسةٌ صارت إلى مسجد

هدية السيد للسيد

شيّدها الرّوم وأقيالهم

على مثال الهرم المقلّد".

وأخيرا.. رسالة حبّ إلى إسطنبول

لم يستطع الروائي التركي أورهان باموك ترك إسطنبول. إنها حبّه وإلهامه وسعادته الأدبية الوحيدة، فلم يكتب عن مدينةٍ غيرها، ولم يرضَ أن يكتب لمدينةٍ غيرها. وبالإضافة إلى مذكراته "إسطنبول.. الذكريات والمدينة"، كتب أورهان رسالةً مطولة إلى إسطنبول، يصف فيها انبهاره الدائم بهذه المدينة وتاريخها وأحيائها وقصصها.

تبيّن الرسالةُ أيضا ذلك الحبّ الجنوني الذي يكنّه الكاتب لهذه المدينة، وخاصّةً حيّ جيهانكير. يقول باموك "تناول الطعام في هذا المكان كان يجعلني أشعر أنني جزء من هذه الحشود الصاخبة المحيطة بي، وأشعر أنني أنتمي إلى هذه المدينة. لكنّ ما كان يجعلني منجذباً لجيهانكير أكثر هو ذلك التحوّل السّريع الذي عرفهُ سوق جوكورجوما الصغير والمتهالك سنة 2000، حيث تحوّلت المتاجر التي كانت تبيع الأشياء القديمة إلى متاجر تُحفٍ عتيقة، تقدّم لنا صوراً رائعة عن الماضي الزّائل".

المصدر: TRT عربي