نفّذت الشرطة الأوروبية خلال الفترة الأخيرة أوسع مداهمات متزامنة على 46 مبنى بألمانيا وإيطاليا وبلغاريا، لإلقاء القبض على عناصر منتمين إلى عصابة "ندرانجيتا"، وهي أقوى منظمة مافيا عابرة للحدود.

تصدرت أخبار جرائم مافيا "ندرانجيتا" التي نما نشاطها بشكل مخيف خلال الفترة الأخيرة، عناوين الأخبار في الصحف والمجلات الأوروبية.

ووفق ما أشار إليه مسؤولون أوروبيون فإن الشبكة الإجرامية التي تتّخذ من كالابريا الواقعة جنوب غربي إيطاليا مقراً لها، تمددت كثيراً لتشمل اليوم بقية بلدان الاتحاد الأوروبي، وكان ذلك في الغالب تحت غطاء الشركات التجارية.

وبعد أن أسفرت الملاحقات والمداهمات التي شنّتها الشرطة الأوروبية ضد عناصر وقيادات "ندرانجيتا"، بدأت التحقيقات والمحاكمات الكشف عن أسرار العصابة ونشاطاتها ومصادر دخلها وشبكاتها، ليصبح المجتمع الإيطالي والأوروبي إزاء حقيقة مفادها أن "ندرانجيتا" تمكنت اليوم بعد عقود من تأسيسها، من الانتشار مثل الخلايا السرطانية والتغلغل واختراق عدة قطاعات، ونجحت بذلك في تحصيل ثروة طائلة.

من عصابة محلية إلى مافيا عالمية

يعود تاريخ نشأة شبكة "ندرانجيتا" الإجرامية الإيطالية إلى خمسينيات القرن المنصرم، وقد انطلقت بداياتها من منطقة كالابريا الواقعة جنوب غربي إيطاليا والتي كانت تشهد آنذاك غياباً كبيراً للقانون وانتشاراً للفساد.

ويشير خبراء ومحللون إلى أنها جماعة إجرامية تقليدية، بناءً على هيكلها التنظيمي والعلاقات بين الأفراد، إذ تضمّ المجلس الأعلى للمنظمة، بالإضافة إلى القسم الذي ينضوي تحته جميع العشائر ممثلة على قدم المساواة، ويتكون هذا القسم أساسا من 50 عضواً، ويشرف على العمليات المحلية.

وتَمثَّل نشاط "ندرانجيتا" في البداية في تنفيذ عمليات اختطاف لطلب الفدية، ووفق ما نشرته وزارة الداخلية الإيطالية في تقارير رسمية فإن عدد ضحايا هذه الجرائم منذ عام 1969 حتى حدود عام 1999 بلغ 700 شخص، وقد أثار ذلك انتباه بقية العصابات والشبكات الإجرامية الريفية والسياسية التي دخلت في عمليات مشتركة مع "ندرانجيتا"، لتبلغ بذلك حصتها خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ما بين 60% و70% من أموال الفديات التي قُدّرَت بـ470 مليون دولار.

وبدأ نجمها يسطع في عالم الجريمة الإيطالية منذ ذلك الحين، ليصنّفها القانون الإيطالي عام 2010 على أنها عصابة "مافيا". وبدأت الانتشار في المناطق الإيطالية كافة، وتمدّدَت أنشطتها لتصل إلى نحو 31 دولة أخرى.

وأكّد في هذا السياق أحد المسؤولين الإيطاليين في تصريح سابق، أن مافيا "ندرانجيتا" تكاد تكون المافيا الوحيدة الموجودة اليوم في جميع القارات.

ويرى خبراء ومحللون أن هذه الشبكة الإجرامية بدأت تنمو في الدول التي ليس بها كثير من التشريعات المناهضة للمافيا، على غرار كندا وعدة بلدان أوروبية.

وبينما كان نشاطها يقتصر في البداية على الاختطاف، تَطوَّر اليوم ليشمل غسل الأموال والاتجار في المخدرات والبشر والأسلحة، والابتزاز والتهريب. وغالباً ما تمر هذه الجرائم بلا رادع قانوني، ولا يزال القانون الدولي قاصراً عن وقف المافيا ووضع حد لها.

ووفقاً لتقارير أجرتها عدة مراكز بحثية إيطالية، فإن مافيا "ندرانجيتا" تجني ما يتراوح بين 330 و385 مليون دولار أسبوعياً. وتعادل إيراداتها السنوية نحو 60 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم يفوق الناتج المحلي الإجمالي لبلدان بأكملها، مثل الأردن ولبنان وأوروغواي. ويأتي نصف هذه العائدات من تجارة الكوكايين في أوروبا، التي تسيطر "ندرانجيتا" على أكثر من 80% منها.

ملاحقات ومحاكمات

بعد أن أصبحت تمثل هاجساً أمنياً حقيقياً وأصبح تهديدها يتمدد في عدة بلدان، تضافرت عدة جهود دولية لمحاولة تفكيك هذه الشبكة التي باتت تضمّ أكثر من 20 ألف عضو. ونسقت القوات القضائية والشرطية الأوروبية عمليات مشتركة هي الأكبر من نوعها في أوروبا، لملاحقة عناصر وقيادات مافيا "ندرانجيتا".

وتمكنت عام 2018 من إلقاء القبض على 84 مشتبهاً به في إيطاليا وألمانيا وبلجيكا وهولندا. بدوره أطلق الأنتربول لاحقاً مبادرة التعاون الدولي ضد "ندرانجيتا"، وهي خطة عالمية مدتها ثلاث سنوات لتفكيك شبكات وعمليات هذه العصابة.

واستمرّت الملاحقات والمداهمات لمعاقل عناصر المافيا، وتُتُبّعَت تحركاتهما وعملياتهم، حتى أُلقيَ القبض في ديسمبر/كاون الأول 2019 على عدد من المشتبه بهم، ومن بينهم أسماء بارزة في عالم الجريمة. ووُجّهت الاتهامات خلال يناير/كاون الثاني إلى نحو 355 شخصاً بارتكاب جرائم متنوعة، ويضم التحقيق الذي ما زال مستمراً أكثر من 900 شاهد.

TRT عربي
الأكثر تداولاً