مع عودة الحياة إلى طبيعتها شيئاً فشيئاً في تركيا إثر انتشار وباء كورونا، تستعد السلطات إلى إحياء الموسم السياحي من خلال اتخاذ جملة من الإجراءات الوقائية التي من شأنها أن تجعل السائح يستمتع بوقته بأمن وسلامة.

اليازار الكبير في إسطنبول 
اليازار الكبير في إسطنبول  (AP)

عقب النجاح الذي حققته تركيا في مكافحة فيروس كورونا على أراضيها وانحسار انتشاره إلى درجة كبيرة جداً، توصلت نتائج استطلاع نفذه منتدى الاجتماع الدولي وسياحة الأفراح في 45 دولة حول العالم إلى أن تركيا ستكون أسرع وجهة سياحية يمكنها التعافي مع وباء كورونا، وسط توقعات بأن يعود السياح إلى وجهتهم المفضلة التي زاروها العام الماضي قرابة 50 مليون سائح أجنبي، وحلت بالمرتبة السادسة عالمياً كأكثر الدول في العالم استقبالاً للسياح.

ولتمهيد الطريق أمام افتتاح الموسم السياحي لهذا العام، بدأت تركيا التحضيرات لضمان موسم ساحر وآمن في الوقت نفسه عبر حزمة كبيرة واستثنائية من الإجراءات الوقائية، والأمنية، والصحية والخدماتية التي يمكنها خفض مخاطر الإصابة بفيروس كورونا إلى أدنى درجة ممكنة، من خلال نظام الفحص وتطبيق شروط الوقاية والسفر الجديدة، وقواعد التباعد الاجتماعي، والشروط الصحية في الطائرات والفنادق والمنتجعات والسواحل والحدائق.

وعقب وضع الخطط الكاملة واتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة، فتحت تركيا الباب أمام "السياحة العلاجية" لتقديم الخدمات الطبية عبر منظومتها الصحية الضخمة والتي تفوقت على نظيراتها في معظم دول العالم في أزمة كورونا، تستعد خلال الأيام المقبلة لفتح الباب أمام السياحة الداخلية، وذلك تمهيداً للإعلان عن فتح الباب أمام السياحة الخارجية بحلول منتصف شهر يونيو/حزيران.

فمن سواحل أنطاليا عاصمة السياحة التركية، ومرمريس لؤلؤة الساحل، ومرتفعات البحر الأسود في طرابزون وريزة، مروراً بمعالم إسطنبول التاريخية ومتاحفها وجزرها وسواحلها وأسواقها، وصولاً إلى مرتفعات بورصة وشلالاتها، تتواصل الاستعدادات على قدم وساق لاستقبال السياح من الداخل والخارج.

مواعيد وقوانين السفر الجديدة

عقب الإغلاق العام الذي شهدته تركيا على غرار دول العالم في ذروة انتشار فيروس كورونا، بدأت الحكومة التركية بتخفيف إجراءات الحد من الحركة والسفر تدريجياً. فعلى الصعيد الداخلي تم رفع منع التنقل بين المحافظات التركية الـ81 بشكل تدريجي وصولاً لرفعه بشكل كامل بحلول الأول من يونيو/حزيران، حيث استأنفت، الخميس 28 مايو/أيار، حركة القطارات بين المحافظات برحلة من العاصمة أنقرة إلى إسطنبول.

وبناءً على هذا القرار، أعلنت الخطوط الجوية التركية استئناف رحلاتها الداخلية في الرابع من يونيو/حزيران، على أن يتم استئناف الرحلات الخارجية في العاشر من الشهر نفسه ولكن ضمن حزمة من الشروط والقواعد الجديدة التي تضمن سلامة المسافرين ومنع انتشار الفيروس مجدداً في البلاد.

وزير الثقافة والسياحة التركي، محمد نوري أرصوي، عبّر عن اعتقاده أن "السياحة الخارجية مع بعض الدول ستبدأ بعد منتصف يونيو"، لافتاً إلى أن "الرحلات الجوية سيتم استئنافها أولاً مع بلدان آسيا، مثل الصين وكوريا الجنوبية اللتين تقومان باستعدادات سريعة في هذا الخصوص"، وأشار إلى أنه "في دول أوروبا أيضاً هناك استعدادات جدية لاستئناف الرحلات الجوية الخارجية".

وبشكل عام، وفي المرحلة الأولى، سوف تعمل كافة رحلات الباصات والقطارات والطائرات داخلياً وخارجياً بـ50% فقط من طاقتها الاستيعابية للركاب، وسيتم ترك مقعد فارغ بين كل مسافر والآخر، وسيتم قياس درجات حرارة كافة المسافرين والداخلين إلى المطارات والطائرات بالكاميرات الحرارية أو أجهزة الفحص عن بعد، مع اتباع إجراءات التعقيم بشكل دقيق، وسيكون ارتداء الكمامات إجبارياً في كافة الرحلات، بالإضافة إلى تعزيز إنهاء إجراءات السفر إلكترونياً دون الحاجة للانتظار في طوابير أو طلب المساعدة من موظفي المطار أو شركة الطيران.

وبهدف تنسيق الإجراءات مع الدول الأخرى لإطلاق الموسم السياحي، أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو أنه عقد اجتماعاً رباعياً مع كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا، واجتماعين مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وقال الوزير: "نحن على دراية بأن الذين يعرفون تركيا من أصدقائنا الروس والألمان والأوروبيين يريدون المجيء لتركيا، ففي ظل الوباء وعند مقارنة بلدنا بغيرها من البلدان السياحية تأتي تركيا بإمكاناتها الطبية على رأس القائمة في الخيارات".

وسيتم اتباع إجراءات جديدة تمنع حصول أي ازدحام أو طوابير خلال ركوب الطائرات والنزول منها، وسيركب المسافرون بناء على رقم تسلسلي بحيث يبدأ إدخال المسافرين إلى المقاعد الخلفية ويتم إنزالهم تسلسلياً من المقاعد الأمامية لضمان عدم حصول أي احتكاك بين المسافرين، كما سيمنع إدخال أمتعة إلى الطائرات وسيسمح فقط بحقيبة يد صغيرة على أن يتم زيادة الوزن المسموح بإدخاله إلى مخزن الطائرة الخارجي. ولن يتم السماح للمرافقين في التوديع أو الاستقبال من الدخول إلى قاعات المطارات.

من جهته، أوضح وزير الصحة التركيفخر الدين قوجة أن مهمة التدقيق بالوضع الصحي للمسافرين خلال الرحلات ستكون على عاتق شركات السياحة، مؤكداً أنه إذا تم اكتشاف إصابة بالفيروس خلال رحلة، فستتم متابعة الأشخاص الذين هم على اتصال بالمصاب، وأكد أن بلاده تستعد لإجراء فحوص كورونا في المطارات والمعابر الحدودية وللمسافرين القادمين من خارج البلاد في أقرب وقت.

وبالإضافة إلى الإجراءات الوقائية التي ستطبق على جميع المسافرين، فإن المسافرين القادمين من مناطق أكثر خطراً والأكثر انتشاراً لفيروس كورونا سوف يخضعون لرقابة صحية أعلى بكثير وسيتم تخصيص بوابات خاصة لهم في المطارات والتأكد من سلامتهم بكافة الطرق الممكنة.

من جانبه قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن "يمكننا أن نشهد تحركاً في السياح المحليين والأجانب منتصف يونيو/حزيران، أو في أسبوعه الثالث أو نهايته، لكن يجب أن يكون هذا في إطار قواعد النظافة ومكافحة الفيروس"، مضيفاً: "مرحلة عودة الحياة إلى طبيعتها، لا تعني الإهمال أو التخلي عن التدابير المتخذة ضد تفشي فيروس كورونا".

شهادة السياحة الصحية

وكانت وزارة السياحة التركية قد أطلقت "برنامج شهادة السياحة الصحية" وذلك من خلال وضع معايير مهمة تتعلق بالنظافة والشروط الصحية، وقواعد التباعد الاجتماعي ويتم بموجبها منح شهادة تؤكد التزام الفنادق والمطاعم والمنتجعات، وتثبت التزامهم بمعايير السلامة من انتشار فيروس كورونا، على أن يتم إعلان لوائح الأماكن التي حصلت على هذه الشهادة عبر موقع الوزارة التي تدير المشروع بالتعاون مع وزارات الخارجية والداخلية والمواصلات والصحة وممثلي قطاع السياحة في البلاد، ومؤسسات دولية متخصصة.

ويعتمد البرنامج على 4 ركائز أساسية هي صحة وسلامة المسافر، وصحة وسلامة العامل، والتدابير المتخذة في المنشآت، والتدابير المتخذة في وسائط النقل، ويتم من خلاله توثيق النظافة ومعايير السلامة الصحية في الطائرات والمطارات والفنادق والمطاعم.

ويهدف البرنامج إلى طمأنة السياح وضمان سلامتهم. وبهذا الصدد، يقول وزير السياحة التركي محمد نوري أرصوي "من خلال البرنامج نسعى لتقديم أفضل الخدمات لزوارنا من الخارج، ونعمل من أجل الحفاظ على سلامتهم الصحية"، لافتاً إلى أن المعايير ستكون وفق أبرز المستويات العالمية وسيتم الرقابة عليها بشكل دقيق جداً.

وللحصول على هذه الشهادة، ينبغي على الفنادق والمنتجعات والمطاعم تحقيق لائحة طويلة جداً من الشروط التفصيلية التي تتعلق بالتعقيم للمرافق والأدوات وصولاً لتعقيم الأطعمة بالبخار، والنظافة وتطبيق قواعد التباعد الاجتماعي والأدوات ذات الاستخدام لمرة واحدة ونسب الكلور والمعقمات في المسابح وإجراءات الدخول إلى الفنادق وآليات الدفع الإلكتروني، وغيرها الكثير من المعايير التفصيلية التي تهدف إلى جعل خطر انتقال فيروس كورونا أقرب إلى الصفر.

من جانبه، توقع فيروز بآلي كايا رئيس اتحاد وكالة السياحة التركية أن تبدأ السياحة الخارجية بالقدوم إلى تركيا في المرحلة الأولى من بولونيا وأوكرانيا وأذربيجان وأوزباكستان، لافتاً إلى أنه سيتم استقبال السياح بشكل منظم ومدروس وبناءً على التقديرات حول انتشار فيروس كورونا في كل بلد، لافتاً إلى أنه في شهر يونيو/حزيران سيكون هناك ترسيخ وتطبيق للقواعد على أن ترتفع أعداد السياح تدريجياً وصولاً لأعداد كبرى في شهر أيلول/سبتمبر مع وصول السياح بأعداد كبيرة من ألمانيا وهولندا وإنجلترا وروسيا، وختم بالقول: "الناس ملوا من الجلوس في المنازل".

المنتجعات والسواحل

أنطاليا التي تعتبر عاصمة السياحة التركية ويصلها ملايين السياح سنوياً خاصة من روسيا وألمانيا والعالم العربي للاستمتاع بسواحلها ومنتجعاتها أتمت استعداداتها على غرار المنتجعات الساحلية في المحافظات الأخرى، من أجل استقبال السياح الراغبين في قضاء عطلتهم على ساحل البحر وفي المسابح، ولكن ضمن حزمة كبيرة جداً من الإجراءات التفصيلية الجديدة لضمان أعلى مستوى من الأمن الصحي.

وارتكزت الإجراءات التي تتخذها البلديات بالتعاون مع نقابات السياحة والشركات وأصحاب المنتجعات على تطبيق مبدأ التباعد الاجتماعي من خلال تحديد أماكن للجلوس على السواحل، حيث حددت مساحة 9 أمتار مربعة لكل نقطة تجمع يمكن أن يجلس بها 3 أشخاص كحد أقصى وجرى تحديدها بواسطة أعمدة خشبية وحبال لضمان تطبيق أسس التباعد بشكل دقيق. بالإضافة إلى تركيب نقاط تعقيم وصنابير مياه وبوابات تعمل جميعها دون لمس، لتقليل الاحتكاك إلى أدنى مستوى، وسيتم استخدام فوط ذات الاستخدام مرة واحدة على أسِرة الاستجمام وترك الأسِرة فارغة لمدة 20 دقيقة بين كل سائح والآخر لضمان تعقيم المكان.

ولدخول السواحل، سيتم توزيع كتيبات فيها تعليمات وإرشادات عامة، وسيتم تطبيق مجموعة من الإجراءات أبرزها قياس درجة الحرارة، والتعقيم، وتخصيص مسارات مختلفة للدخول والخروج، كما تقرر منع التدخين في المناطق المخصصة للاستجمام على السواحل، على أن يتم تخصيص أماكن للمدخنين. وحددت نسب الكلور الواجب ضبطها في المسابح المغلقة والمفتوحة لضمان عدم انتقال الفيروس من خلالها.

كما ستركز الإجراءات في الفنادق على تقديم الأدوات ذات الاستخدام لمرة واحدة ومنها المناشف والشراشف والمعاطف والأدوات الصحية وأدوات الطعام، كما سيشترط على الفنادق والمنتجعات كتابة كافة التعليمات بعدة لغات، وسيتم تجنب نظام "البوفيه المفتوح" في مطاعم الفنادق ووضع حواجز زجاجية أمام الطعام وترك مساحة متر ونصف بين المقاعد والطاولات.

ويتوقع تدريجياً خلال الأيام المقبلة أن يتم إعادة فتح الحدائق العامة والغابات وأماكن الشواء والترفيه الطبيعية، ولضمان الحفاظ على ضوابط التباعد الاجتماعي تجري عمليات رسم دوائر في الحدائق العامة التي يتوقع أن يرتادها السياح لتحديد المسافات بين أماكن الجلوس، في حين سيتم فتح ممرات المشارة وممارسة الرياضة على سواحل إسطنبول الساحرة وسواحل المحافظات البحرية الأخرى ولكن بشرط ارتداء الكمامات والحفاظ على التباعد.

السياحة العلاجية

وفي العشرين من مايو/أيار أعلنت تركيا استئناف "السياحة العلاجية" واستقبال المرضى القادمين من 31 دولة حول العالم ضمن مجموعة من التدابير الصحية، حيث ارتفع الطلب العالمي على السياحة العلاجية في تركيا عقب افتتاح عدد من المدن الطبية الكبرى والنجاح البارز الذي حققته في علاج مرضى فيروس كورونا، وذلك ضمن شروط وتدابير دقيقة.

وخلال افتتاحه مدينة باشاك الشهير الطبية في إسطنبول إحدى أكبر المستشفيات في أوروبا والعالم، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إن إسطنبول أصبحت مركزاً دولياً في مجال الصحة وأن مدينة "باشاك شهير" الطبية ستكون إحدى العلامات التجارية لبلاده في مجال السياحة العلاجية.

كما أعلن أردوغان لاحقاً أن بلاده ستفتتح مستشفيي "مطار أتاتورك" و"سنجق تبة" في إسطنبول أمام السياحة العلاجية، وقال: "القادمون من الخارج بهدف السياحة العلاجية، سيأتون إلى هذين المستشفيين عبر الطائرات وطائرات الإسعاف، حيث سنودعهم بالسلامة بعد استكمال علاجهم"، وهما مستشفيان جديدان سيتم افتتاحهما الأيام المقبلة.

ونقلت وكالة الأناضول عن رئيسة قسم الإدارة الصحية في كلية العلوم الصحية بجامعة إسطنبول، يتر دمير أوصلو قولها إن "الإدارة الناجحة للحد من تفشي وباء كورونا التي أثبتتها تركيا ستزيد حصتها من إيرادات السياحة العلاجية العالمية"، لافتةً إلى أن "عدد المرضى الأجانب الذين جرى علاجهم في البلاد العام الماضي تجاوز 880 ألفاً" وأن المرضى القادمين من بلدان أوروبية بما في ذلك ألمانيا وبريطانيا كانوا في مقدمة الوافدين إلى تركيا لتلقي العلاج في مستشفياتها.

المصدر: TRT عربي