في الوقت الذي يلاحَظ فيه أن شباب عربي كثر يسقطون في مخالب الخطاب القاسي العنيف والمتشدد، تجهر فئةٌ ثانية من الشباب بسباحتها في سماوات التصوُّف والسلام والتسامح.

على الرغم مِما يولّده نمط العيش المعاصر بالمدن الكبرى من سرعة وجري متواصل ولهاث وتوتر وتسارع النفَس، إذ يفضي في أحيان كثيرة إلى الإحساس بالذوبان في عالَم مادي هائل لا فكاك منه، إلى درجة يجعل معها تصوُّر"الحياة الطبيعية" كما لو أنها صارت من حكايات الماضي البعيد، يوجد شباب يظهر من ملامحهم كأنهم تمكنوا من انتزاع المعنى من كل صنوف هذه التعقيدات الشبيهة بالسيمفونيات التي هي الحضارة الحديثة ومدنها "المتقدمة".

الشباب المتصوف، أو المتصوفة الشباب، في أكثر من بلد عربي، خصوصاً المغرب، يتبدى من محياهم وكلامهم كأنهم الاستثناء من هذه القاعدة العامة التي تجري على الجميع، متسببة في حروب ودمار في كل موضع عربي، وفي فقر وتهميش واعتداء على الآخر، واستبداد بالسلطة والثروة والجاه في مواضع ثالثة، وفي كل هذه المصائب مجتمعة بمواضع العرب كافة.

اختار شباب عربي كثر الإبحار في عالم التصوف هرباً من السرعة والتوتر ومادية النظام العالمي الراهن
اختار شباب عربي كثر الإبحار في عالم التصوف هرباً من السرعة والتوتر ومادية النظام العالمي الراهن (Getty Images)

لماذا يبحرون في مدارات التصوُّف؟ كيف يعيشون التجربة؟ هل وجدوا الخلاص في الروحانيات في خضم تعقيدات الحياة المعاصرة بالمدن الكبرى؟ هل للأمر علاقة بالسباحة عكس تيار التشدد والإرهاب المسيطر على العقول عند نسبة من الشباب وفق ما يُستشفّ من مجريات منذ ما عُرف بوصفه ربيعاً في صحراء العرب؟ تَعرَّف قصص بعض هؤلاء الشباب المتصوف.

درب الله ورسوله

في تعريفات التصوُّف لطائفُ كثيرة، منها كونه الأخذ بالحقائق واليأس من الخلائق، حسب تعريف الجنيد، أحد مشايخ أهل التصوُّف، هو أن تصفِّي القلب عن موافقة البرية ومفارقة الأخلاق الطبعية وإخماد الصفات البشرية. وهو أيضاً حسب الجريري، أحد أعلام التصوُّف السني في القرن الرابع الهجري، الدخولُ في كل خلق سَنِيّ والخروج من كل خلق دَنِيّ. أما عند ابن عربي فهو الخُلُق البهيّ ومكارم الأخلاق وتجنب سفاسفها.

الشاب المغربي كمال عبد الله (اسم مستعار)، 28 سنة، ويعمل ممرّضاً، يحكي لـTRT عربي عن التصوُّف كما يجري على ألسنة الحاضرين في الجلسات التي يتردد عليها، مستعملاً قاموساً شبيهاً بالتعريفات السالفة، فهو "الذوق.. الإحسان.. المعاملة.. الطيبوبة.. الذكر.. الصفاء.. الفناء الشهود.. الغوث.. الملكوت.. الحضرة.."، يقول المتصوف الشاب.

ويضيف: "لكل شخص دوافعه الخاصة في اعتناق التصوُّف، لكنْ، في كل الحالات، التصوُّف معروف بالمحبة واللين والرحمة من داخل نسيج الإسلام السمح، والسماعُ الصوفي يُعتبر من بين الدوافع القوية".

بالنسبة لابن عربي، فإنّ التصوّف هو الخُلُق البهيّ ومكارم الأخلاق وتجنب سفاسفها
بالنسبة لابن عربي، فإنّ التصوّف هو الخُلُق البهيّ ومكارم الأخلاق وتجنب سفاسفها (Getty Images)

"مستحيل أن أتمكن من وصف تجربتي في الزاوية، عليك أن تأتي لتجرب حتى تعرف، المهمّ أنها طريق تربي على الأخلاق واحترام خلق الله كما كان، وحب الله وحب سيدي رسول الله حبّاً شديداً والعمل والعطاء في بلادك"، يردف كمال جواباً على سؤال TRT عربي حول كيف يصف تجربته في سماوات التصوُّف.

"مصحة النفوس"

من جهته، يصف شابّ آخر حديث العهد بالتصوُّف، على حدّ تصريحه لـTRT عربي، الزواية الصوفية بكونها شبيهة بمصحة علاجية لأعطاب النفوس، مشيراً إلى أنه يجري فيها التحلية والتخلية، وتكون من خلال برنامج حافل يجمع الشباب على الذكر والسماع، وتوجيه روحي من الشيخ المُجمَعِ على محبته وبركته من الجميع، وكل ذلك في حل عن أي قيود كيفما كان نوعها.

يقول الشابّ حديث العهد بالتصوُّف أسامة العوامي التيوي (29 ربيعاً): "تجربتي في الحقيقة زيارة واحدة فقط للزاوية البودشيشية بمقرها الموجود بمدينة بركان شرق المغرب، إذ قَدِمتُ إلى الزاوية في البداية مشبعاً بأحكام النقد والاغتراب لممارسات المتصوفة مع شيوخهم وما يُسَمَّى الحضرة وغيرها من الأحكام الجاهزة التي لم أُخْفِ موقفي الصريح منها جهراً داخل الزاوية. عناد لم يكُن في المواقف فقط بل كان في الذات أيضاً".

ويتابع: "بكل صراحة لا يمكن وصف تجربتي بـ(تجربة متصوف)، فالتصوُّف أشواق وأذواق وأخلاق، وما باغتني هو ذلك الشعور الفطري الذي ينتصر لقيم السلام والحب والتعايش بلغة ربّ العالَمين، وليس تصوفاً بما تحمله الكلمة من دلالات وقيم أعجز أن أحقّق حدّها الأدنى".

ويؤكّد المتحدث أن أخطر الأمراض في العالَم فتكاً بالإنسان مرجعها نفسي بامتياز، على حد تعبيره، فالعالَم اليوم يسعى لتسهيل خدمات للإنسان وتجويدها، متسائلاً عما إذا كان هذا العالَم نفسه يسعى حقاً لإسعاد البشر قبل أي شيء آخر.

الزواية الصوفية، بالنسبة للصوفيين بالمغرب، شبيهة بمصحة علاجية لأعطاب النفوس (الصورة لمدخل إحدى الزوايا بمدينة مراكش المغربية)
الزواية الصوفية، بالنسبة للصوفيين بالمغرب، شبيهة بمصحة علاجية لأعطاب النفوس (الصورة لمدخل إحدى الزوايا بمدينة مراكش المغربية) (Getty Images)

حيّ على الفلاح

من جانبه، لا يرى عماد السوفياني (28 سنة) أي تعارض بين القاموس الصوفي ومصطلحات الخطابات الرسمية، من قبيل النمو والاستهلاك والسوق وغيرها، مبرزاً أن التصوُّف لا يُعَدّ هروباً من الواقع المعيش، بل إن شيخ طريقته على العكس من ذلك يحضّهم على الانخراط في العصر ومشكلاته.

يصرح السوفياني لـTRT عربي بأنه "على العكس، الصوفية تجعلك جزءاً من هذه المصطلحات؛ شيخنا يقول لنا ادرسوا واشتغلوا وتفاعلوا مع المجتمع وأنتم تذكرون الله، فالرسول صلى الله عليه وسلم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق".

مع ذلك يضيف المتصوف الشابّ: "من الصحيح أن أهل التصوُّف يظلّون بالأساس داخل دائرة التربية وبعيدين إلى حدّ ما عن هذه المسائل.

"وبشكل عامّ ما يمكن قوله هو أن مدرسة التصوُّف هي مدرسة الطريق إلى الخير وإلى الله والمحبة والتعايش والسلام مع الذات ومع الآخر ومع النفس والكون كله، فأهل التصوُّف لا خوف عليهم، بل الخوف كل الخوف من أصحاب التطرف في الدين الذين يجهلون روح الإسلام ومقاصده النبيلة"، يختم السوفياني تصريحه.

المصدر: TRT عربي