مظاهرات فرنسا ضد إجراء الجواز الصحي (AFP)

عرف عدد من الدول الأوروبية نهاية أسبوع لا تقل التهاباً عن سابقاتها، حيث خرج الآلاف من مواطنيها إلى الشارع محتجين ضد اللإجراءات الصحية الجديدة للحد من تفشي فيروس كورونا، والتي تتضمن تضييقات واسعة ضد من لم يتلقوا التطعيم وحرمانهم من الولوج إلى عدة مرافق عامة، وإلزامية التلقيح لشريحة هامة من العاملين.

يرى المحتجون أن حكوماتهم تجبرهم على التطعيم، وأنها تجردهم من حرية القرار والاختيار في شأن يهم سلامتهم الشخصية. كما يرون كذلك أنها تهدد خصوصيتهم، بإجبارهم على الإدلاء ببياناتهم الشخصية لرجال الشرطة مع كل نشاط يقومون به، ووضعهم تحت المراقبة اللصيقة لهذه العين الأمنية. هكذا خرجوا إلى الشارع، للأسبوع الثالث على التوالي، رافعين شعارات مطالبة بالحرية ومشبهين الإجراءات الصحية بـ"المحرقة النازية".

فيما لا زالت هذه الحركة تخلق الكثير من الزخم المرفق بتساؤلات لا تقل عنه كماً عن اسباب احتجاج هؤلاء الأوروبيين، وهل هم معارضون للتطعيم أم للجواز الصحي؟ وما علة قومتهم هم دون باقي شعوب العالم الذين يعيشون نفس المصير؟

مشاهد من نهاية أسبوع أوروبي ملتهب

مجدداً السبت في شوارع باريس ومدن فرنسية عدة، وعلى وقع هتافات "حرية" و"مقاومة"، خرج للأسبوع الثالث على التوالي عشرات الآلاف من المحتجين للتظاهر ضد إجراءات "الجواز الصحي" التي فرضتها الحكومة الفرنسية على المواطنين، والتي تلزمهم بتلقي التطعيم ضد كورونا من أجل ولوج عدد من الأماكن العمومية.

وإضافة إلى باريس، خرجت تظاهرات في أكثر من مئتي مدينة فرنسية، تورد وكالة الأنباء الفرنسية. وتنقل على لسان إحدى المتظاهرات، فيرجيني (46 عاماً) من مدينة رين، أنّ "هذه الشهادة فضيحة"، مضيفة "لا يزال هذا اللقاح قيد التجربة ولا أعتقد أنه مدعاة للثقة، وقد يكون أخطر من كوفيد الذي ليس أسوأ من إنفلونزا حادة".

هذا ومنذ 16 أغسطس/آب باتت تلك الشهادة الصحيّة إلزامية في الحانات والمطاعم والمراكز التجارية ووسائل النقل طويلة المسافة وحتى في المستشفيات. واعتباراً من الاثنين ستكون إلزامية بالنسبة إلى الموظفين العاملين في أماكن يُطلب فيها أيضاً من الزبائن إبرازها. فيما يتحدَّث وزير الصحّة الفرنسي أوليفييه فيران، عن إمكانية تمديد إبرازها إلى ما بعد 15 نوفمبر/تشرين الثاني، الموعد الذي نصّ عليه القانون، إذا استمرت موجات كوفيد. بالمقابل تتحدث السلطات الصحية عن 114 ألف فرنسي قضوا نحبهم جراء الإصابة بالفيروس التاجي.

وليست فرنسا وحدها التي عرفت احتشاد المتظاهرين في شوارعها ضد هذه الإجراءات الصحية، بل اليونان وألمانيا شهدتا احتجاجات واسعة ضدّ التلقي الإلزامي لتطعيمات كورونا، وفرض قيود جديدة. ففي أثينا احتشد، الأحد، نحو 5 آلاف محتج أمام البرلمان اليوناني للتعبير عن رفضهم للقرار. واستخدمت الشرطة اليونانية الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المحتجين على تلقي اللقاحات المضادة لكوفيد 19 إلزامياً.

وفي برلين، خرج بضعة آلاف في مسيرات لليوم الثاني على التوالي، في تظاهرات غير مصرّح بها. وردد المتظاهرون هتافات تقول: "ارفعوا أياديكم عن أطفالنا"، ولوحّوا بلافتات تندد بما وصفوه "بالفصل العنصري" بسبب التطعيم، فيما تدرس بعض المناطق في ألمانيا تشديد القيود على من لم يتلقوا اللقاحات المضادة للفيروس.

وسعى عشرات من رجال الشرطة الألمانية الذين يرتدون زي مكافحة الشغب للسيطرة على التظاهرات وإبقائها في شوارع المناطق السكنية في شرق برلين. وأعلنت الشرطة اعتقال 80 شخصاً من بين المتظاهرين، مع التركيز على من يمارسون أعمال عنف أو الذين يدعون لانتهاك القواعد المتبعة لمكافحة انتشار الجائحة. كما اعتقلت الشرطة، السبت، نحو مئة شخص في تظاهرات مماثلة، بعد محاولة المتظاهرين اجتياز الحواجز للوصول إلى مقر الحكومة وسط برلين.

لماذا ينتفض الأوروبيون؟

لا تجمع المظاهرات الأوروبية فقط الحركات المناهضة للتطعيم، والمحسوبة في أغلبها على تيارات اليمين المتطرف. بل ما نشهده اليوم من احتجاجات هو حركة اجتماعية تجمع كل تلوينات الشعوب الأوروبية، يقول محللون.

في مدينة ميتز الفرنسية، على سبيل المثال، تقدَّم تظاهرة السبت عدد من رجال المطافئ الرافضين لإلزامية التطعيم. بحسب رأيهم فهذه الإلزامية التي يرفضون تمثل "ضغطاً اجتماعياً ونفسياً ومهنياً" عليهم. فيما ترى نقابات قطاعات الصحة أن إجراءات الجواز الصحي تكرس إهمال السلطات للحالة "الكارثية" التي يمارسون فيها عملهم منذ سنوات.

اليسار الأوروبي هو الآخر تبنى الاحتجاجات ضد الجواز الصحي، مثل جان لوك ميلانشون، زعيم حركة "فرنسا الأبية"، الذي اعتبر أن الإجراء "يمس بالحرية في ميدان الشغل، وداخل المجتمع، وعلى العلاقات الاجتماعية". مضيفاً أنه أداة للتمييز بين أفراد المجتمع وتهميش قطاعات هامة من المجتمع.

فيما يحمل المعارضون لهذا الإجراء كذلك همّ خصوصيتهم، إذ يلزمهم بالإدلاء ببياناتهم الشخصية عشرات المرات في اليوم، وتعرضهم للتدقيق البوليسي من أجل القيام بأبسط نشاطاتهم في الخارج. الأمر الذي يرى فيه المحتجون إحكام القبضة الأمنية عليهم، ووضعهم تحت المراقبة الأمنية اللصيقة واليومية.

TRT عربي