تاوجوت هي قريةٌ تونسيةٌ، لكن أهلها لا يفهمون اللّهجة التونسية ولا يتكلّمونها، فهي القرية الأمازيغية الوحيدة في تونس، وفي شمال إفريقيا، التي يتكلّم سكّانها اللهجة الأمازيغية دون سواها بنسبة 100%. تعرّف على أسرارها وعاداتها.

قرية تاوجوت التونسية الأمازيغية
قرية تاوجوت التونسية الأمازيغية (TRT Arabi)

تونس ـــ على بعد 15 كلم من مركز معتمدية (حكم محلي) مطماطة القديمة التابعة لمحافظة قابس بالجنوب التونسي، تستقبلك قرية "تاوجوت" الجبلية الجميلة، حيث تنتشر الغرف المحفورة تحت الأرض على شكل كهوف، كمساكن عربيةٍ قديمة يتوسّطها "الحوش" (فناء أو ساحة واسعة)، تظهر خلفه أبواب الغرف المتلاصقة التي تخصّص للنوم والطبخ والجلوس حيث يُستقبل الضيوف.

في وسط هذه البيوت التي هي عبارة عن "حفرٍ"، يشدّك بعض الرسوم والألوان المخطوطة في مدخل الغرف، تظهر اعتقادات السكان الأمازيغ، الذين يعتبرون أنفسهم السكان الأصليين لشمال إفريقيا، كالسمكة، واليد (الخُمسة) لطرد العين والسحر.

تاوجوت هي قريةٌ تونسيةٌ، لكن أهلها لا يفهمون اللّهجة التونسية ولا يتكلّمونها، فهي القرية الأمازيغية الوحيدة في تونس، وفي شمال إفريقيا، التي يتكلّم سكّانها اللهجة الأمازيغية دون سواها بنسبة 100%، خصوصاً الأطفال الصغارإلى أن يرتادوا المدرسة، وهي القرية الوحيدة التي ليس فيها خليطٌ اجتماعي مع من يسمونهم بالعرب.

أهالي هذه القرية، الذين يبلغون نحو 100 عائلةٍ، دون اعتبار من غادروا نحو المدن المجاورة لأسباب متعلّقة بالعمل والتعليم، ظلّوا رغم تعاقب السياسات وتوالي العقود متمسّكين بعاداتهم وثقافتهم التي تتجلّى خصوصاً في لباسهم وأطباقهم، عكس باقي القرى الأمازيغية المنتشرة في تونس، والتي راوحت بين عاداتها ومحيطها التونسي.

تاوجوت هي قريةٌ تونسيةٌ، لكن أهلها لا يفهمون اللّهجة التونسية ولا يتكلّمونها، فهي القرية الأمازيغية الوحيدة في تونس
تاوجوت هي قريةٌ تونسيةٌ، لكن أهلها لا يفهمون اللّهجة التونسية ولا يتكلّمونها، فهي القرية الأمازيغية الوحيدة في تونس (TRT Arabi)

يقول أحمد اليحياوي أحد متساكنيها في حديثه لـTRT عربي، إنّ أطفال القرية لا ينطقون اللهجة التونسية ولا اللغة العربية، إلا في عامهم السادس، حين يجب عليهم دخول المدارس، ولتجاوز هذا الإشكال كوّن الأهالي جمعيةً أطلقوا عليها "جمعية إحياء قرية تاوجوت"، من أجل تعليم الناشئة اللغة العربية، ولغة التواصل التونسية، في سن الرابعة، أي قبل دخولهم المدرسة بسنتين، لمساعدتهم على التواصل مع أطفال باقي القرى، ومع المعلمين.

وشدّد أحمد على أنّ لغة التواصل الوحيدة بينهم هي الأمازيغية، وأنّ "التاوجوتيين" ما زالوا يحافظون إلى اليوم على أصالة موروثهم الثقافي، ويتمسكون بعاداتهم القديمة، غير أنّهم يُضطرون فقط في بعض الأحيان إلى تكلُّم العامية التونسية مع الغرباء الذين يزورونهم بهدف السياحة، لتسهيل التواصل.

أحمد لفت أيضاً لدى حديثه عن عادات قريته، إلى أنّ الزواج من خارج المجتمع كان من المحرمات في المجتمعات الأمازيغية حتى ثمانينيات القرن الماضي، لكن مع مغادرة عديد منهم بلداتهم والرحيل إلى العاصمة وغيرها من المدن، أصبح الزواج المختلط أكثر شيوعاً.

الأمازيغية متأصلة في تونس

عواطف يحياوي، امرأة تونسيّة ناطقة باللغة الأمازيغية، عاشت في أحضان تاوجوت، نقطة من مثلّث أمازيغي لا يزال أهله محافظين على اللغة والعادات وحتّى الأسماء، ويتكوّن هذا المثلّث من قرى تمزرط وزوارة وتاوجوت، وهي قرى تتمركز جميعها بمحافظة قابس جنوباً.

لغة التواصل الوحيدة بينهم هي الأمازيغية، والتاوجوتيون ما زالوا يحافظون إلى اليوم على أصالة موروثهم الثقافي ويتمسكون بعاداتهم القديمة
لغة التواصل الوحيدة بينهم هي الأمازيغية، والتاوجوتيون ما زالوا يحافظون إلى اليوم على أصالة موروثهم الثقافي ويتمسكون بعاداتهم القديمة (TRT Arabi)

تقول عواطف في حديثها لـTRT عربي، إنّ أغلب عادات التونسيين وتقاليدهم هي موروث أمازيغي خالصٌ، بدءًا بطقوس الزواج في الجنوب التونسي وأغلب محافظات البلاد، وزينة العروس التي تغطي وجهها يوم زفافها بغطاء أحمر يسمى "الحِرام" أو "الحولي" مكسوة بحليّ مختلفة الأشكال، تكون عادةً من الفضة والذهب من أعلى جبينها إلى ركبتيها، ثم تتوقف واضعةً يديها المزينتين بنقشات الحناء والحرقوس (الحناء السوداء) على وجهها مثقلة بخواتم وأسورة تزيدها جمالاً.

ومن العادات والتقاليد الأمازيغية الأخرى المترسخة في التونسيين، طقوس طلب المطر المعروفة في مناطق تونسية عديدة باسم "أمك طنبو"، وهي عبارة عن قطعة خشب في شكل قاطع ومقطوع، يُزينها الأطفال بقطع من القماش ويجوبون بها منازل قريتهم وهم يغنون طلباً لنزول المطر.

ولا يزال الوشم في جبين الجدّات وعلى جسد عديد من النسوة في بعض المناطق التونسية شاهدًا على تاريخ زاخر بالعراقة للأمازيغ، ويرمز الوشم حسب عواطف، سواء كان في اليد أو الرجل أو الصدر، لقبيلة المرأة وقيمتها الاقتصاديّة ومكانتها الاجتماعية، فالمرأة قليلة الوشم، حسب محدثتنا، تكون إما يتيمة وإما مطلَّقة الأم.

كما تبدع النساء الريفيات إلى اليوم في حياكة "البرنس" و"الوزرة" و"القشابية"، وهي ألبسة رجاليّة أمازيغية تقيهم البرد والحرّ الشديدين، تُصنع من صوف الخرفان أو وبر الماعز بعد موسم الجز، فيما يحافظ أغلب القرويات في كل محافظات تونس على لبس "الملحفة" أو "الملية"، وهي عبارة عن قماش مزيَّن بألوان مختلفة تتلحف به، وتشدّه بحزام من خيوط صوفية بيضاء وسوداء اللون على مستوى الخصر.

كما لا تزال الجذور الأمازيغية جليّةً في تونس، في الملابس التقليدية المزركشة باللونين الذهبي والأحمر، وفي المصوغ الأمازيغي، وأيضاً في اللهجة التونسية المحببة التي يصعب على بقية الشعوب فكّ شفراتها.

من العادات والتقاليد الأمازيغية الأخرى المترسخة في التونسيين، طقوس طلبالمطر المعروفة في مناطق تونسية عديدة باسم
من العادات والتقاليد الأمازيغية الأخرى المترسخة في التونسيين، طقوس طلبالمطر المعروفة في مناطق تونسية عديدة باسم "أمك طنبو" (TRT Arabi)

مسألة حساسة

وعلى الرغم من المساحة التي منحتها الثورة للنشطاء الأمازيغيين للتعبير عن آرائهم والدفاع عن ثقافتهم، لا يزال الخوض في مسألة الهوية الأمازيغية في تونس حساساً، خصوصاً أنّ فئةً كبيرةً من التونسيين تعتبره محاولة لجرّ البلاد نحو تقسيم المجتمع وتأجيج الصراعات العرقية والحقد بين مكوناته، واستحضاراً لمعارك السالفين وتوظيفها لخلق نقاشات جانبيّة.

ويرى الناشط الأمازيغي محمد علي بن عاشور في تصريحه لـTRT عربي، أنّ تونس تمنع إصدار أي إحصاءٍ رسمي حول عدد الأمازيغ في تونس، لكن حسب نشاطه في إطار الجمعيات، فإنّ عدد الناطقين باللغة الأمازيغية قد يبلغ نحو 50 ألف شخص، مع الأخذ بعين الاعتبار العدد الكبير للنازحين إلى العاصمة وإلى المحافظات الساحلية للعمل.

وكان الحراك الأمازيغي بدأ في تونس فعلياً عام 2011، بعد تأسيس الجمعية التونسية للثقافة الأمازيغية، التي طالبت بتدريس اللغة الأمازيغية في المدارس التونسية، والاعتراف بالثقافة الأمازيغية، التي يعتبرونها جزءاً لا يتجزأ من الثقافة التونسية، بعد أن منعت الدولة في الأنظمة السابقة الأمازيغ من الحديث بلغتهم، كما لم يتطرّق إليهم الدستور التونسي الجديد، بل نصّص على "عروبة تونس وإسلامها".

عدد المنظمات الأمازيغية في تونس بلغ اليوم 13 منظمةً، لم تدعمها الدولة ولو بقليل
عدد المنظمات الأمازيغية في تونس بلغ اليوم 13 منظمةً، لم تدعمها الدولة ولو بقليل (Getty Images)

حول هذا التجاهل المتعمَّد لجزء من ثقافة الشعب التونسي، يستحضر نائب رئيس الكونغرس العالمي الأمازيغي، وعضو الجمعية التونسية للثقافة الأمازيغية جلول غاقي، حادثة وصفها في حديثه لـTRT عربي بالمؤلمة، إذ يقول إنّهم حين رفعوا العلم الأمازيغي لأوّل مرّة في تونس خلال تحرُّك احتجاجي، طردهم البعض وأخبرهم بأن يذهبوا للتظاهر في بلادهم، ظناً منهم أنّهم جزائريون أو مغاربة، معتبراً ذلك متأصلاً في الجهل، لأنّ كثيراً من الناس في تونس لا يعترفون بوجود مجتمع أمازيغي، كما شدّد على أنّ البعض اتهمه بقيادة حركةٍ انفصالية، وأنّ البعض يهاجمه لمناصرته استخدام لغة غير العربية، لغة القرآن.

ولفت غاقي إلى أنّ كلمة "أقلية أمازيغية" لطالما أثرت في التونسيين الناطقين باللغة الأمازيغية، مشدّداً على أنّهم السكان الأصليون لكل شمال إفريقيا، ويجب عدم اعتبارهم أقلية، بل يجب احترام التعددية الثقافية، داعياً المؤرخين في تونس والعالم إلى إنصافهم في هذه المسألة.

وشدّد غاقي على أنّ عدد المنظمات الأمازيغية في تونس بلغ اليوم 13 منظمةً، لم تدعمها الدولة ولو بقليل، وأنّ مؤسسيها يريدون أن تنشط في الحقل الثقافي وتتبنى خطاباً سلمياً ولا تتدخل في الشأن السياسي، وتدور جميعها في الفلك نفسه، وهي المطالبة بالحقوق الثقافية، أي الاعتراف بالهوية الأمازيغية مكوّناً أساساً للهوية التونسية.

وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات رسمية لعدد أمازيغ تونس الناطقين باللغة الأمازيغية، فإنّ عددهم يُقدَّر حسب إحصاءات غير رسمية بنحو 500 ألف، أي خمسة بالمئة من العدد الإجمالي لسكان البلاد، ينتشرون في أحياء محددة بالعاصمة تونس وفي مدن متفرقة، وعشرات القرى الصغيرة المنتشرة، لا سيما في مناطق مطماطة وتمزرط وزراوة وتاوجوت.

المصدر: TRT عربي