سجلت السلطات الحكومية والمنظمات الحقوقية في المكسيك ارتفاعاً مفزعاً بمعدل الجريمة خلال السنوات الأخيرة ساهم في تشويه صورة البلاد، لتصبح البلد الأكثر خطراً ودموية في العالم.

تتصدر المكسيك منذ فترة طويلة ترتيب المدن الأكثر عنفاً في العالم، ومع ارتفاع منسوب الجريمة يحمل المكسيكيون المسؤولية في ذلك لعصابات المخدرات وتقصير السلطات الرسمية في مجابهة هذا الخطر، إضافة إلى النظام القضائي الجنائي الذي يسمح باستمرار إفلات المجرمين من العقاب.

وعلى ضوء التقارير الأمنية المتتابعة والنسب التي كشفت عنها دوائر إحصاء الجرائم أطلقت المنظمات الحقوقية والناشطون صيحات فزع لوقف إراقة الدماء في المكسيك، التي باتت تستحيل معها الحياة الآمنة لأي مواطن، كما أصبحت أشبه بعالم الرعب الذي يتردد السياح في التفكير في زيارته.

أكثر من 100 جريمة مروعة كل يوم

منذ عام 2006 أصدرت السلطات المكسيكية توجيهاتها للجيش بمكافحة عصابات تهريب المخدرات التي تصاعد نشاطها بشكل لافت جداً خلال السنوات الأخيرة.

وتشير التقارير الأمنية في هذا السياق إلى أن عصابات الجريمة وتهريب المخدرات في المكسيك أصبحت منذ ثمانينيات القرن الماضي منظمة، إذ حدد أغلبها مناطق سيطرة إقليمية لكل مجموعة وأنشأت وفق ذلك شبكاتها الخاصة. ثم سرعان ما تطور نشاطها وتحركاتها، فدخلت بمواجهات مسلحة مستمرة للسيطرة على بعض الأراضي والتمكن بالتالي من الوصول إلى المزيد من الأسواق.

ومنذ ذلك التاريخ بدأت أعداد الجرائم في ارتفاع كبير لتبلغ قرابة 275 ألف جريمة، حسب ما أفادت الأمانة التنفيذية للنظام الوطني للأمن العام.

وقد أحصت المكسيك عام 2018 نحو 33743 جريمة، وعلى الرغم من أنها كانت تعتبر هذه النسبة قياسية فإنها تواصلت في الارتفاع لتبلغ عام 2019 نحو 34582 جريمة قتل، أي ما يعادل مقتل 95 شخصاً كل يوم.

وفي آخر تحديث للإحصائيات الرسمية قُدر عدد الجرائم المرتكبة خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة الحالية بنحو 6314 جريمة. وتشير التحقيقات إلى أنه جرى تسجيل أكثر من 640 حالة تقطيع وتشويه للضحايا بشكل وحشي، كما قتلت أكثر من 341 امرأة بشكل مروع، وتعرض أكثر من 800 شخص للتعذيب. وأعلنت الأجهزة الأمنية في وقت لاحق أنها أنقذت أكثر من 300 مهاجر تعرضوا للاختطاف.

وإن كانت الأرقام المرتفعة مثيرة للقلق والخوف فإن الطرق والأساليب التي نفذت بها هذه العصابات الجرائم تعتبر الأكثر إفزاعاً وترويعاً.

ويبدو أن هذا السيل من الأرقام لم يستوفِ بعدُ كل الجرائم المرتكبة في جميع مناطق المكسيك التي لم تتوصل إلى بعضها الأجهزة الأمنية. فمختلف الوسائل الإعلامية والمنظمات الحقوقية أعلنت مؤخراً عن اكتشاف نحو 502 مقبرة سرية ونحو 418 مجزرة، فيما لا يزال الكثيرون إلى حدود هذه اللحظة في عداد المفقودين.

هل نجحت المبادرات والسياسات الأمنية؟

لم تستثنِ الجرائم المروعة في المكسيك أحداً، سواء كان مسناً أو امرأة أو طفلاً، وطالت جميع فئات المجتمع بين فنانين وسياسيين ومرشحين لعدة مناصب، لتثير بذلك سخطاً شعبياً على مستوى أداء الحكومة في التصدي لهذه العصابات الإجرامية.

وبينما أصبحت المكسيك الغارقة في مستنقع العنف تصنف ضمن الدول الأقل سلماً في أمريكا اللاتينية وفقاً لمؤشر السلام العالمي، كان يتعين على السلطات اتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير للتصدي لهذه العصابات المنظمة.

وقد بدأ الرئيس الأسبق فيليبي كالديرو عام 2006 شن حرب على تهريب المخدرات، ونشر أكثر من 50 ألف جندي وضابط شرطة فيدرالية لذلك خلال سنوات حكمه الست. ومع ذلك تواصلت معدلات أعمال القتل والعنف في الارتفاع.

ومع تولي إنريكي بينيا نييتو الحكم بعد ذلك وعد المكسيكيين بمعالجة الأزمة من جذورها، إلا أن سياسته لم تختلف كثيراً عن سلفه، فلاحق رؤساء أقوى المنظمات والعصابات الإجرامية مما تسبب بالقبض على بعض الشخصيات عام 2016 في اندلاع فتيل فوضى حادة ومحاصرة مدن وتطويق رجال الشرطة والأمن من قبل العصابات، لتقرر السلطات في النهاية الإفراج عن المحتجزين من زعماء العصابات.

وعلى الرغم من أن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش أطلقت مبادرة عام 2007 لتحسين التعاون بين الولايات المتحدة والمكسيك الشريك الإقليمي المهم لها، في قضايا الأمن وسيادة القانون، ويتواصل العمل بمقتضى هذه المبادرة إلى اليوم، فإن هذه الجهود فشلت باستمرار في وقف سيل الدماء المروع بالمكسيك.

وفي سياق متصل قال وزير الدفاع الوطني لويس كريسينسيو ساندوفال: "نشر الجيش 28395 جندياً، من بينهم 6244 على الحدود الجنوبية و7419 على الحدود الشمالية مع الولايات المتحدة".

ويشير خبراء وإخصائيون إلى أنه علاوة على الفشل الأمني في مكافحة العصابات الإجرامية فإن نظام العدالة الجنائية المتدهور أيضاً سمح بإفلات المجرمين من العقاب، فنحو 95% من الجرائم المبلغ عنها تمر بلا محاسبة لمرتكبيها.

TRT عربي
الأكثر تداولاً