نمو الحكمة يسهم في التخلص من أزمة منتصف العمر  (Others)
تابعنا

كشفت دراسة أن "أزمة منتصف العمر" حقيقة، كما أن الحياة تبدأ في سن الأربعين، ويبلغ ضغط العمل ذروته في سن 45. وهي مرحلة حساسة بالنسبة للرجال والنساء. بحيث يختلف منظور الشخص للأشياء والوقائع في حياته، ويختلف تعامله معها، وكأنه يكوّن شخصيته من جديد.

يشير تقرير لصحيفة " التايمز" إلى أن دراسة أعدها المكتب القومي للبحوث الاقتصادية البريطاني تحت عنوان "أزمة منتصف العمر"، قد كشفت أن "أزمة منتصف العمر" حقيقية. كما أوضحت الدراسة أن الأشخاص يمرون عندما يبلغون أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من العمر بما يعتبرونه من أصعب أوقاتهم، بسبب مجموعة من المشكلات النفسية والاجتماعية الخطيرة، على الرغم من أنه ينبغي أن يكونوا في أقصى درجات الراحة في هذا العمر.

ابتكر المحلل النفسي إليوت جاك، مصطلح "أزمة منتصف العمر" في مقال نشر عام 1965، يقول فيه "بدلاً من أن يكون الموت تصوراً عاماً، أو حدثاً مرتبطاً بفقدان شخص آخر، يصبح مسألة شخصية" يهتم بها كل شخص ويعتبرها خاصة به. وقال إن منتصف العمر هو عندما يصل الناس إلى مرحلة "النضج" من خلال التغلب على فكرة "إنكار الموت" و"التدمير البشري"، والانتقال من "المثالية الشبابية" إلى "التشاؤم التأملي" و "الاستقالة البناءة". فهو يربطها بالخوف من الموت والإحساس بالاقتراب منه.

من علامات بلوغ هذه المرحلة: الاكتئاب الشديد واتخاذ الانطوائية ملاذاً للفرد، لعله يستطيع فهم ذاته والسيطرة عليها. ثم الانتقاد المستمر لكل شيء واختلاق المشاكل. هذا بالإضافة إلى توتر مستمر في جميع علاقاته الشخصية، فيشعر الرجل في هذه المرحلة أنه كان يعيش في واقع وهمي وأنه لم يكن صاحب قرار في حياته. ثم يبدأ بلوم نفسه على أغلب القرارات في حياته وأنه كان مخطئاً في حق ذاته. فيتخذ فوراً قراراً بترك جميع المسؤوليات وإسنادها إلى غيره، لعله بهذه الطريقة يتدارك ما بقي له في الحياة، وأنه بهذا سيعيد شبابه من جديد.

لقد ألهمت هذه الظاهرة النفسية عدداً لا يحصى من الأفلام والكتب وأعمدة الصحف منذ صياغة مصطلح "أزمة منتصف العمر". وعادة ما تشير المراجع الثقافية الشعبية إلى الآباء الذين يقدمون على تصرفات غريبة نتيجة للإرهاق والسأم من الروتين، كالإقدام على هجرهم لأماكن عملهم أو حتى أسرهم.

تقول الدراسة، "إن الناس في المجتمعات الصناعية يميلون إلى كسب المزيد من الدخل في منتصف حياتهم، فالعمال الأقل تعليماً يبلغون أوج أجورهم أواخر الأربعينيات، أما الأكثر تعليماً فيبلغون الذروة في أوائل الخمسينيات، في الوقت الذي هم فيه يعانون من مشاكل صحية قليلة نسبياً". ولكن "يبدو أن ثمة شيئاً أساسياً يحدث بشكل خاطئ في منتصف حياة العديد من مواطنينا".

تؤكد الدراسة أن منتصف العمر هو بالفعل وقت أزمات، حيث أبلغ معظم الناس الذين أجريت عليهم الدراسة عن مشاكل كبيرة في النوم والاكتئاب، والأفكار السلبية والصداع، والاعتماد على المسكنات والعقاقير، إلى جانب انخفاض المقاييس الأساسية الخاصة لديهم بالرضا عن الحياة.

قال الباحثون الذين أعدوا الدراسة إنهم لم يتمكنوا من تفسير السبب الذي يؤدي إلى حدوث تدهور واضح في الصحة النفسية أو العاطفية للأشخاص في الأربعينيات والخمسينيات من العمر. كما عبروا عن خيبة أملهم عندما وجدوا أن الكثير من الأشخاص في هذه السن لديهم الشعور بعدم الرضا.

أكد الباحثون في الدراسة أنهم لم يعثروا على أدلة كثيرة تثبت أن أزمة منتصف العمر كانت ناجمة عن أشياء حقيقية وملموسة، مثل إنجاب أطفال غير أسوياء، أو أنها ناتجة عن مقارنة الفرد بالأشخاص الناجحين من حوله. ولكن الدراسة أقرت بأن "فكرة التطلعات والطموحات التي لم تجرِ تلبيتها أو تحقيقها في حياة الفرد تفسر جانباً من مروره بأزمة منتصف العمر".

ولم تستبعد الدراسة وجود أسباب عضوية أو وراثية تكون سبباً في أزمة منتصف العمر. إذ إن هناك بعض الأدلة المنشورة على أن الإنسان الأول والشمبانزي عانوا من "تدني نفسي في منتصف العمر".

ورغماً عن كل هذا، تضمنت الدراسة عدة أسباب للتفاؤل. إذ قال الأكاديميون إنه بمجرد أن يتخطى الناس منتصف العمر، فإن نمو الحكمة يمكن أن يساهم في "تقليل مستويات الكرب في وقت لاحق من الحياة". والحكمة هى التي تدفع بالأشخاص لتعرُّف مشاكلهم ونقاط ضعفهم، والتفكير بصورة عميقة قبل اتخاذ أي قرار مفاجئ أو تغييرات جذرية.

TRT عربي