واجه عالم الموضة والأزياء في الوطن العربي طوال عقود صعوبات وتحديات كبيرة، ولم يتمكن من مجاراة الإبداع العالمي في هذا المجال. لكن السنوات الأخيرة شهدت صعود مجموعة كبيرة من الفتيات العربيات الشابات اللائي جمعن بين الموهبة والشغف والعلم ووصلن للعالمية.

جانب من عرض للأزياء جرى في مدينة اسطنبول مؤخراً
جانب من عرض للأزياء جرى في مدينة اسطنبول مؤخراً (AA)

التقتTRT عربي مجموعة من الشابات العربيات الرائدات في مجال الموضة والأزياء، تحدثن عن بدايات الاهتمام في عالم الإبداع والموضة مروراً بتطوير القدرات مهنياً وعلمياً، وصولاً للشهرة والعالمية وامتلاك علامات تجارية تشق طريقها لتطوير هذا المجال في العالم العربي.

الرائدات اللائي تحدثن لـTRT عربي من دول عربية مختلفة قد أجمعن على مكانة تركيا ومدينة إسطنبول بشكل خاص كملتقى لعالم الموضة والأزياء حول العالم، ودورها في تطوير هذا المجال، وتوفير الاحتياجات والأقمشة الساحرة لكافة المصممين والعاملين فيه.

أقمشة إسطنبول قبلة المصممين

المصممة العراقية رؤى المولى، تعيش في السويد وحاصلة على ماجستير تصميم الأزياء من إحدى الجامعات السويدية، دفعها حبها للأزياء إلى عالم الاحتراف وصناعة هوية خاصة باسمها "رؤى برند"، تقول: "شغفي في عالم الموضة ليس وليد اليوم بل هو عشقي. فمنذ صغري أقوم بخياطة الملابس للدمى، ثم أصبحت أرسم فساتين وبعض الخربشات بين الحصص الدراسية على كتبي. وجدت هذا هو عالمي الذي أبدع فيه. فتميزت بجمع التراث العربي الإسلامي والحضارات العريقة خاصة الحضارة الإفريقية بدمج الألوان والنقوش والإكسسوارات الفضية كلها في قطعة واحدة ليخرج مزيج رائع منحني شهرة كبيرة في مجالي عربياً ودولياً".

المصممة العراقية رؤى المولى 
المصممة العراقية رؤى المولى  ()

تعتبر رؤى أن نجاحها التدريجي السابق مكّنها من الانتقال لمرحلة جديدة احترافية في هذا المجال قبل أن تبدأ بتعليم تصميم الأزياء للفتيات السويديات. ولاحقاً شاركت في ثلاثة عروض أزياء في السويد. وتميزت مجموعاتها بالمزج بين الشرق والغرب، حيث قدمت من خلالها نظرة جديدة للموضة بأسلوبها العصري.

كما أكدت رؤى أن تركيا أصبحت مركزاً عالميا للموضة، وباتت تجذب أشهر المصممين، وتفرض نفسها على كل دور الأزياء في العالم، وتضيف: "أنا لا أتردد في كل موسم أن أزور مدينة إسطنبول، حيث آتي إليها من أجل الاطلاع على الجديد في عالم الأقمشة والأزياء واختيار أقمشة تصاميمي الجديدة حيث نجد فيها أقمشة مختلفة وذات جودة عالية".

الشغف الكبير سر النجاح 

مصممة الأزياء الأردنية ذات الأصول الفلسطينية ريما دحبور، وُلدت في أمريكا، ورغم عشقها لعالم الأزياء إلا أنها درست إدارة الأعمال، وافتتحت العلامة التجارية الخاصة بها، حيث بدأت مشوارها منذ عشر سنوات في تصميم الأزياء.

وعن البدايات تقول ريما: "منذ طفولتي كنت أعشق تنسيق ثيابي وتقليد العارضات على المسرح. وكان والدي وجدي مصوريّن التقطا لي الصور منذ طفولتي. وأمي كانت مهتمة كثيراً بعالم التصميم والأزياء. كلها عوامل زرعت بداخلي هذا المجال مبكراً"؛ لافتاً إلى أن زيارتها الأولى لإيطاليا دفعتها للانطلاق في هذا المجال.

مصممة الأزياء الأردنية ذات الأصول الفلسطينية ريما دحبور
مصممة الأزياء الأردنية ذات الأصول الفلسطينية ريما دحبور ()

تضيف: "بدأت بتصميم ملابس النساء الشابات من العروس إلى الأم العصريّة والجدة وحتى الأطفال لهم نصيب كبير من تصميماتي المتشابهة مع أمهاتهم، والتي شاركت بها في عرضي الخاص بالأردن". لاحقاً اختارت ريما أن تختصّ في مجال تصاميم فساتين الأفراح والسهرة.

تتابع بالقول: "هذا النوع من التصاميم يحتاج إلى أفكار لا تتكرر أبداً، ويجب على من يصمم أن يتفنن في قطعة وحيدة غير مستهلكة، ويضفي عليها لمسته الخاصة. الخبرة والتعلم السريع أمران ضروريان. فلم يعد التصميم حكراً على المصممين الرجال في هذا المجال. وعلى العكس انتشرت ماركتي الخاصة في وقت قياسي قصير؛ حيث نالت إعجاب مشاهير العالم العربي من مقدمات البرامج والفنانات وملكات الجمال العربيات والتي تتميّز بالرقيّ".

وعن مكانة تركيا في عالم الموضة والأزياء، تقول ريما: "بلا شك عالم الموضة والأزياء في تركيا يشكل إضافة مهمة لهذا المجال حول العالم. وأصبح له متابعون ومهتمون كثر، حيث ساهم في تغيير نظرتنا لعالم الموضة والأزياء من خلال ما يتم تقديمه لهذا المجال والآن كل المصممين يطمحون لصناعة تصميماتهم وتسويقها في تركيا. جميعنا يعتبرها الآن القوة الدافعة الأكبر لهذا المجال. وهي منصة لأي أحد يريد تطوير أعماله في هذا المجال".

ترى ريما أن عالم الموضة والأزياء مجال جميل جداً، ولكنه يحتاج إلى تعليم وتطوير مستمرين، تقول: "مجال لا يحتاج إلى حب وميول فقط، يحتاج إلى شغف، شغف كبير جداً، ويحتاج إلى استثمار كثير من الوقت فيه للحصول على نتائج".

التخصص يصنع الهوية 

مصممة الأزياء الأردنية ذات الأصول الفلسطينية آمنة فريحات، تعيش في الإمارات، افتتحت علامتها التجارية الخاصة بها "أنثى بوتك". عن بداية الحلم تقول: "امتهنت تصميم الملابس عن طريق وراثة الموهبة من أمي. فقد كان حلمها أن تصبح مصممة أزياء. فكنت أذهب معها وأنا طفلة أحضر دورات الخياطة وتقوم بتفصيل الملابس الفريدة لي ولأخواتي".

مصممة الأزياء الأردنية ذات الأصول الفلسطينيةآمنة فريحات
مصممة الأزياء الأردنية ذات الأصول الفلسطينيةآمنة فريحات ()

تتميز أزياء آمنة بالأصالة وتعبر عن التراث الشرقي والخليجي من خلال العباءات المزخرفة والملونة، ولا تخلو من طابع العصرية، بحيث تناسب المرأة العربية في جميع إطلالاتها،تقول: "اخترت التخصص في تصميم كل ما يخص المحجبات، فأنا أؤمن بأنّ التخصّص هو الذي يصنع هويّة المصمّم ويميّزه عن غيره. وفي الوقت ذاته فإنني أعد نفسي في المرحلة المتوسطة وأطمح إلى تعزيز هوايتي بدراسة تصميم الأزياء لأنه عالم متجدد ولا ينتهي".

وتضيف آمنة: "أعمل على تطوير أزياء المحجبات لأن هناك ندرة في تصاميمهن بطريقة محتشمة كلاسيكية، بالإضافة إلى العباءة الملونة. فلم تقتصر على اللون الأسود كما في السابق لأنها تعبّر عن مزاج المرأة. فكلما كانت الألوان زاهية عكست السعادة والفرح. بالإضافة إلى أنها تضفي الرونق والإشراق على إطلالة السيدة في كل مناسبة".

وتستوحي تصاميمها من عالم موضة مشاهير الأربعينيات والخمسينيات التي تأثرت بها، لافتةً إلى أنها تعشق التصاميم التي كانت ترتديها النجمات المشهورات في تلك الفترة. وتشير آمنة إلى أن تقديمها تصاميم عصرية للعباءات أدى إلى الإقبال عليها من قبل المحجبات وغير المحجبات على حد سواء، وأنها تسعى بشكل دائم إلى تقديم أزياء عربية تبرز هوية المرأة الشرقية وأنوثتها معاً.

تكامل الموهبة والتعليم

مصممة الأزياء اللبنانية والمدربة الاستشارية في أكاديمية فاشن، نيرفين الجبان واحدة من المصممات الرائدات في الوطن العربي تمتلك مؤسستها وعلامتها التجارية الخاصة، تتحدث عن بداية تجربتها: "قبل ثماني سنوات اكتشفت نفسي عندما كنت أبيع في أحد محالات التجزئة التجارية في لبنان. عندما كنت أنسق ألوان الملابس والقطع مع بعضها البعض، فينال تنسيقي من إعجاب الزبائن والعاملين. ثم انطلقت إلى عالم الأزياء وبدأت بالتعلم وأخذ دورات مكثفة لكي أطور من قدراتي، إلى أن افتتحت أكاديمية لتدريب المصممين المبتدئين في هذا المجال".

مصممة الأزياء اللبنانية والمدربة الاستشارية في أكاديمية فاشن نيرفين الجبان
مصممة الأزياء اللبنانية والمدربة الاستشارية في أكاديمية فاشن نيرفين الجبان ()

وأشارت نيرفين التي تقيم ورش عمل ودورات للمصممين الناشئين في عدة دول من بينها الإمارات ولبنان والأردن وتركيا إلى أنها شاركت في العديد من العروض العالمية؛ وآخرها مشاركتها في عرض شتاء 2018 -2019 بدبي، وأسبوع الموضة المحتشم. وعملت كمنسقة مظهر وعرضت فيه مجموعتها في دولة الإمارات.

وعبرت نيرفين عن إعجابها الشديد بالخامات التركية من الأقمشة ودقة تصاميم تركيباتها وثقة المصانع في تفصيل ملابس ذات جودة عالية والتي يُقبل عليها طلابها عند بناء مشاريعهم التجارية، وصناع الموضة لما توفره من خامات تجمع بين سحر الشرق والغرب.

ووجهت نيرفين نصيحة للمصممات الشابات: "كثيرات هن المصممات لكن هناك ندرة في المميزات منهن، فكوني أنت رائدة نفسك، في الفكرة الخلاقة ودقة التصميم والإتقان المحكم والتعلم. والسؤال عن التخصص ليس عيباً أو انتقاصاً فالتعليم والموهبة أسلوب حياة متكامل".

تحديات كبيرة وفرص أكبر 

برزت مصممة الأزياء الأردنية هامة ياسين الحاصلة على دبلوم تصميم الأزياء من ميلان الإيطالية، وصاحبة علامة تجارية "خوذ فاشن"، بإضفائها روحاً إبداعية على عالم الأزياء العربية المختلفة، منحتها موهبتها إلهام العديد من المصممين الناشئين، وكان سرّ إبداعها هو قدرتها على تحديث موهبتها بالدراسة والتدريب بأسلوب فني مبتكر.

وتقول هامة: "أطمح كمصممة أزياء محترفة بأن تكون تصاميمي محل ثقة شخصيات نسوية مؤثرة عالمياً، حيث تغلب على تصاميمي الأناقة والراحة والسعادة والاستدامة. كما أطمح لبناء فريق عمل متكامل لدعم النساء في الأرياف ومخيمات اللاجئين وتدريبهم، وهو أمر يستنزف الوقت والمال. كما أواجه تحدياً في البحث عن القماش العصري والأكثر جودة؛ لأن ذلك سيعطي تصاميمي التفرد بعيداً عما هو مكرر".

مصممة الأزياء الأردنية هامه ياسين
مصممة الأزياء الأردنية هامه ياسين ()

حققت هامة نجاحاً غير مسبوق في أهم مهرجانات وأسابيع الموضة الأردنية والعالمية، وانطلقت عالمياً لأول مرة بقوة عبر تقديمها مجموعة أزيائها الجديدة لعام 2019 في أسبوع الموضة المحتشمة بدبي، فحازت مجموعتها إعجاب الحاضرين، وانتقت أقمشة أزيائها من مدريد ودبي وإسطنبول لتقدم فساتين مميزة ترغب كل سيدة بارتداء ثقافات عريقة مدموجة بالفلكلور التركي والعربي والغربي.

ترى هامة أن صناعة الأزياء في العالم العربي في مرحلة نمو متسارع وهي "فرصة لمن يواكب هذا النمو من المصممين العرب"، لكنها أقرت بوجود الكثير من التحديات أبرزها "محدودية الأيدي الماهرة من حرفيين وخياطين، الأمر الذي يحد من قدرة المصمم على تنفيذ أفكاره، بالإضافة إلى أن ارتفاع كلفة المواد الخام يضعف تنافسية منتجات المصممين، ويقلل فرص الربح والاستمرار للعلامة التجارية"، مشيرة إلى أهمية تطوير أدوات التسويق والاتجاه نحو التسويق والدفع الإلكتروني وذلك على غرار ما قامت به من خلال منصتها "خوذ فاشن".

وعن مكانة تركيا في عالم الأزياء والموضة، تقول هامة: "التنوع الغالب على تركيا في ثقافاتها وتاريخها وموقعها الجغرافي المتوسط بين الشرق والغرب انعكس بشكل جميل على أسواقها وبضائعها. فكانت ولا تزال وجهة لمصممي الأزياء من كل الدول، وذلك يعود لتوفر أنواع متعددة من الأقمشة ولوازم الأزياء، كما يسهل تنفيذ أي تصميم لتوفر الحرفيين المتميزين"، وتضيف: "بالنسبة لي لا تعتبر تركيا وجهة لشراء القماش وتنفيذ التصاميم فقط، بل هي مصدر للإلهام أيضاً أستوحي من طبيعتها وآثارها وشوارعها العديد من التصاميم والموديلات المبتكرة".

المصدر: TRT عربي