المكسيك.. عالم من الخطف والتعذيب والقتل (Eduardo Verdugo/AP)

كشف تحقيق لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، أنّ نحو 100 ألف شخص اختفوا في المكسيك منذ العام 1964 وحتّى اليوم.

وفي سياق متصل، أوضح تقرير سابق نشرته وزارة الداخلية المكسيكية عام 2017، أنّ إجمالي الذين فُقِدوا منذ 1964 حتى 2006 هم 1523 شخصاً فقط، وبقية إجمالي الغالبية الساحقة من المختفين، فُقِدوا بعد العام 2006.

ويشير مراقبون إلى أنّ الاختفاء بات يمثّل أبشع كابوس للأسر المكسيكية، إذ تُحرَم العائلات من معرفة أوضاع أبنائهم إن كانوا أحياءً أم أمواتاً، أو دفن جسده وتلقّي العزاء، وبعبارة أخرى هم يحرمون من أبسط حقوقهم، ويُترَكون في حالة من غياب اليقين.

والدة أحد المفقودين بالمكسيك (NYT)

مأساة الأمهات المكسيكيات

"يرقدون في قبور سريّة متناثرة عبر الصحراء، أو مختلطين في حفر جماعية، أو مُقطّعين إلى أشلاء مبعثرة على سفوح التلال الجافة". هذا هو حال القابعين في عِداد المفقودين في المكسيك، كما ورد في تحقيق صحيفة "نيويورك تايمز".

وتعاني الأمهات المكسيكيات الأمرّين، إذ يتجوّلن تحت أشعة الشمس الحارقة على أمل الحصول على أيّ من المتعلقات أو الخردة التي قد تشير إلى الابناء المفقودين أو البنات المفقودات، الذين قد يكونون دُفِنوا بلا اسم، وغالباً ما يكون المتبقّي بعد اختفاء أجسادهم، هو قميص ملطّخ بالدماء، أو فستان مُمزَّق.

وقالت نويمي باديلا ألداز، التي أمضت عامين في البحث عن ابنها خوان كارلوس، الذي كان يبلغ من العمر 20 عاماً عندما اختفى بعد أن أنهى نوبته الليلية في مطعم محلي، إنّها تعاني "حالة من عدم اليقين البشعة"، وتابعت: "إذا علمت أنّه مات، فسأعرف أنّه لا يعاني (..) لكنّنا لا نعرف شيئاً، إنّها حالة أشبه بالتعذيب".

وفي الوقت الحالي، ازدادت وتيرة تساؤل الأمهات في جميع أنحاء المكسيك أمثال السيدة ألداز، عمّا حدث لأبنائهن.

وأضافت الأم المكلومة: "في بعض الأحيان أعتقد أنّه لا يزال على قيد الحياة، وفي أحيان أخرى أقول لنفسي إنّه ليس كذلك، لكن لا يزال لدي أمل".

غالباً ما يكون المتبقّي بعد اختفاء أجساد المختفين، هو قميص ملطّخ بالدماء، أو فستان مُمزَّق (NYT)

لعنة الاختفاء والعجز الحكومي المستمر

تقترب المكسيك من مرحلة قاتمة، وهي تجاوز عدد المختفين في البلاد حد الـ100 ألف شخص، وفقاً للجنة البحث الوطنية المكسيكية، التي تحتفظ بسجلٍ يعود إلى عام 1964.

وفي بلد مزّقته حرب مخدرات طاحنة، ترتفع معدلات الاختفاء والقتل بلا هوادة، حيث تجاوز المعدّل السنوي للمفقودين الآن في المكسيك نحو 30 ألفاً. وتنتشر مشاهد مروّعة لجثث معلّقة على جسور أو ملقاة على جوانب الطرق.

ويطارد المفقودون الذاكرة الجماعية للمكسيكيين، وهي شهادة ساحقة على عجز الحكومة تلو الأخرى عن وقف إراقة الدماء وتقديم المجرمين إلى العدالة.

تلوح وجوه المختفين في المكسيك على لافتات وملصقات في الساحات العامة في مختلف مدن البلاد (NYT)

وقالت أنجليكا دوران مارتينيز، أستاذة العلوم السياسية بجامعة ماساتشوستس في لويل، والخبيرة في العنف بقارة أمريكا اللاتينية: "ربما يكون الاختفاء هو أشد أشكال المعاناة لأقارب الضحايا".

وتلوح وجوه المختفين في المكسيك على لافتات وملصقات في الساحات العامة في مختلف مدن البلاد، فوق رسائل من أقاربهم يرجون أيّة معلومات عن مصائرهم.

ولكن حتّى عند العثور على رفات جثث، فإنّ مهمة التعرف على الموتى تكون شاقة، وفي بعض الأحيان يستغرق المحقّقون أشهراً من الحفر وتمشيط الشوائب بحثاً عن أجزاء صغيرة من العظام، والتي يمكن أن يكون الكثير منها صغيراً للغاية أو مهترئاً بدرجة لا يمكن معها تحديد هوية الضحية.

ووفقاً لمارتينيز، فإنّ أزمة المختفين في المكسيك لا تشير إلى انتشار الجريمة المنظمة فحسب، بل وتظهر أيضاً ميلاً لدى القوات الأمنية في البلاد للانخراط في أعمال العنف.

تتجوّل الأمهات المكسيكيات تحت أشعة الشمس الحارقة على أمل الحصول على أيّ من المتعلقات أو الخردة التي قد تشير إلى ابنائهن المفقودين أو بناتهن (NYT)

جهود مُضنية وانتقادات واسعة

من بين الأمثلة الأكثر شيوعاً لتلك الظاهرة هو اختفاء 43 طالباً من كلية المعلّمين الريفية في بلدة "أيوتزينابا" عام 2014.

وألقى تحقيق أجراه إنريكي بينيا نييتو، الرئيس المكسيكي حينئذ، باللوم على عصابة مخدرات محلية وشرطة البلدية في حادثة اختفاء الطلاب، لكن موقفه قوبل بإدانة واسعة عبر خبراء دوليين، بما في ذلك الأمم المتحدة، التي وجدت أن العملية "شابها التعذيب والتستّر".

ويُعتقد على نطاق واسع أنّ الطلاب قد لقوا حتفهم، لكن لا أحد يعرف مكان جثثهم أو من فعل ذلك، أو حتى سبب ذلك.

وفي عهد الرئيس الحالي، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، حاولت السلطات إيقاف مثل هذه الفظائع ومساعدة العائلات في العثور على إجابات، إضافة إلى إعادة فتح تحقيق في مصير الطلاب الـ43، وقدّم الرئيس لوبيز أوبرادور دعماً ضخماً للجنة البحث الوطنية لتحديد مكان المفقودين.

وتترأس الجهود المحامية المتدرّبة في جامعة هارفارد، كارلا كوينتانا أوسونا، والتي بذلت جهوداً مُضنية، من خلال تجميع السجلات من المدعين العامين في جميع أنحاء البلاد، توصّلت عبرها إلى أعداد مخيفة من المفقودين، لتتضاعف الأرقام الرسمية المعلنة نتيجة ما توصّلت إليه أوسونا.

في عهد الرئيس الحالي، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، تحاول السلطات مساعدة العائلات في العثور على ذويهم (NYT)

وتساعد تكنولوجيا الطب الشرعي المحسّنة ومعدات البحث المتطوّرة مثل المُسيّرات، على الوصول إلى جثث المفقودين، حسب سيزار بينيش إسبيجل، المدّعي العام في ولاية "تشيهواهوا" المكسيكية، والتي تُعد من بين الولايات الأكثر عنفاً في المكسيك.

ويرى إسبيجل أنّه إلى أن تتمكن السلطات من القضاء على جماعات الجريمة المنظّمة، ستظل هذه الجهود غير فعّالة، وسط مد دموي يضيف عشرات الآلاف إلى القائمة كل عام، "وهذا ما عجزت الحكومة الفيدرالية عن معالجته"، على حد تعبيره.

جدير بالذكر أنّ نهاية عام 2006 جاءت بمثابة بداية الحرب الحكومية على عصابات المخدرات في المكسيك، حيث نشر الرئيس السابق فيليبي كالديرون، آلاف الجنود في ولاية ميتشواكان لمحاربة تجار المخدرات في ذاك الوقت.

لكن الحرب الدامية في المكسيك مستمرة بلا هوادة، حيث يُتَفوّق كل عام على الرقم القياسي السنوي الأكثر دموية، ولا يزال عدد الأشخاص المفقودين في ازدياد.

وأسفرت تلك الحرب التي أطلقها الرئيس السابق، كالديرون، عن مقتل أكثر من 300 ألف شخص، فضلاً عن نزوح أكثر من 340 ألف آخرين.

TRT عربي