يرغب جو، الشخصية الرئيسية في فيلم Soul، أن يكون عازفاً محترفاً، تُسَلَّط عليه الأضواء، وينتج أعمالاً موسيقية هامة، لكن ما لم يعلمه جو أن التدريس سيكون هو طريقه إلى احتراف العزف.

يبدو أن بيت دوكتير Pete Docter استطاع استغلال كلمة "روح" في فيلمه الأخير "روح" (Soul) أقصى استغلال ممكن للتعبير عن كل ما يمكن أن تعنيه الكلمة في السياق الأمريكي. نعلم المعنى اللغوي المباشر للكلمة، وهو المعنى الذي تشترك فيه الأديان والثقافات المختلفة حول العالم، أو الديانات الإبراهيمية على الأقلّ، وهو الجزء المُبهَم من الإنسان الذي يجعله حيّاً، وهو مِن فعل الإله الذي خلقه، ولكن في السياق الأمريكي تحديداً تشير الكلمة أيضاً إلى بعض المنتجات الثقافية لفئة الأمريكيين من أصل إفريقي كالموسيقى والطعام، وموسيقى "السول" (Soul music) تمزج بين موسيقى الجاز (Jazz) ونغمات الموسيقى الدينية المسيحية وبعض من البلوز (Blues)، وجميعها من أنواع الموسيقى التي يهيمن عليها الأمريكيون من أصل إفريقي. هكذا يعرض لنا الفيلم قصة "جو - Joe" عازف الجاز الأمريكي الأسمر الذي يقوم بتدريس الجاز للأطفال بشكل مؤقت حتى يتمكن من تحقيق حلمه في العزف في حفلات الجاز لصالح فرق شهيرة. جو سعيد بعمله، ويحصل على قدر لا بأس به من المرح مع الأطفال، بل إنه أثبت قدراً من الكفاءة لأن المدرسة عرضت عليه التعاقد للعمل معهم بشكل ثابت وراتب أفضل، وعلى الرغم من هذا النجاح فإنه ليس تحديداً ما يطمح إليه جو.

يرغب جو أن يكون عازفاً محترفاً، تُسَلَّط عليه الأضواء، وينتج أعمالاً موسيقية هامة، لكن ما لم يعلمه جو أن التدريس سيكون هو طريقه إلى احتراف العزف، فقد تواصل معه أحد تلاميذه السابقين الذي يعزف مع واحدة من أشهر عازفات الجاز كي يخبره أنهم يريدون عازفاً للفرقة وأنه مرشح للحصول على هذا المنصب.

تَعوَّدنا في السينما الأمريكية لفترة ليست بقصيرة، الصراعَ بين الحياة العادية الرتيبة بعض الشيء والحياة المليئة بالمغامرة والمخاطرة ومن ثم النجاح، من المتوقع أن نرى البطل في صراع نفسي بين القبول بالعمل الثابت الرتيب والسعي وراء حلمه والتضحية بالحياة المستقرة التي يراها كثيرون سعيدة، لكن الفيلم يقدّم مساراً مختلفاً للأحداث، إذ تَسبَّب ذلك العمل الرتيب في وصوله بشكل غير مباشر إلى فرصة لتحقيق حلمه. لم يصدق جو أذنيه، ولم تسَعْه سعادته، وبشكل سريع تَحرَّك من أجل تحضير نفسه لهذا اللقاء الأسطوري، يقول جو إنه إذا عزف لتلك العازفه فسيموت سعيداً، فهو لا يرغب في شيء آخر في حياته، وبينما يسير جو في طريق عودته من المدرسة يتعرض لحادثة مفاجئة ويموت!

الـ"ما قبل" والـ"ما بعد"

كما في هذا المقال بالضبط، فموت البطل يحدث في الربع الأول من الفيلم، لينتقل بنا الفيلم إلى روح جو، وهي في طريقها إلى "ما بعد الحياة"، وبطبيعة الحال فالفيلم يتجنب مناقشة ما يحدث بعد الحياة أو قبلها، لذلك يطلق عليهما حرفياً الـ"ما بعد" والـ"ما قبل"، لكنه لسبب ما يضيف إليهما وصف "العظيم" أي "الما بعد العظيم" (The Great beyond).

يرغب جو أن يكون عازفاً محترفاً، تُسَلَّط عليه الأضواء، وينتج أعمالاً موسيقية هامة (IMDb)

يستطيع جو الهرب من الما بعد ليجد نفسه في الما قبل، حيث تجتمع الأرواح قبل ذهابها إلى الأرض لتبدأ الحياة، في هذه المرحلة تتشكل الشخصيات المختلفة للبشر، وفي هذه المرحلة نلاحظ تبنّي الفيلم فكرة أن شخصية الإنسان تتحدد بعوامل ثابته، بل ومعرفة كبيرة يحصل عليها قبل مجيئه إلى الحياة، وهي الفكرة التي بدأها المحلل النفسي كارل يونغ، يقول يونغ إن الإنسان لا يولد كصفحة بيضاء، بل إنه يولد وهو محمَّل بخبرات وتاريخ طويل، لكنه لا يعي به، وتتميز نفس الإنسان بخصائص معينة تلتصق بها ولا تتغير بشكل جذري على مدار حياته، وحدّد أربع خصائص متمايزة تمثل الملامح النفسية الثابتة لكل إنسان. حاولت الكاتبتان إزابيل مايرز وأمها كاثرين بريجز تطوير نظريات كارل يونغ وإنتاج مرجع تحليل للشخصيات بناءً على هذه الخصائص الأربع، ثم قام ماكري وكوستا بتطوير النظرية الأكثر قبولاً وانتشاراً في الأوساط العلمية في الوقت الحالي وهي "نموذج العوامل الخمسة".

قدّم الفيلم نظريته معتمداً على خمسة عوامل أيضاً، وبدأت الحبكة من الخاصية الخامسة التي أسماها الألق أو الشرارة Spark، والروح قد تجد ألقها في أي نشاط ممكن، قد يشعر البعض بألق يبثّ فيه الحياة تجاه الرياضة، أو حتى تجاه لعب كرة القدم تحديداً أو حلّ المعادلات الرياضية أو التنظير أو مجرد فعل الكتابة، وعادة ما تكون الأسباب التي تجعل الروح تجد ألَقَها في فعل محدد غير واضحة، والفيلم يعرض لنا قصة روح جو التي تقوم بتدريب الروح رقم 22 كي تجد ألقها قبل أن تولد لتبدأ حياتها على الأرض، لكن الروح رقم 22 غير قادرة على أن تجد أي نشاط يثير فيها أي عاطفة، لذلك فهي ترفض أن تأتي للحياة وترغب في أن تظل كما هي في عالم "الما قبل العظيم".

الألق الزائف للعاطفة

دون أن نلاحظ وبأسلوب شديد السلاسة يقوم كل من "جو" والروح رقم 22 بتأويل الألق إلى الهدف من الحياة، فبدلاً من البحث عن الألق نجد اللغة المستخدمة أصبحت "يجب أن نبحث عن هدفك من الحياة" بدلاً من "يجب أن نبحث عما يشعل شرارة روحك"، والسبب في ذلك هو إيمان "جو" بالتصور القائم بأن لكل إنسان شيئاً ما هو هدفه في الحياة، وبالنسبة إليه فهدفه هو عزف الجاز، لقد وُلد جو كي يعزف الجاز، وهذا هو الهدف والأولوية الأولى لحياته، وفي سبيله يمكن التضحية بأي شيء كالاستقرار أو النجاح المهني أو الزواج، لكن الفيلم يقلب لنا هذا المفهوم رأساً على عقب من خلال إعطاء فرصة أخرى لجو كي يعود إلى الحياة ويلتحق بفرقة الجاز الشهيرة، ومع أول عرض له يتمكن جو من عرض قدر كبير من موهبته التي يقابلها الجمهور بتصفيق حادّ. بعد نهاية العرض يفكّر جو أنه لم يشعر بما تَصوَّر أنه سيشعر به! لقد حقق حلمه بالفعل لكن حلمه هذا لا يبدو مختلفاً عن حياته العادية كثيراً، إذ يسأل جو دوروثيا Dorothea بعد نهاية الحفل عما سيفعلونه في اليوم التالي، لترد عليه قائلةً: "نفس الشيء، سنأتي هنا ونعزف مجدداً".

في هذه اللحظة يتضح لجو زيف هذه الفكرة، ويفهم أن الألق ليس هو الهدف من الحياة، فلكل إنسان شخصيته المميزة بالفعل ولكل إنسان ما يشعل شرارة عاطفية بداخله تجعله متمايزاً أو متفرداً في شيء محدد، لكن هذا ليس هو الهدف من الحياة، هذا الألق لا يعدو كونه مجرد واحد من محددات الشخصية، وهو أحد أبعاد الحياة لا أكثر. ويمضي الفيلم ليشرح فكرته النهائية، وهي أن الهدف من الحياة هو الحياة ذاتها، يجب أن نستمتع بالحياة، وبكوننا أحياء، ونلاحظ الأشجار الجميلة، والسماء الصافية، والملمس المخملي لفراء القطط، والطعم الرائع لقطعة بيتزا.

يتضح لجو زيف هذه الفكرة، ويفهم أن الألق ليس هو الهدف من الحياة، فلكل إنسان شخصيته المميزة بالفعل (IMDb)

الألق الزائف للحكمة

تقول دوروثيا لجو إنه يذكّرها بقصة سمكة صغيرة سألت أخرى كبيرة عن كيفية الوصول إلى المحيط، لكن السمكة الكبيرة قالت لها إنهما في المحيط بالفعل، فتردّ السمكة الصغيرة متعجبةً: "هذا هو المحيط! هذا غير صحيح، هذه مياه، ما أريده هو المحيط".

تمثل هذه القصة النقطة المحورية التي تشرح لنا نظرية الفيلم عن الحياة، لكن هذه القصة كمثيلاتها من القصص الرمزية تقدم حكمة عامة يمكن فهمها على عدة أوجه، فالقصة تقدم مقابلة بين عدم إدراك السمكة الصغيرة أنها في المحيط بالفعل لأنها ترى ما حولها بوصفه ماءً، في حين أن واقع الأمر أن المحيط ليس إلا ماءً، وهي مغالطة منطقية، فالمحيط ليس مجرَّد مسطح مائي كأي مسطح مائي، واختلاف العوامل الأخرى كالحجم والعمق ودرجة الملوحة وغيرها من العوامل تساهم في جعل المحيط شيئاً متمايزاً من البحر، وبطبيعة الحالة مختلفاً تماماً عن حوض لأسماك الزينة.

وهذا هو ذاته الحال مع جو، فجو يعزف الجاز بالفعل، لكن بين عزفه في سياق التدريس وسياق الحفلات الموسيقية فارقاً، فالتدريس يجلب معه شعوراً بالسعادة والقيمة لأسباب كنشر العلم أو مساعدة أشخاص آخرين، فيما يأتي مع الحفلات الموسيقية شعور بالسعادة والقيمة نتيجة للحصول على تقدير عدد كبير من المستمعين أو الوصول إلى درجات أعلى من الإتقان، وفي واقع الأمر لا يمكننا تجاهل مجموعة العناصر المختلفة المتضمنة في الحدث واختزاله في العزف، فكلاهما عزف، والحياة هي ذاتها الحياة في جميع الأحوال، يجب فقط أن تحياها وتستمتع بها. يقول الفيلسوف سلافوي جيجك في حوار له مع بول هولدينغريبر في مؤتمر مسرح الكتاب الدولي في الدنمارك إنه يكره الحكمة، فالحكمة كتعدُّد الآلهة، وأي فعل يمكن تبريره في صورة حكمة، إن هذا النوع من القصص الرمزية الحكيمة لا يقدّم معرفة حقيقية. إذا فكّرنا في هذه القصة بنفس هذا الأسلوب فسنجد أن من السهل أن تبدو مقولة "لا تلهث بحثاً عن المحيط؛ ما المحيطات والبحار سوى مسطحات مائية" مقولة حكيمة، وأيضاً يمكن أن يبدو عكس هذه الفكرة بالضبط حكيماً بنفس القدر، فتكون الحكمة في هذه الحالة هي "لا تحدّ نفسك بحدود بحيرة صغيرة؛ العالم واسع، ولكل نقطة ماء مذاقها الخاصّ".

يبدو لنا أن فيلم Soul ينطوى على أسئلة أكثر مما يحوي من أجوبة. ما يظهر لنا من الفيلم أن بيت دوكتير لا يعلم بشكل حقيقي ما الهدف من الحياة، وقد وقع الفيلم في فخّ محاولة تقديم إجابة بسيطة عن واحد من أعمق وأصعب أسئلة البشرية، بل إن صانع الفيلم حمل معه تراثه الديني دون أن يدري، فإلحاق وصف العظيم بما بعد وما قبل الحياة يعطي انطباعاً أن صانع الفيلم يرى أن الحياة أقلّ أهمية منهما، أو أن خارج الحياة عالماً عظيماً، وهذه الحياة هي مجرد مرحلة بينية بسيطة، وهذه النظرة إلى الحياة الدنيا هي نظرة دينية كلية، لكن على الرغم من استبطان الكاتب لهذه النظرة الدينية فإنه حاول الإجابة عن سؤال الهدف من الحياة من داخل الحياة، متاجهلاً أن يكون ما بعدها وما قبلها عوامل مؤثرة في تحديد هذا الهدف، لذلك ظهرت الشخصيات التي تدير هذه العوالم بوصفهم موظفين روتينيين يقومون بأدوارهم بشكل محايد. لقد قدم الفيلم وجبة بصرية وموسيقية ممتعة وجميلة، لكنه أثقل كاهله بمحاولة الإجابة عن أسئلة لا يملك إجابة حقيقية لها.

TRT عربي