حضارات عدة تعاقبت على مدينة صيدا اللبنانية اندثرت عبر التاريخ، تركت وراءها حكايات عريقة تجسدت بصور فنية هندسية تذّكر بكل من وطئت قدمه بوابة الجنوب اللبناني ونسج فيها لغته وحضارته.

من وسط سوق مدينة صيدا القديم يمزج "قصر دبانة" بتصميمه الداخلي فن العمارة العثمانية العربية ذات الطابع التقليدي في بلاد الشام، وأخشاب شجر الأرز المحفور في أسقف القصر كما هو في جبال لبنان. ويكاد يكون هو القصر الوحيد المتبقي من قصور البلاد من حيث تميزه بلمسة عثمانية.

عام 1721 شيد قصر دبانة على يد المغربي الأصل علي آغا حمود أحد أعيان مدينة صيدا ومن قيّمي الشؤون المالية والضريبية في ذلك الزمان. عاش فيه مئة عام وتوفي عام 1800.

في العام ذاته انتقلت ملكية القصر إلى عائلة جوزيف دبانة بعد شرائه وسكنهم فيه، وعمل على جعله يتميز بعناصر الفن العثماني في أروقته.

وفي خضم اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية بين عامَي (1975-1990)، اضطرت عائلة دبانة إلى ترك القصر عام 1978 من جراء الخضات الأمنية التي عصفت بالمدينة آنذاك.

ثلاثمئة عام على ميلاد "قصر دبانة" جعله من أهم المعالم العثمانية التي بنيت في مدينة صيدا خلال ثلاثة قرون من الزمن. بخاصة أن المدينة شهدت نشأة مدارس ودور عبادة ومحلات وفنادق ومستشفيات تعود إلى العهد العثماني عام 1516 و1918.

يمزج "قصر دبانة" بتصميمه الداخلي فن العمارة العثمانية العربية ذات الطابع التقليدي، وأخشاب شجر الأرز المحفور في أسقف القصر كما هو في جبال لبنان (TRT Arabi)

إلى جانب "قصر دبانة" تقع كنيسة "مطرانية صيدا ودير القمر للكاثوليك" التي شيدت عام 1881. فيما يقابله من الجهة البحرية "الجامع البراني" الذي بناه الأمير فخر الدين الثالث قبل 350 عاماً.

مئة عام من الفن العثماني

"قصر دبانة هو أقدم بمئة عام من قصر بيت الدين لكنه أصغر حجماً"، بهذه الكلمات تصف مديرة "قصر دبانة" ألفت البابا ميزات القصر الذي يطغى عليه الفن العثماني والحضارة العربية.

تقول في حديث لـTRT عربي: "يضم القصر باحة داخلية غير مسقوفة تتوسطها بركة ماء (غير ممتلئة حالياً) كانت تبرد الأجواء الحارة في الصيف، وتحجب أحاديث الزوار الذين كانوا يقصدون القصر قديماً بفعل خرير المياه فيها. إضافة إلى بهو مركزي أو ما يعرف بفناء رئيس، يسمح بالولوج إلى الغرف الأخرى التي تتفرع منه. كغرف الإيوان والديوان اللذين يحتويان على زخارف من الفسيفساء الملونة ولوحة من الشعر محفورة على الحائط الأساسي للديوان فيها مديح خاص بعلي آغا حمود مع تاريخ بناء القصر، تتضمن: "لن تبلغ الأعداء منك مرادهم.. كلا ولا يصلوا إليك بمكرهم". بالإضافة إلى سقف من خشب الأرز المحفور والملون".

"كما يحتوي القصر على مفروشات خاصة بعائلة دبانة لا تزال موجودة بداخله، تعود إلى القرن الـ19، إلى جانب تحف وبنادق قديمة ولوحات فنية. ويضم القصر مجسماً رخامياً لختم السلطان ومجموعة آلات موسيقية تعود إلى العهد العثماني، يعود منشأ البعض منها إلى تركيا وسوريا وأفغانستان وتركمانستان، مثل الربابة والزندجل والبزق والعود".

بهو مركزي أو ما يعرف بفناء رئيس، يسمح بالولوج إلى الغرف الأخرى التي تتفرع منه (TRT Arabi)

هندسة عثمانية جاذبة للسياح

"يوجد الكثير من المتاحف والبيوت الصيداوية ذات الطابع العثماني، لكن آل حمود عملوا على ترك أثر عثماني خاص تجسد بقصر دبانة، كونه بني خلال الفترة التي سقطت فيها الخلافة وخروج العثمانيين، وسيطرة الفرنسيين على بلاد الشام"، حسب رئيس اللجنة الثقافية في بلدية مدينة صيدا كامل كزبر.

يضيف كزبر في حديث لـTRT عربي: "جرى تحويل قصر دبانة إلى متحف عام 2001 يقصده الزوار والسياح بشكل مجاني،بعد أن أعاد وقف دبانة تأهيله، وبعد انتسابه إلى المجلس الدولي للمتاحف التاريخية. ومنذ ذلك الحين نشهد في أروقته حضوراً سياحياً مهماً جداً من مختلف البلدان، أجانب وعرب. على سبيل المثال يأتي الأتراك خصيصاً ليستمتعوا بفن العمارة العربية والعثمانية. فضلاً عن كونه موجوداً على خريطة السياحة الداخلية في لبنان".

بيوت تاريخية وأسواق قديمة تحتوي دكاكين حرف يدوية يملكها آلاف اللبنانيين لا تزال شاهدة على عراقة الحضارة العثمانية التي كانت سائدة آنذاك. وهذا إن دل على شيء، فهو الحضور العثماني الذي لا يمحى من الذاكرة اللبنانية شعباً وعمراناً.

TRT عربي