يحتفل العالم الإسلامي وخصوصاً في تركيا كل عام بالذكرى السنوية لانتصار ملاذكرد في السادس والعشرين من أغسطس/آب حينما انتصر الأتراك السلاجقة بقيادة السلطان محمد ألب أرسلان على البيزنطيين بقيادة الإمبراطور رومانوس الرابع عام 1071 الموافق 463هـ.

يُعَدّ انتصار ملاذكرد واحداً من أكثر الانتصارات تأثيراً في التاريخ الإسلامي، بل والمسيحي أيضاً.

ولا تنبع أهمية الانتصار في ملاذكرد من كونه مهّد الطريق أمام الفتوحات التركية في الأناضول فحسب، بل تعدى تأثيره إلى إحداث تغيرات سياسية وجغرافية وحتى اقتصادية وديموغرافية في منطقة الأناضول.

سبب الحرب

بعد وفاة السلطان السلجوقي طغرل بك نشب صراع على الحكم حسمه ابن أخيه ألب أرسلان بمساعدة وزيره الشهير نظام الملك عام 1063.

وعمل ألب أرسلان عدة سنوات على تثبيت دعائم ملكه في المناطق التابعة له قبل القيام بفتوحات جديدة،ثم اتجه بعد ذلك إلى توسيع رقعة الدولة عبر الفتوحات.

الرئيس التركي في زيارة إلى المقبرة السلجوقية في قضاء أهلاط بولاية بتليس جنوب شرقي البلاد، على هامش مشاركته في احتفالات الذكرى السنوية الـ949 للنصر في معركة ملاذكرد
الرئيس التركي في زيارة إلى المقبرة السلجوقية في قضاء أهلاط بولاية بتليس جنوب شرقي البلاد، على هامش مشاركته في احتفالات الذكرى السنوية الـ949 للنصر في معركة ملاذكرد (AA)

وفي عام 1071 أعد ألب أرسلان جيشاً كبيراً وخرج به متوجها إلى مصر لتخليصها من حكم الفاطميين.وفي الطريق سيطر على ديار بكر وحلب.وفي الطريق، أيضاً، علم بأن الإمبراطور البيزنطي رومانوس ديوجينيس قد خرج على رأس جيش ضخم قاصداً القضاء على دولة السلاجقة وإنهاء الوجود التركي في إيران وشرق الأناضول ثم التوجه إلى بغداد.

كان الإمبراطور رومانوس يطمح إلى نصر عسكري كبير يثبّت به نفسه إمبراطوراً ويقوّي دعائم حكمه لإقناع شعبه والنبلاء في الإمبراطورية بأنه يستحق الملك لكونه لم يكُن منحدراً من نسل الإمبراطور،بل تُوّج إمبراطوراً بعد زواجه بالإمبراطورة إيدوكيا مكرمبولتيسا، أرملة الإمبراطور قسطنطين العاشر دوكاس.

توجه ألب أرسلان بجنوده إلى شرقي الفرات وأمر بتسريح معظم القوات التي كانت قد أُنهِكَت، وواصل السير بفئة قليلة من جنوده نحو مدينة خوي(في أذربيجان)،فيما أرسل زوجته ووزيره نظام الملك إلى همذان.

ويذكر المؤرخ الأصفهاني في كتابه "تاريخ آل سلجوق" أن السلطان ألب أرسلان بقي مع 15 ألف فارس من نخبة رجاله مع كل فارس منهم فرس يركبه وفرس بجواره، في حين قدر أعداد الجيش البيزنطي بأكثر من 300 ألف من مختلف الأعراق والأجناس.

وفي المصادر اختلاف بخصوص أعداد الجيشين، إلا أن بعض الأبحاث الأكاديمية الحديثة يرجّح أن يكون جيش السلاجقة في حدود50ألف جندي في مقابل 200 ألف جندي في جيش الإمبراطور البيزنطي، قسم كبير منهم من المقاتلين المرتزقة.

اقرأ أيضاً:
لماذا حافظ العثمانيون على الآثار الإسلامية في إسطنبول؟

عسكر الجيشان، حسب ابن الجوزي في كتابه "المنتظم في تاريخ الممالك والأمم" بالقرب من ملاذكرد (تقع حالياً داخل حدود ولاية موش شرقي تركيا)، وأرسل السلطان ألب أرسلان رسولاً إلى الإمبراطور يعرض عليه الهدنة، فرفض الأخير واستهزأ بجيش السلطان وقال:"لا هدنة إلا في الري" (عاصمة دولة السلاجقة، تقع حاليّاً في طهران).

وذكر ابن الأثير في "الكامل" أن الشيخ محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي معلّم ألب أرسلان نصحه بأن يبدأ هجومه على البيزنطيين يوم الجمعة في الساعة التي يكون فيها الخطباء على المنابر يدعون للمجاهدين بالنصر،وهو ما استجاب له السلطان ألب أرسلان.

يعَدّ انتصار ملاذكرد واحداً من أكثر الانتصارات تأثيراً في التاريخ الإسلامي، بل والمسيحي أيضاً
يعَدّ انتصار ملاذكرد واحداً من أكثر الانتصارات تأثيراً في التاريخ الإسلامي، بل والمسيحي أيضاً (AP)

وبعد أن أمّ السلطان جنوده في صلاة الجمعة ولبس لباسه الأبيض، وعقد ذيل فرسه بنفسه خطب في الجنود قائلاً: "نحن مع القوم تحت الناقص وأريد أن أطرح نفسي عليهم في هذه الساعة التي يُدعَى فيها لنا وللمسلمين على المنابر،فإما أن أبلغ الغرض وإما أن أمضي شهيداً إلى الجنة.فمن أحب أن يتبعني منكم فليتبعني، ومن أحب أن ينصرف فليمضِ مصاحباً عني، فما ها هنا سلطان يأمر ولا عسكر يُؤمر، فإنما أنا اليوم واحد منكم وغازٍ معكم".

وأوصى ألب أرسلان بتولية ابنه ملك شاه من بعده قائلاً:"وإن تَكُ الأخرى (يقصد الشهادة) فأنا أعهد إليكم وأُشهِدُ الله عليكم أن تسمعوا لولدي ملك شاه وتطيعوه، وتقيموه مقامي وتملّكوه عليكم، فقد وقفت هذا الأمر عليه، ورددته إليه".

والتقى الجيشان ودارت بينهما حرب ضروس استمرت حتى زوال الشمس،حقق السلاجقة فيها انتصاراً ساحقاً على جيش الإمبراطور الذي وقع في الأسر وأُبيدَ معظم جيشه.

وذكر ابن الأثير أن السلطان ألب أرسلان وبّخ الإمبراطور لرفضه الهدنة وتفضيله قتال المسلمين،إلا أنه عفا عنه مقابل أن يفدي الإمبراطور نفسه بألف ألف دينار وخمسمئة ألف دينار، وأن يرسل عساكر الروم إلى السلطان في أي وقت يطلبها، وأن يطلق كل أسير في بلاد الروم. وأنزل السلطان الإمبراطور في خيمة وأرسل إليه عشرة آلاف دينار يتجهز بها.

إلا أن أسرة دوكاس في القسطنطينية انقلبت ضد الإمبراطور وأطاحت به من العرش لما علمت بنبأ هزيمته وأسره.

رغم أن معركة ملاذكرد لم تكُن فتحاً إسلامياً بالمعنى المعروف بل كانت بمثابة حرب دفاع عن النفس، فقد كان لها تأثير كبير على المنطقة من الناحية الديموغرافية
رغم أن معركة ملاذكرد لم تكُن فتحاً إسلامياً بالمعنى المعروف بل كانت بمثابة حرب دفاع عن النفس، فقد كان لها تأثير كبير على المنطقة من الناحية الديموغرافية (AA)

بلغ نبأ انتصار المسلمين في ملاذكرد الخليفة العباسي ببغداد، كما انتشر في كل أرجاء العالم الإسلامي.وهنَّأ الخليفة السلطان ألب أرسلان ولقّبه، كما ذكر صدر الدين أبو الحسن علي في "أخبار الدولة السلجوقية"، بـ"السلطان الأعظم ملك العرب والعجم، وسلطان ديار المسلمين برهان أمير المؤمنين".

تأثير انتصار ملاذكرد في التاريخ الإسلامي والأوروبي

رغم أن معركة ملاذكرد لم تكُن فتحاً إسلامياً بالمعنى المعروف بل كانت بمثابة حرب دفاع عن النفس، فقد كان لها تأثير كبير على المنطقة من الناحية الديموغرافية، إذ سمح السلطان ألب أرسلان للقادة ورؤساء القبائل الذين حاربوا معه بفتوحات في الأناضول، وأذن لكل من يفتح منطقة بأن يملكها ويحكمها.

بذلك بدأت فترة الإمارات التركية الأولى في الأناضول وأصبحت الأناضول منطقة ذات أغلبية تركية مسلمة بعد أن كانت موطناً للروم الأرثوذكس.

كذلك أدى استنزاف الإمبراطور معظم خزينة الإمبراطورية لتجهيز الجيش الضخم إلى إضعاف قوتها اقتصادياً، علاوة على هجرة عديد من السكان الروم الذين كانوا يشتغلون بالزراعة في مناطق شرق ووسط الأناضول التي سكنها الأتراك، إلى مناطق غربي الأناضول،وبالتالي حُرمت الإمبراطورية البيزنطية موارد زراعية هامة كانت تعتمد عليها.

كما مهّد انتصار ملاذكردلتأسيس دولة سلاجقة الروم (سلاجقة الأناضول)ليتغير بعدها مصير وتاريخ منطقة الأناضول التي أصبحت وطناً دائماً للأتراك المسلمين. ومع سقوط دولة سلاجقة الأناضول ظهرت في الأناضول أيضاً الدولة العثمانية التي تحولت في ما بعد إلى واحدة من أكبر الإمبراطوريات التي عرفها التاريخ.

من الآثار المهمة التي ترتبت على الانتصار في ملاذكرد وغيرت في تاريخ العالم الإسلامي والمسيحي على حدّ سواء، بداية الحملات الصليبية على العالم الإسلامي
من الآثار المهمة التي ترتبت على الانتصار في ملاذكرد وغيرت في تاريخ العالم الإسلامي والمسيحي على حدّ سواء، بداية الحملات الصليبية على العالم الإسلامي (AA)

ومن الآثار المهمة التي ترتبت على الانتصار في ملاذكرد وغيرت في تاريخ العالم الإسلامي والمسيحي على حدّ سواء، بداية الحملات الصليبية على العالم الإسلامي واستمرارها على مدار 170عاماً.

فعلى الرغم من الخلاف المذهبي بين البابا في روما والكنيسة الأرثوذكسية في القسطنطينية، فإن أوروبا كانت تنظر إلى الدولة البيزنطية باعتبارها حارسة البوابة الشرقية لأوروبا وحائط الصدّ الأول ضد المسلمين.وبعد هزيمة الدولة البيزنطية أمام الأتراك المسلمين وعدم تمكُّنها من حشد جيش قوي للتصدي لهم بعد ذلك، بدأ الغرب يفكّر في مد يد العون إلى الدولة البيزنطية في البداية ضد المسلمين، ثم بدأت أوروبا تفكّر في غزو المشرق الإسلامي بنفسها.

ففي عام 1095 عقد البابا أوروبان الثاني الطامح إلى أن يصير الزعيم الأوحد للعالم المسيحي، مؤتمراً موسعاً في مدينة كليرمون الفرنسية دعا فيه الملوك والأمراء وعامة الشعب إلى التوجه عسكريّاً إلى الشرق الإسلامي، بناءً على طلب المساعدة الذي قدمه له الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين،وكلف البابا الراهب بطرس الناسك بتنفيذ جولات مكثفة في أوروبا لتحميس الناس.

وفي 1099 انطلقت الحملة الصليبية الأولى على العالم الإسلامي وأُسّسَت أول إمارات صليبية في العالم الإسلامي.وقد استمرت الحملات الصليبية على المشرق الإسلامي نحو قرنين من الزمن.

المصدر: TRT عربي